تكهّن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، بالمدة التي قد يحتاجها الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح قادراً على تولّي مهام فرق القيادة العليا في المؤسسات. وقال ألتمان، في حديثه إلى برنامج البودكاست «محادثات مع تايلر» في نوفمبر 2025: «سيكون من المخزي بالنسبة إليّ إن لم تكن أوبن إيه آي أول شركة كبيرة يديرها رئيس تنفيذي من الذكاء الاصطناعي».
وليس ألتمان وحده من يتخيل مستقبلاً يتولى فيه الذكاء الاصطناعي قيادة الشركات. فقد كشف مارك زوكربيرغ أيضاً أنه يعمل على تدريب وكيل من الذكاء الاصطناعي بهدف أتمتة جزء من مهامه بصفته رئيساً لشركة «ميتا».
وتقوم الفكرة وراء الرئيس التنفيذي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والمبني على تقنيات التعلم الآلي والشبكات العصبية، على أنه سيكون قادراً على تبسيط عملية اتخاذ القرارات وتحسين العمليات الإدارية ورفع كفاءتها. وهذه الفكرة ليست جديدة تماماً. ففي عام 2017، كان جاك ما، الرئيس التنفيذي لشركة التجارة الإلكترونية الصينية «علي بابا»، يتوقع بالفعل صعود قادة أعمال روبوتيين قادرين على تولّي زمام الشركات.
ومنذ ذلك الحين، عينت عدة شركات روبوتات تعمل بالذكاء الاصطناعي وتحمل هيئة بشرية في مناصب الرئيس التنفيذي، من بينها شركة ألعاب الفيديو الصينية «نت دراغون ويب سوفت» وشركة المشروبات البولندية «ديكتادور». وربما تبدو هذه النماذج أقرب إلى حيل دعائية مغلفة بلغة الاستراتيجية المؤسسية، لكن الفكرة التي تقف وراءها أكثر جدية: إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ المهام التي يؤديها القائد البشري، فمن المفترض أنه يستطيع القيام بها بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
لكن ألتمان يرى أن العقبة الأساسية ليست في قدرة الذكاء الاصطناعي على إدارة الشركة بقدر ما هي في استعداد البشر لقبول هذه الفكرة. فمن الناحية التقنية، يمكنك بالفعل إدارة شركة عبر مجموعة من العمليات والخوارزميات. غير أن الموظفين، على سبيل المثال، قد لا يكونون مستعدين بعد للعمل تحت قيادة رئيس تنفيذي من الذكاء الاصطناعي يمتلك سلطة توظيفهم وفصلهم واتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم المهني.
ولهذا السبب، قال ألتمان إنه يتصور استمرار ظهوره بوصفه الوجه الإعلامي لشركة «أوبن إيه آي»، أي قائداً كاريزمياً لمؤسسة تعتمد في معظم عملياتها على الأتمتة.
وجه بشري وعقل اصطناعي
تنسجم رؤية ألتمان مع ما يمكن تسميته «عكس الميكانيكي التركي»، أي الحالة التي يُخفى فيها الذكاء الاصطناعي خلف واجهة بشرية تبدو مألوفة ومطمئنة.
أما «الميكانيكي التركي» الأصلي، فكان آلة للعب الشطرنج صممها وبناها المهندس والمخترع فولفغانغ فون كيمبيلين. وكُشف عنها للمرة الأولى عام 1770 في البلاط الإمبراطوري النمساوي لإبهار الإمبراطورة ماريا تيريزا. وكانت الآلة تتكون من مجسم يرتدي زياً عثمانياً ويجلس أمام رقعة شطرنج فوق صندوق كبير، بحيث يبدو للمتفرجين وكأنه يلعب الشطرنج بنفسه، بل وينجح في هزيمة منافسيه من البشر في كثير من الأحيان.
