يستقر اعتلال الشبكية السكري على عرش الأسباب المؤدية إلى العمى بين الفئات العاملة في الدول المتقدمة. وفي قلب هذا التحدي، كرّس الدكتور ديفيد أنتونيلي، المتخصص في البيولوجيا الجزيئية والخلوية بجامعة ميشيغان الأمريكية، أبحاثه في مجال طب العيون لفهم أسرار الاضطرابات البصرية الناجمة عن السكري، بهدف فهم آليات المرض وتطوير مسارات علاجية جديدة قد تساعد في حماية المرضى من فقدان البصر الدائم.
قاموس أطباء العيون
الحاجز الدموي الشبكي (Blood-retinal barrier): منظومة من الخلايا والروابط بين الخلايا تنظم انتقال المواد من مجرى الدم إلى أنسجة الشبكية وتحافظ على البيئة اللازمة لعملها الطبيعي.
الخلايا المستزرعة (Cultured cells): خلايا تجري تنميتها وإكثارها داخل البيئات المختبرية لأغراض البحث.
السيتوكينات (Cytokines): بروتينات صغيرة تعمل جزيئاتٍ للإشارة بين الخلايا، وتفرزها خلايا معينة لتنظيم سلوك خلايا أخرى واستجابتها عبر الارتباط بمستقبلات محددة.
العصبونات (Neurons): خلايا متخصصة في استقبال الإشارات العصبية ونقلها ومعالجتها عبر إشارات كهربائية وكيميائية.
طب وجراحة العيون (Ophthalmology): الفرع الطبي المعني بالدراسة الشاملة للعين وأمراضها وآليات الرؤية.
النفاذية (Permeability): قدرة النسيج أو الحاجز على السماح بمرور المواد من خلاله.
الفسفرة (Phosphorylation): تفاعل كيميائي يتضمن ربط مجموعة فسفات (PO₄³⁻) بالجزيء لتعديل وظائفه.
الفسيولوجي (Physiological): كل ما يتعلق بالوظائف الحيوية الطبيعية لأعضاء الجسم.
الشبكية (Retina): البطانة الخلفية للعين، وتضم طبقة رقيقة من الخلايا الحساسة للضوء.
الإشارات الخلوية (Signalling): آلية التواصل بين الخلايا عبر إرسال الإشارات واستقبالها والاستجابة لها.
يصنف السكري كاضطراب مزمن يعجز فيه الجسم عن ضبط مستويات السكر في الدم. ورغم شيوع المعرفة بالمرض، قد تغيب عن كثيرين صلته المباشرة بفقدان البصر؛ إذ يمتد أثره إلى الشبكية فيتلفها، وهي البطانة الحساسة للضوء في الجزء الخلفي من العين، مسببًا ما يُعرف باعتلال الشبكية السكري.
ماهية اعتلال الشبكية السكري
يتجسد هذا الاعتلال في تغيرات تطرأ على الأوعية الدموية المغذية للشبكية، وتتبدى أعراضه في ضبابية الرؤية، ورؤية نقاط سوداء، وصولًا إلى العمى الكلي. وتشير الإحصاءات إلى أن ثلث المصابين بالسكري يتعرضون لهذا الاعتلال، حيث تشكل الحالات المتقدمة منه السبب الأول للعمى لدى البالغين في سن العمل. ومن هنا، يركز الدكتور ديفيد أنتونيلي أبحاثه على فهم الآليات الجزيئية الدقيقة للمرض بهدف ابتكار حلول علاجية ناجعة.
ورغم أن أسباب الاعتلال لم تتكشف بكامل تفاصيلها بعد، فإن اضطرابات السكري، وفي مقدمتها ارتفاع مستويات الجلوكوز والدهون في الدم، تخل بالبيئة الطبيعية للشبكية. ويوضح ديفيد: «تتعدد مظاهر التلف في الشبكية لتشمل موت العصبونات، والالتهابات، وتسرب الأوعية الدموية، ونمو شعيرات غير طبيعية». فإذا تسربت السوائل من الأوعية، تراكمت داخل الشبكية مسببة غشاوة الرؤية، وإذا نمت شعيرات دموية شاذة، فقد تشد الشبكية وتفصلها عن قاعدتها، مما قد يقود إلى العمى الكلي.
الحاجز الدموي الشبكي: خط الدفاع الأول
تعتمد الرؤية على معالجة العصبونات الشبكية للضوء الداخل إلى العين، حيث تنقل هذه الخلايا الإشارات الضوئية إلى المخ عبر تنظيم تدفق الأيونات عبر أغشيتها. ولكي يترجم المخ هذه الإشارات إلى صور واضحة، تحتاج العصبونات الدماغية والشبكية إلى بيئة كيميائية شديدة الانضباط.
