القائمة الرئيسية

ريجينالد فيسيندين واختراع السونار

ريجينالد فيسيندين واختراع السونار
ملخص المقال

في مطلع القرن العشرين، قاد المخترع ريجينالد فيسيندين تحولاً جذرياً في الملاحة البحرية عندما طوّر جهازاً قادراً على إرسال واستقبال الموجات الصوتية تحت الماء، بعدما كان الهدف الأول تحسين أنظمة الأجراس المائية التي تساعد السفن على تجنب الصخور والشعاب في الضباب. وفي عام 1914، أثبت الجهاز قدرته على قياس المسافة إلى جبل جليدي عبر حساب زمن عودة الصدى، ثم استُخدمت التقنية لقياس أعماق البحر بدقة، مولدة بذلك أساس تقنية السونار. تجاوز أثر الاختراع حماية السفن من الجبال الجليدية، إذ أصبح أداة أساسية في الحرب ضد الغواصات، ورسم خرائط قاع المحيطات، وعلم المحيطات والصيد التجاري، وكشف تضاريس بحرية كانت مجهولة وأسهم لاحقاً في دعم فهم حركة الصفائح التكتونية. ورغم أن شركة الإشارات البحرية تأخرت في إدراك إمكاناته، فإن المذبذب الذي ابتكره فيسيندين تحول لاحقاً إلى جهاز سبر الأعماق بالصدى، بينما ظل صاحبه شخصية مثيرة للجدل بسبب عناده وصداماته المتكررة مع شركائه وأرباب العمل، ليبقى إرثه العلمي ممتداً من اختراع الراديو إلى إحدى التقنيات التي غيّرت فهم البشر للمحيطات.

كيف أحدث أحد رواد الراديو تحولاً جذرياً في الحياة البحرية

في عام 1899، وأثناء سلوكها مساراً معتاداً نحو بوسطن، فقد طاقم السفينة الشراعية "إدوارد ريتش" اتجاهاتهم في ضباب كثيف. اصطدمت السفينة المحملة بحجارة الرصف بصخور كاسر أمواج، وسرعان ما امتلأ هيكلها الخشبي المصنوع من الشجر المكسور بالمياه. ترك الطاقم السفينة المدمرة للأمواج، رغم أنهم كانوا لا يزالون على مرمى بصر من الشاطئ.

تكمن أهمية هذا الحطام في أنه كان حدثاً عادياً ومألوفاً. فبين عامي 1890 و1900، غرقت أكثر من ألف سفينة تشبه "إدوارد ريتش" قبالة السواحل الشمال أمريكية الضبابية. كانت الفنارات، التي تزوَّد أحياناً بأجراس وصفارات إنذار لتنبيه السفن في العتمة والظلام، تقف عاجزة عند حد معين، ولم تكن تفعل شيئاً لحماية السفن من العوائق الغارقة تحت الماء أو الجبال الجليدية الطافية. كما لم تكن هناك خرائط دقيقة لقاع البحر لمساعدة الملاحين على الإبحار دون رؤية. لقد كان إبحار سفينة في الضباب بمثابة مغامرة محفوفة بالخطر ومجازفة بالقدر.

في عام 1901، أسست مجموعة من المهندسين شركة "شركة الإشارات Submarine Signal Company" لمعالجة مشكلة الضباب. كانت خطتهم، التي اقترحها مجلس الفنارات الأمريكي قبل ذلك باثني عشر عاماً، تكمن في إنشاء نظام من الأجراس المائية لتوجيه السفن حول أخطر الصخور والشعاب المرجانية والمياه الضحلة. كانت السفن المجهزة بميكروفونات تعمل تحت الماء، وتسمى الهيدروفونات، تستمع إلى رنين الأجراس وتتبع الصوت للوصول إلى مرفأ آمن. ونظراً لأن الصوت ينتقل في الماء لمسافات أطول مقارنة بالهواء، فإن رنين الأجراس الثقيلة المغمورة تحت الماء كان يتملك مدى أوسع بكثير من أي صوت ينبعث من فنارة.