ولما يقرب من قرن من الزمان، جاب «الميكانيكي التركي» أوروبا والولايات المتحدة، وتمكن من هزيمة عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم نابليون وبنيامين فرانكلين. وفي نهاية المطاف، اشترى طبيب عائلة إدغار آلان بو الآلة، وأكد ما كان كثيرون قد بدأوا يشكون فيه منذ زمن طويل: لم تكن الآلة ذكية على الإطلاق، بل كانت مجرد خدعة تخفي لاعب شطرنج بشرياً داخل الصندوق.
أما مستقبل القيادة كما يتصوره ألتمان، فيأتي على النقيض تماماً من «الميكانيكي التركي». فالشركة ستبدو بشرية من الخارج، وسيكون ألتمان هو وجهها الودود والقائد الذي يتحدث إلى الموظفين والجمهور، لكنها ستكون في جوهرها مؤسسة آلية تديرها الخوارزميات.
ومن منظور ألتمان، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتولى كل المهام التي يُفترض أن يؤديها الرئيس التنفيذي البشري، بما في ذلك صياغة رؤية المؤسسة، والتعبير عن قيمها التنظيمية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية. أما الجمهور، فلن يرى سوى العنصر البشري في الصورة، ولن يرى الخوارزميات التي تعمل خلف الكواليس وتدير معظم ما يحدث فعلياً.
القيادة في عصر الذكاء الاصطناعي
لكن هل يستطيع رئيس تنفيذي من الذكاء الاصطناعي أداء وظيفته بصورة أفضل من نظيره البشري؟
إذا كان دور الرئيس التنفيذي يقتصر على تعظيم الكفاءة والسعي إلى تحقيق نمو السوق بأي ثمن، فقد تكون الإجابة «نعم». فالذكاء الاصطناعي صُمم في الأساس لإنتاج مخرجات عالية الاحتمال استناداً إلى الأنماط التي يكتشفها في البيانات، وهو قادر على تحليل كميات هائلة من المعلومات واتخاذ قرارات متسقة بناءً على تلك الأنماط.
لكن معظم الناس يتوقعون من القادة أكثر بكثير من مجرد التحسين الخوارزمي؛ فهذا النوع من الإدارة قد يتحول بسهولة إلى تطبيق بارد لمنطق «الغاية تبرر الوسيلة»، من دون قلب أو روح.
ولا تزال الأهمية التي نوليها لمفاهيم مثل الأصالة، والمسؤولية، والنزاهة، والقيادة القائمة على القيم، دليلاً على أننا نريد من قادة الشركات شيئاً يتجاوز الكفاءة الحسابية. نحن لا نبحث فقط عن شخص يختار القرار الأكثر ربحية، وإنما عن قائد يمكنه أن يتحمل المسؤولية عن قراراته، وأن يفهم البشر الذين يعملون معه، وأن يوازن بين المصالح المتعارضة، وأن يتصرف وفق مبادئ أخلاقية عندما لا يكون الخيار الأفضل اقتصادياً هو بالضرورة الخيار الصحيح.
وكما نعرف أن أجهزة الكمبيوتر تتفوق علينا بفارق هائل في معالجة الأرقام وإجراء العمليات الحسابية، فإننا نعرف أيضاً أن الكمبيوتر لا يمتلك القدرة على ممارسة بعض أهم الصفات التي ننسبها إلى القيادة، مثل التعاطف والحكم الأخلاقي وتحمل المسؤولية بالمعنى الإنساني.
فنموذج لغوي كبير قائم على المحادثة لا يستطيع ممارسة قيادة حقيقية، تماماً كما أن غسالة الأطباق لا تستطيع أن تقع في الحب.
