من بين 2.5 مليون شخص كانوا تحت المحاصرة في باريس أثناء حرب عام 1870، عرض الجيش البروسي على شخص واحد فقط منهم ممراً آمناً لمغادرة المدينة، وهو عالم الفلك جول جانسين. أراد جانسين مراقبة كسوف الشمس في الجزائر، وبشهامة وضعت ألمانيا العلم فوق معترك السياسة وأخبرته أنه حر في المغادرة.
تخيل إذن صدمة الألمان عندما رفض جانسين العرض. فبعد أشهر من المعاناة والتضامن مع زملائه الباريسيين، رفض قبول طريقة الخروج السهلة. وبدلاً من ذلك، وبلمسة فرنسية نمطية، أبلغ الألمان أنه سيحلق في الهواء عبر الحصار في منطاد هواء ساخن.
وبأسنان صاكة، تمنى الألمان لجانسان التوفيق، ثم حذروه من أنهم يخططون لإسقاط منطاده من السماء وإطلاق النار عليه كجاسوس عندما يهبط.
كان هذا تهديداً مصدقاً، فقد أسقط الألمان مناطيد أخرى وأعدموا مدنيين آخرين بتهمة الجاسوسية، لكن عالم الفلك لم يتردد قط، بل كان مصمماً على الوصول إلى ذلك الكسوف.
يعود تعنت جانسين إلى كسوف حدث قبل عامين، والذي راقبه في شرق الهند.
في ذلك الصباح، استخدم أداة جديدة تُدعى المطياف، والتي تفصل الضوء إلى ألوان فردية وترتبها حسب أطوالها الموجية. ينتج كل عنصر في الجدول الدوري نمطاً مميزاً من الخطوط الملونة الرفيعة الشبيهة بالرمز الشريطى. على سبيل المثال، ينشئ الهيدروجين حزمة حادة من الضوء الأحمر عند 656 نانومتر، بالإضافة إلى خط مائي وخطين أرجوانيين عند أطوال موجية أخرى. ومن خلال تحديد الرمز الشريطى لكل عنصر في المختبر ثم فحص الخطوط التي ينتجها ضوء الشمس، تمكن علماء الفلك من تحديد العناصر الموجودة في الشمس، وهو إنجاز مثير للإعجاب من مسافة 92 مليون ميل.
بالنسبة لكسوف الهند، استخدم جانسين المطياف لمراقبة الهالة الشمسية، وهي غلافها الخارجي. عادة ما يغمر وهج الشمس الهالة، لكن القمر يخفت جسم الشمس أثناء الكسوف مع ترك الهالة مرئية. منح الكسوف جانسين 7 دقائق أثيرة من الظلام، وهرع لتحليل حزم الضوء. وعلى الفور، رأى الرمز الشريطى للهيدروجين بالمكونات الأحمر والمائي والأرجواني. وكانت هناك رموز شريطية أخرى أيضاً، بما في ذلك ما بدا وكأنه خط أصفر مزدوج، مما يشير إلى الصوديوم.
ولكن عند الفحص الدقيق، لاحظ جانسين شيئاً غريباً. في المختبر، يظهر خط الصوديوم المزدوج حول 589 نانومتر، لكن هذا الخط الناتج عن الكسوف ظهر أدنى قليلاً من 588 نانومتر. كان الفرق مجرد نانومتر واحد فقط، وهو جزء من المليار من المتر، لكن هذا الاختلاف أزعج جانسين. وحتى بعد انتهاء الكسوف، ظل الأمر يشغل باله. هل كانت أداته غير مضبوطة بشكل صحيح؟
فوجئ جانسين أيضاً بمدى السطوع الشديد للخط الأصفر الشاذ. في الواقع، كان ساطعاً لدرجة أنه تساءل عما إذا كان بإمكانه اكتشافه حتى خارج أوقات الكسوف.
لسوء الحظ، اجتاحت السحب الهند بعد انتهاء الكسوف وغطت الشمس. لذا قضا جانسين بقية اليوم في إعادة تهيئة معداته لحجب جميع الأطوال الموجية الأخرى باستثناء تلك القريبة من 588 نانومتر. وفي الصباح التالي، في حوالي الساعة 10:00 صباحاً، حاول مرة أخرى، مع التركيز على الهالة الواقعة على حافة الشمس لتجنب التداخل من الجسم الرئيسي. وبالفعل، رأى وهجاً أصفر حول 588 نانومتر.
قضى جانسين الشهر التالي في تنقيح ملاحظاته، ثم أرسل ورقة بحثية إلى الأكاديمية الفرنسية للعلوم في باريس. لم يكن يعلم ما اكتشفه بالضبط، لكنه شعر بأنه قد يكون أمراً مهماً.
لسوء حظه، لم تكن خدمة البريد العابرة للقارات تعمل بكفاءة عالية، واستغرقت رسالته شهرين للوصول إلى باريس. وخلال ذلك الوقت، كاد عالم آخر أن يسبقه إلى هذا الاكتشاف.
رصد عالم الفلك الإنجليزي نورمان لوكير ذلك الخط الأصفر نفسه بشكل مستقل في أكتوبر 1868. كان هذا بعد أشهر من الكسوف، ولكن تماماً مثل جانسين، اكتشف لوكير طريقة لعزل أطوال موجية معينة من الضوء ودراسة الهالة الشمسية أثناء النهار.