بحلول عام 1912، كانت الشركة قد ثبّتت أكثر من مئة مجموعة من الأجراس امتداداً على خطوط السواحل في شمال أمريكا وأوروبا وآسيا. كان العمل يسير بخطى مستقرة ولكنه لم يكن مزدهراً بشكل كبير. ثم في الرابع عشر من أبريل عام 1912، اصطدمت باخرة عملاقة كانت تخوض رحلتها الأولى عبر المحيط الأطلسي بجبل جليدي وغرقت، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1500 شخص وتوجيه أنظار الرأي العام نحو السلامة البحرية. وفي غضون عامين، امتلكت الشركة تقنية كان بمقدورها منع وقوع كارثة أخرى من هذا النوع، وهي جهاز يقتفي أثر الصدى تحت الماء لقياس المسافات. ورغم أن الشركة كانت بطيئة في إدراك الإمكانات الهائلة لهذا الجهاز، إلا أن هذا الاختراع أحدث في النهاية تحولاً شاملاً في الحرب البحرية وفهمنا للمحيطات.

لقد كان من حسن الحظ أن المخترع العنيد الذي اختارته الشركة لبناء هذا الجهاز كان يملك معرفة بالراديو تتجاوز بكثير معرفته بالبحر.

قبل أربعة أيام من كارثة تيتانيك، التقى هارولد فاي، المسؤول التنفيذي في شركة الإشارات، بمعارف قديم له يُدعى ريجينالد أوبري فيسيندين في محطة قطار بوسطن. كان فاي قد التقى بهذا الكندي المهيب ذي الشعر الأحمر قبل بضع سنوات في مختبرات بيل، حيث جاء فيسيندين يبحث عن جهاز إرسال أكثر قوة لتجاربه في "الهاتف اللاسلكي"، وهو ما نطلق عليه اليوم اسم الراديو. كان فيسيندين مخترعاً شهيراً في ذلك الوقت، إذ كان أول من نجح في نقل الأصوات باستخدام موجات الراديو، وأول من حقق بثاً لاسلكياً ثنائي الاتجاه عبر المحيط الأطلسي في عام 1906.

اعتقد فاي أن فيسيندين قد يحل مشكلة واجهت الشركة في نظام الأجراس الخاص بها، فدعا المهندس لزيارة مكاتب الشركة في صباح اليوم التالي. كانت الأجراس المائية للشركة تعمل بشكل جيد، لكن الهيدروفونات، المبنية على ميكروفونات صممها توماس إديسون، كانت بحاجة إلى تحسين. فقد كانت تلتقط نطاقاً واسعاً جداً من الترددات، مما يؤدي إلى حجب صوت الأجراس بسبب تلاطم المياه وهدير محرك السفينة. وغالباً ما كان يتعين على السفينة التوقف تماماً حتى يتمكن مشغل الهيدروفون من سماع الجرس وتحديد المسار.

ورغم انجذابه إلى الضوء الذي سلطته كارثة تيتانيك على السلامة البحرية، كان فيسيندين حذراً من الشركاء التجاريين الذين يبدون دائماً يحاولون التدخل في اختراعاته. طلب مبلغ 10000 دولار مقابل هذه المهمة، وهو مبلغ ضخم. كما صرح بأنه بدلاً من تحسين الهيدروفون، يريد صنع "جرس" أفضل، جرس يصدر نغمة مستمرة يرجح أنها ستكون أسهل في السماع تحت الماء من مجرد رنة منفردة.

رفض فاي الأجر المبالغ فيه واقتراحه لجهاز الإرسال الجديد. كانت الشركة متمسكة بتحسين الهيدروفون فقط. وعلى غير عادته، قدم فيسيندين تنازلاً. وكما أوضحت زوجته وكاتبة سيرته الذاتية هيلين لاحقاً، لم يستطع مقاومة التحدي المتمثل في التفوق على "تلك المخاطر الصامتة من الصخور والشعاب والجبال الجليدية والضباب، وكلاء الطبيعة الخرساء التي تهدد وتدمر". بالإضافة إلى ذلك، كان بحاجة إلى عمل.