وللحفاظ على ثبات هذه البيئة، زُوّد الجسم بالحاجز الدموي الشبكي في العين والحاجز الدموي الدماغي في المخ. وتتولى هذه الحواجز تنظيم دخول الجزيئات الدقيقة وخروجها دون إرباك الإشارات العصبية. وتتألف هذه الحواجز من خلايا وعائية ترتبط فيما بينها بواسطة بروتينات الوصلات المحكمة (Tight junction proteins)، التي تتحكم بدقة في مرور المواد. ويضيف ديفيد: «تعمل بروتينات الوصلات المحكمة كأنها سدٌّ يغلق الفجوات بين خلايا الأوعية الدموية، محددةً نوعية الجزيئات التي يُسمح لها بالانتقال من الدم إلى البيئة العصبية».
غير أن السكري يتسبب في زيادة نفاذية هذا الحاجز، مما يسمح بنفاذ جزيئات ومواد إلى البيئة العصبية على نحو غير طبيعي، وينجم عن ذلك تدهور تدريجي في البصر.
محاور الأبحاث والتحريات
عند حدوث السكري، تتأثر نفاذية الحاجز الدموي الشبكي بفعل السيتوكينات، وهي وسائط بروتينية تنقل الإشارات بين الخلايا، فتؤثر في عمل بروتينات الوصلات المحكمة. ويركز فريق ديفيد على سيتوكينين رئيسيين: عامل نمو بطانة الأوعية الدموية (VEGF)، المحفز لنمو الأوعية الدموية وزيادة نفاذيتها، وبروتين «نورين» (Norrin)، الذي يعزز تماسك بروتينات الوصلات ويسهم في بناء الحاجز والحفاظ عليه. يقول ديفيد: «نبحث في كيفية إرسال (VEGF) لإشارات التسريب، مقابل كيفية إرسال «نورين» لإشارات الإغلاق والحماية».
منهجية الدراسة والتقنيات المختبرية
لتتبع هذه الإشارات، يستخلص فريق ديفيد أعينًا حيوانية من المسالخ المحلية، حيث يُعزل النسيج الشبكي وتُستخرج الأوعية الدقيقة لاستزراع خلاياها البطانية في المختبر. عقب ذلك، يعرّض الفريق هذه الخلايا لعامل (VEGF) لإحداث التسريب، أو لبروتين «نورين» لتعزيز التماسك، بهدف رصد التغيرات البنيوية التي تطرأ عليها.
وباستخدام مجاهر فائقة الدقة، يتتبع الفريق استجابة الوصلات المحكمة، وما إذا كانت تبتعد عن مواقعها أو تترك فجوات تسمح بزيادة النفاذية. ويشرح ديفيد: «نستزرع الخلايا على أغشية خاصة، ونستعين بجزيئات مشعة لتتبع معدل نفاذ المواد عبر الخلايا، ما يمنحنا قياسًا دقيقًا لدرجة التماسك أو التسريب بعد كل علاج».
وللانتقال من التجارب المختبرية إلى النماذج الحيوية، يستخدم ديفيد نماذج من الفئران المعدلة وراثيًا، مستطردًا: «تعتبر الفئران نموذجًا حيوانيًا لدراسة المرض في كائن حي، وهو ما لا توفره الخلايا المستزرعة وحدها». وعبر التعديل الجيني، ينتج الفريق فئرانًا تمتلك سيتوكينات معينة أو تفتقر إليها، ثم تُحث لديها حالة السكري لمراقبة تسرب الأوعية وتأثيره في البصر.
ويمازح ديفيد قائلًا: «بالطبع لا يمكننا أن نطلب من الفئران قراءة لوحة فحص النظر! لكننا نقيس قدرتها البصرية بدقة من خلال عرض خطوط سوداء وبيضاء متحركة أمامها. يتابعها الفأر بحركة رأسه بصورة غريزية، ثم نقلل تدريجيًا من حجم الخطوط حتى يتوقف عن متابعتها، وبذلك نحدد حدة بصره».
ويعلق ديفيد: «يتمثل أحد أبرز إنجازات مختبرنا في إثبات أن فسفرة بروتين «الأوكلودين» تؤدي دورًا محوريًا في تطور الاعتلال؛ إذ يعمل هذا البروتين كمفتاح ينظم تماسك الوصلات أو فتحها بما يسمح بالتسريب». وتعد الفسفرة، أي إضافة مجموعة فسفات، آلية شائعة تستخدمها الخلايا لتنظيم وظائف البروتينات. وتؤدي فسفرة الأوكلودين إلى سحب بروتينات الوصلات المحكمة من غشاء الخلية إلى داخلها، مما يفتح الفجوات ويتسبب في تسريب الحاجز.