ومع ذلك، قد يكون رئيس تنفيذي يعمل بالذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة الصفات التي نتوقعها من القادة الجيدين. فقد يتمكن، على سبيل المثال، من إقناع الموظفين بأنه يهتم بهم، أو بأنه يشعر بشغف تجاه مهمة الشركة، أو بأن نجاحهم الشخصي يعني له الكثير. ويمكنه أن يفعل ذلك بالطريقة نفسها التي يخبرنا بها أي روبوت محادثة بالأشياء التي نرغب في سماعها، مستخدماً اللغة والنبرة والسياق المناسبين لإنتاج استجابة تبدو إنسانية ومقنعة.
لكن المشكلة أن أياً من ذلك لن يكون حقيقياً.
فرئيس تنفيذي من الذكاء الاصطناعي لن يكون في النهاية سوى مجموعة من الخوارزميات التنبؤية المصممة لتحقيق الفاعلية التشغيلية وتحسين النتائج، حتى لو نجحت في إقناعنا بأنها تمتلك مشاعر أو قيماً أو قناعات خاصة بها.
ضد إضفاء الصفات البشرية على الذكاء الاصطناعي
إن فكرة وجود رئيس تنفيذي من الذكاء الاصطناعي تمثل شكلاً متطرفاً من تجسيد الأنظمة القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة وإضفاء الصفات البشرية عليها.
فنحن نستخدم بالفعل تعبيرات مثل «الذكاء الاصطناعي»، و«نماذج الاستدلال»، و«الهلوسات» عند الحديث عن آلات غير واعية. واستخدام كلمة «القيادة» في هذا السياق لا يختلف كثيراً؛ فهو يمنح النظام الآلي صفة بشرية لا يمتلكها بالضرورة.
ويؤدي هذا النوع من التجسيد إلى خلق وهم بأن روبوتات المحادثة تعمل «تماماً مثل القائد البشري»، وأنها تفكر وتشعر وتريد وتتحمل المسؤولية بالطريقة نفسها التي يفعلها الإنسان.
وفي وقت سابق من هذا العام، نشرت شركة الذكاء الاصطناعي الأمريكية «أنثروبيك» دستوراً مؤلفاً من 84 صفحة عرضت فيه «رؤيتها لشخصية كلاود»، بما في ذلك مجموعة من السمات الشخصية المرتبطة ببرنامج المحادثة التابع لها.
وتضمنت هذه السمات الفضول الفكري، والوفاء، والرعاية، والالتزام العميق بالنزاهة والأخلاق؛ وهي جميعاً صفات نربطها عادة بالقائد الجيد.
لكن من المهم التمييز بين محاكاة هذه الصفات وامتلاكها فعلياً. فالذكاء الاصطناعي قد ينتج لغة توحي بالتعاطف، لكنه لا يعني بذلك أنه يشعر بالتعاطف. وقد يتحدث عن النزاهة، لكنه لا يعني أنه يمتلك التزاماً أخلاقياً بها. وقد يقدم نفسه بوصفه مهتماً بمصلحة الموظفين، من دون أن يكون لديه أي شعور حقيقي تجاههم.
ومن المهم كشف هذه الأوهام ومقاومتها، لأن القيام بذلك يساعدنا على تجنب الوقوع في وهم «الميكانيكي التركي المعكوس»: الاعتقاد بأن رئيساً تنفيذياً من الذكاء الاصطناعي يمكنه فعلاً أن يحل محل قائد مؤسسي حقيقي، حي ويتنفس، وأن يحل محل أكثر جوانب القيادة إنسانيةً وجوهرية.
قد يصبح الذكاء الاصطناعي أداة شديدة القوة في يد الرؤساء التنفيذيين، وربما يتولى مستقبلاً جزءاً كبيراً من القرارات والتحليلات والعمليات التي يقوم بها القادة اليوم. لكن تحويل هذه القدرة إلى اعتقاد بأن الآلة أصبحت قائداً بالمعنى الإنساني للكلمة هو خطوة مختلفة تماماً.
فقد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يؤدي وظائف القيادة، وربما يؤدي بعضها بصورة أفضل من البشر، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يستطيع أن يكون قائداً.