ولد فيسيندين في كيبيك الناطقة بالفرنسية عام 1866 لعائلة من الموالين للتاج البريطاني، وحصل على أول وظيفة علمية له في سن العشرين مع توماس إديسون في مصنع المولدات والمحركات الكهربائية الخاص بالمخترع في مدينة بنيويورك. وفي غضون عام، انتقل فيسيندين إلى مختبر إديسون الجديد في ويست أورانج بنيوجيرسي، حيث اخترع طلاءً مقاومًا للحريق للأسلاك الكهربائية أكسبه ترقية إلى منصب رئيس الكيميائيين. لكن بعد عامين وجد نفسه بلا عمل عندما واجه إديسون ضائقة مالية. ورغم أن فيسيندين ظل يجلّ إديسون لما تبقى من حياته، إلا أن تلك الواقعة غرست فيه عدم ثقة بالمشاريع الخاصة، وهي الشكوك التي تزايدت في السنوات التالية. وكتب معبراً عن تذمره لاحقاً: "في قطاع الأعمال الكبرى، يظهر جفاف متزايد وبيروقراطية وتضحية مكبلة بالمبادرة، وقبل كل شيء الخوف".

بعد فترة عمل في شركة وستنجهاوس على المولدات وفترة أخرى كاستاذ للهندسة الكهربائية، طلب مكتب الطقس الأمريكي من فيسيندين تولي تقنية الاتصالات اللاسلكية غير المثبتة حينها، والتي كانت بمثابة تقنية الجيل الخامس في القرن الماضي. انتقل هو وهيلين وابنهما إلى جزيرة في نهر بوتوماك حيث أثبت فيسيندين إمكانية نقل الأصوات عبر اللاسلكي من خلال تعديل السعة، والمعروف الآن باسم AM.

في عام 1902، وبعد أن ضاق ذرعاً بما رآه محاولات من مكتب الطقس للاستيلاء على براءات اختراعه، استقال فيسيندين وانضم إلى اثنين من أصحاب الملايين في بيتسبرغ لجعل الإشارات اللاسلكية مجدية تجارياً. وعلى الرغم من التقدم التقني، ساءت تلك العلاقة أيضاً. وفي عام 1910، ولعدم رغبته في المساومة مع شركائه التجاريين، أُقيل فيسيندين من عمله.

كتب المؤرخ غاري ل. فروست: "على الرغم من التخيل التكنولوجي الاستثنائي لفيسيندين، فإن مهارة فهم وجهات نظر الآخرين كانت تغيب عنه غالبًا". بينما كانت وجهة نظر هيلين حول الرجل أكثر كشفاً للحقائق: "كان يعتقد أن حكمه أكثر حكمة من معظم الناس، وبعد اتخاذ القرار، كان يسعى بكل ذرة من طاقته لجعل ذلك القرار ثابتاً". سواء كان ذلك الموقف ناشئاً عن الغرور أو العناد، لم تكن هذه المرة الأخيرة التي تعاني فيها مسيرته المهنية بسبب شخصيته.

تسببت التداعيات الناجمة عن مشروع بيتسبرغ في منع فيسيندين فعلياً من العمل في مجال اللاسلكي. وجد نفسه يتنقل بلا هدف واضح، يفتقر إلى الإلهام ويقضي وقته في الدفاع عن براءات اختراعه. ثم سأله معارفه القديم هارولد فاي عما إذا كان يرغب في العمل على الصوتيات المائية، في وقت كان الجميع يتحدثون فيه عن حادثة تيتانيك.

في شركة الإشارات، أثبت فيسيندين أنه عنيد كعادته. وقع عقداً مع فاي لتطوير هيدروفون محسّن لكنه عاد بعد ثلاثة أشهر دون أن ينجز ذلك، أو على الأقل ليس بالشكل المطلوب تماماً. وبدلاً من ذلك، قدم نوعاً جديداً من المحولات التي يمكنها إرسال الصوت واستقباله في آن واحد. وجد فيسيندين ثغرة في تعليمات رئيسه: لقد أنشأ مستقبلاً كما أُمر، وفي الوقت نفسه أنشأ جهاز إرسال، وهو جهاز أصر على أن له تطبيقات محتملة عديدة. وأطلق عليه لاحقاً اسم "مذبذب فيسيندين"، لكي لا ينسى أحد أصله ومبتكره.