أثبت الفريق ذلك عبر إنتاج خلايا مستزرعة تحمل طفرة جينية تمنع فسفرة الأوكلودين، فلم تتأثر أو تتسرب عند تعرضها لعامل (VEGF). وعند نقل هذه الطفرة إلى فئران مصابة بالسكري، يوضح ديفيد: «لاحظنا أن الأوكلودين الطافر كبح قدرة (VEGF) على إحداث التسريب، والأهم من ذلك أنه حمى الحاجز الدموي الشبكي لدى الفئران المصابة بالسكري وحال دون تدهور بصرها».
ويشكل هذا الكشف نقطة تحول جلية؛ إذ يؤكد أن حماية الحاجز الدموي الشبكي تصون الوظائف البصرية، مما يساعد على تفسير آلية نجاح العلاجات الحالية المثبطة لعامل (VEGF)، ويفتح الباب أمام استغلال محفزات التماسك، مثل بروتين «نورين»، كخيار علاجي جديد.
تقاطعات الأبحاث مع السكتات الدماغية
تحدث السكتة الدماغية عند انسداد شريان بجلطة دموية تعيق وصول الدم إلى أنسجة الدماغ، ما يسبب موت الخلايا الدماغية. وقد أثمرت أبحاث ديفيد على الشبكية عن نتائج غير متوقعة امتدت آثارها إلى مجال السكتات الدماغية.
يقول ديفيد: «بعد إدراكنا لدور الأوكلودين في العين، تعاونا مع أطباء الأعصاب لمعرفة ما إذا كان المفهوم ذاته ينطبق على الحاجز الدموي الدماغي أثناء السكتة». وعبر إحداث سكتات دماغية لدى الفئران، وجد الباحثون علامات على فسفرة الأوكلودين في الأوعية المحيطة بنطاق الإصابة. وبإعادة التجربة على فئران تحمل طفرة في الأوكلودين مقاومة للفسفرة، تراجع تسرب الأوعية الدماغية بشكل ملحوظ.
ويزيد ديفيد توضيحًا: «يقتصر العلاج الحالي للسكتة على إنزيم مذيّب للخثرات، لكن إعطاءه في وقت متأخر يضاعف خطر حدوث نزيف دماغي حاد. وبتضافر الجهود مع خبراء السكتات، وجدنا أن تعطيل فسفرة الأوكلودين يمنع هذا النزيف». مما يفتح الباب أمام تطوير عقاقير تحد من خطر النزيف الدماغي أثناء معالجة السكتات.
عالم طب العيون
يختص هذا المجال بدراسة العين وآليات الرؤية وكيفية تأثرها بالأمراض. ويُفرّق بين أطباء العيون السريريين المتخصصين في التشخيص والعلاج وتوفير الرعاية الطبية الشاملة، وبين باحثي علوم الرؤية، أمثال ديفيد، المكرسين لفهم طبيعة الوظائف الحيوية للعين وآليات اضطرابها. يشرح ديفيد: «يركز علماء أبحاث الرؤية على آليات الرؤية وكيفية اعتلالها بالأمراض، وهم المنوط بهم ابتكار حلول وعلاجات جديدة للحد من العمى».
متعة الكشف العلمي
يعبر ديفيد عن شغفه قائلًا: «الجانب الأكثر إرضاءً في عملي هو التعاون الجماعي والوصول إلى اكتشافات غير مسبوقة. إن فك أسرار العمليات الخلوية يمنح شعورًا استثنائيًا بالمتعة». فعلى مدار سنوات، حقق الفريق محطات بارزة، من كشف ديناميكية الوصلات المحكمة وآليات تنظيمها بواسطة «مفاتيح» الفسفرة، إلى إثبات قدرة بروتين «نورين» على كبح أضرار السكري والمساعدة في الحفاظ على سلامة الحاجز الدموي الشبكي. ويضيف: «حين يحالفك الحظ، تمتد هذه الاكتشافات لتحدث أثرًا ملموسًا في الممارسات الطبية وتغير حياة المرضى للأفضل».
قوة العمل الجماعي
ينوه ديفيد بضرورة التكاتف العلمي قائلًا: «لا يتحقق أي إنجاز بجهد فردي مطلقًا». ورغم تخصصه في البيولوجيا الجزيئية، فإن تميز مختبره يعود إلى تكامل التخصصات بين أفراده، من علوم الرؤية والعلوم الحيوية الطبية، وإلى التعاون مع مختبرات خارجية. ويختم قائلًا: «بالإنصات إلى الرؤى المختلفة واستيعاب كافة الآراء، نصل إلى أفكار خلّاقة ما كان من الممكن التوصل إليها بجهد فردي».