كان المذبذب يبدو كأنه مكبر صوت كبير، يمكن تثبيته على هيكل السفينة أو إنزاله مباشرة في الماء. داخل أسطوانة فولاذية وزنها 1200 رطل، كان هناك أنبوب نحاسي مجوف ملفوف بإحكام بالأسلاك. عندما يمر تيار متردد عبر الأسلاك، يعتز الأنبوب بسرعة. وكانت هناك صفيحة فولاذية تهتز عند أحد أطراف الأنبوب بنفس التردد وتصدر صوتاً عالياً. كما كان النظام يعمل بالعكس كميكروفون مركز، حيث تم ضبط الجهاز لالتقاط نفس الترددات التي ينتجها. وكانت التقنية المستخدمة لضبط ملفات المذبذب مستمدة مباشرة من تجارب فيسيندين السابقة في ضبط أجهزة استقبال الراديو.

لقد قضى حياته المهنية في نقل الصوت عبر الهواء. والآن سيقوم بذلك تحت الماء.

بعد عامين من تقديم المذبذب للشركة، وجد فيسيندين نفسه يعود إلى وطنه في كندا، ليركب السفينة "ميامي" في ميناء هاليفاكس. أثبت المذبذب نجاحه في إرسال واستقبال شفرة مورس بين القاطرات في الاختبارات التي أجريت في ميناء بوسطن. والآن أراد فيسيندين واثنان من مهندسي الشركة اختبار قدراته على تحديد مدى الصدى على أرض الواقع: الجبال الجليدية. ولأنه لا يثق بأحد غيره لتنفيذ الاختبارات، أصر فيسيندين على الانضمام إلى الحملة.

أبحرت السفينة "ميامي"، وهي سفينة صغيرة وصفت بأنها تشبه الحوض، نحو الكتل الجليدية القريبة من نيوفاوندلاند في السابع من أبريل عام 1914. كانت السفينة صغيرة جداً بالنسبة لفيسيندين طويل القامة، الذي كان يصطدم رأسه بالأشياء باستمرار. وفي رسالة إلى هيلين، اشتكى من أنه بحلول الوقت الذي رأى فيه أول حقول الجليد في 14 أبريل، كان قد استهلك كل سجائره وكان حريصاً على البدء في الاختبارات.

في 27 أبريل، اقتربت ميامي من جبل جليدي يرتفع 130 قدماً فوق سطح المحيط. أطلق القبطان صفارة السفينة بينما استمع فيسيندين وأحد مهندسي الشركة عند السياج لسماع الصدى. لكن جدار الجليد كان صامتاً. وفي الضباب، سيكون من المستحيل رؤيته.

رفع الاثنان المذبذب في الماء المتجمد وأنزلائه إلى عمق 10 أقدام. هل يمكنهما استخدام الصوت لرؤية الجليد؟ وهل يمكنهما فعل ذلك بدقة تمكن باخرة تحمل على متنها 2400 شخص من الثقة بالنفس والاعتماد على النتائج؟ أخرج فيسيندين ساعة الإيقاف الخاصة به. استعد، انطلق...

انطلق الصوت عبر مياه البحر المتجمدة بسرعة بلغت حوالي 4800 قدم في الثانية: وعند تردد 540 هرتز، كان الصوت بنفس نبرة نغمة الاتصال في الهاتف ولكنه كان عالياً. ضربت الموجات الصوتية الجبل الجليدي وانكسرت بزوايا مختلفة. وبعد أكثر من ثانية بقليل، عاد الصدى إلى المذبذب، مما أعطى إشارة لفيسيندين لإيقاف الساعة. المسافة تساوي السرعة مضروبة في الزمن. وهنا ولد تحديد المدى بالصدى، ألا وهو السونار.

في الصباح التالي، حاول الطاقم إجراء تجربة أخرى ووجهوا المذبذب نحو قاع البحر لقياس الصدى وعمق المياه. في المياه الضحلة نسبياً، عادت أصداء الصوت بسرعة كبيرة جعلت تسجيلها بدقة باستخدام ساعة الإيقاف أمراً صعباً، لكن الإشارات كانت قوية وواضحة، وعالية بما يكفي لكي يسمع الطاقم المتواجد أسفل الممر الصدى العائد. كانت النتائج المترتبة على ذلك مذهلة: الممارسة التي استمرت لقرون في قياس الأعماق بصعوبة وبشكل غير دقيق عن طريق إنزال الأثقال إلى قاع البحر كانت في طريقها للزوال.

بالإضافة إلى قيمتها في الملاحة، أثبت قياس المدى بالصدى وسبر الأعماق بالصدى أنه أمر أساسي للحروب الغواصة وعلم المحيطات والصيد التجاري. إن الدقة والكفاءة اللتين وفرتهما عملية سبر الأعماق بالصدى جعلت من الممكن رسم خرائط تفصيلية لقاع البحر، وكشفت عن مناطق التصدع والجبال البحرية والسهول السحيقة والسلاسل البركانية التي تحيط بالعالم، في منطقة كان يعتقد في السابق أنها سهول مسطحة خالية من المعالم. أثرت هذه الخرائط بشكل مباشر على ثورة التكتونية الصفائحية في ستينيات القرن الماضي، وحتى اليوم، يظل قياس الأعماق بالصدى مصدراً للاكتشافات الجديدة.

لكن مما أثار استياء فيسيندين، أن الشركة لم تتابع تطوير تلك القدرات، على الأقل ليس على الفور. في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، نجحت الشركة في تسويق الجهاز لجيوش العالم ولكن فقط كجهاز إشارات تحت الماء، وليس كجهاز لقياس المدى أو سبر الأعماق. ورغم أن سعر سهم الشركة ارتفع لأكثر من ضعف قيمته، فإن فيسيندين، الذي كان قد بدأ عمله لمنع وقوع كارثة مثل تلك التي حلت بتيتانيك، كان غاضباً للغاية. وكتب يقول: "كانت علاقاتي مع الشركة من أمتع ما يكون حتى ما قبل إعلان الحرب بفترة وجيزة".

ومما زاد من غضب فيسيندين الموالي لبريطانيا، أن الشركة سوقت المذبذب لكل من حلفاء الحرب ودول المحور حتى دخلت الولايات المتحدة الحرب في عام 1917. وكان لرؤساء الشركة مآخذهم الخاصة أيضاً؛ ففي رحلة مبيعات إلى بريطانيا، حاول فيسيندين سراً بيع البحرية الملكية قدرات تحديد المدى للمذبذب على الرغم من الأوامر الصريحة بعدم فعل ذلك.

وعلى الرغم من أنه كاد يُطرد بسبب تصرفه المنفرد في بريطانيا، واصل فيسيندين الترويج لقدرات تحديد المدى لمذبذبه. وتحت إشراف مجلس الغواصات الذي أنشئ حديثاً لإدارة التطوير الحربي لتقنيات الغواصات، أدى موقفه المتغطرس وميله إلى السخرية من سياسات الشركات إلى تكوين أعداء جدد له مرة أخرى. وبعد توقيع معاهدة فرساي في عام 1919، أُبعد من الشركة. وفي عام 1923، وبينما كان فيسيندين يراقب من الهامش، بدأت الشركة أخيراً في الترويج للمذبذب تحت اسم "جهاز قياس الأعماق Fathometer"، وهو جهاز لسبر الأعماق بالصدى.

وبفضل الثروة التي جمعها من نجاح المذبذب والنتائج الإيجابية للعديد من النزاعات حول حقوق براءات الاختراع، اتجه فيسيندين الشائب إلى الكتابة والفلسفة ونشر نظريات المؤامرة. وصرح بأن مجموعة دولية تسمى مجلس البحوث كانت تخطط للسيطرة على اختراعات العباقرة الأفراد أمثاله. كما اقترح نظرية عن الأصول الجينية أو "المندلية" للابتكار، تفضل عوامل "عرقية" معينة، مثل كون المرء أنجلو-ساكسونياً، مثله تماماً. كما كتب كتاباً يتكهن فيه بموقع مدينة أتلانتس المفقودة.

في عام 1928، اشترى فيسيندين وزوجته منزلاً في برمودا، حيث كانا قد التقيا قبل سنوات. وتوفي هناك في عام 1932، وللسنوات الثماني التالية عملت هيلين على كتابة سيرته الذاتية بعنوان "فيسيندين: بنّاء الغد". وساهم كتابها الذي نُشر عام 1940 بشكل كبير في الحفاظ على ذكرة زوجها (وكذلك حنقه وغضبه) الذي تعرض للرفض والتجاهل غالباً. يتضمن إرثه المئات من براءات الاختراع، ولكنه يُذكر في الغالب لعمله في مجال الراديو، بينما يظل مذبذب فيسيندين قابضاً تحت السطح بقليل.

المصدر

مقالات ذات صلة