وعلى عكس جانسين، لم يتردد لوكير قط في القفز إلى استنتاجات كبيرة. فكان لوكير هو أول من اقترح أن الأهرامات في مصر لم تكن مجرد مقابر بل كانت أدوات فلكية أيضاً. لذا، بمجرد أن رأى لوكير ذلك الخط الأصفر الساطع، أعلن أنه اكتشف عنصراً جديداً غير أرضي. وأطلق عليه اسم الهيليوم نسبة إلى هيليوس، إله الشمس اليوناني وتجسيدها. ثم ثبّت لوكير أدعاءه بالهيليوم من خلال إرسال ورقة بحثية سريعة إلى الهيئة العلمية الرائدة في العالم وهي الأكاديمية الفرنسية للعلوم.
تختلف الروايات حول ما حدث بعد ذلك، ولكن وفقاً للنسخة الأكثر دراماتيكية، وصلت رسالتا لوكير وجانسين في اليوم نفسه تماماً إلى الأكاديمية. وإذا كان الأمركذلك، فلابد أنه كان مشهداً فوضوياً؛ أي العلماء يستحق الفضل؟ وفي النهاية، قررت الأكاديمية الفرنسية أن يتشارك العالمان الفلكيان الفضل في اكتشاف الهيليوم.
مع ذلك، بدأ علماء فلك آخرون في إثارة الاعتراضات. لم يستطيعوا إنكار وجود الخط الأصفر الساطع، لكنهم رفضوا فكرة أنه ناتج عن عنصر جديد تماماً. وأرادوا الإثبات القائل بأن الخط يمثل عنصراً شائعاً يتصرف بشكل غريب في ظل الحرارة الشديدة للشمس. وأعلنوا أن الهيليوم زائف.
كان هذا إذن هو المشهد الخفي لكسوف 22 ديسمبر 1870 في الجزائر. كان جانسين بحاجة إلى تعزيز ادعائه بالهيليوم، حيث كان لا يزال من الأسهل ملاحظة ذلك الخط الأصفر الجريء أثناء الكسوف. بالإضافة إلى ذلك، من يعلم ما هي المفاجآت الجديدة التي قد يراها هذه المرة؟
لسوء الحظ، لم يكن قد عمل حساباً لأوتو فون بيسمارك.
في صيف عام 1870، حرض المستشار الألماني الداهية فرنسا على غزو ألمانيا ومضى في دحر الجيش الفرنسي. ثم زحف بيسمارك نحو باريس، وحاصرها في غضون 5 أسابيع فقط. ويطلق بعض المؤرخين على ذلك اسم حرب الخاطفة الأصلية.
سرعان ما أغلق رجال بيسمارك كل طريق ونهر يؤدي إلى باريس، مما قطع جميع الإمدادات. وفي غضون أسابيع، كان الناس في باريس يقطعون الأشجار في الشوارع المحبوبة لاستخدامها كحطب للتدفئة. ولجأوا إلى أكل الحيوانات الأليفة، ثم حيوانات حدائق الحيوان. وتتحدث المذكرات عن معجون الفئران. حتى إن بيسمارك قطع خط التلغراف الخارج من باريس، مما ترك بقية العالم جاهلين بمعاناة باريس.
ومع عدم وجود طريقة للهروب من المدينة ولا طريقة أخرى لحشد الدعم، بدأت الحكومة الفرنسية اليائسة في إرسال الناس في مناطيد الهواء الساخن. كان معظمها يحمل بضعة ركاب وبعض أكياس البريد وقصص من الحمام الزاجل للرسائل المرتجعة. ملأ الباريسيون المناطيد بالغاز المخصص لمصابيح الشوارع الشهيرة في مدينة النور.
ودائماً ما أضفى الفرنسيون الأناقة، وأعطوا المناطيد أسماء حماسية؛ فكان أحدها الحرية والآخر الخلاص. كما كرموا العديد من العلماء، بمن فيهم أرشميدس وكيبلر ونيوتن ولافوازييه. وعلى عكس رحلات المناطيد العادية، كانت هذه الرحلات المغامرة تقفز إلى أعلى مستوى ممكن وبأسرع ما يمكن للهرب من المدفعية الألمانية المخيفة.
أطلق الجنود الألمان النار على أي حال وأصابوا الأهداف في بعض الأحيان. وسقط ليون غامبيتا، وزير الداخلية ورئيس الوزراء المستقبلي، مصاباً بجرادة في يده أثناء الفرار. وحتى بعد تجاوز خطوط الحصار، لم تكن المناطيد خارج نطاق الخطر، فغالباً ما كانت الفرسان البروسية تطاردها، ثم أعدم الألمان بعض الملاحتين الفرنسيين كجواسيس دون تأجيل أو رحمة.
على الرغم من هذه المخاطر، ومع اقتراب موعد الكسوف، بدأ جانسين في إجراء الترتيبات لرحلة منطاد خاصة به. كان عليه ببساطة الوصول إلى الجزائر. وعندها أرسل الألمان إنذاراً بأنه ليس عليه المخاطرة بحياته بعد كل شيء. وببروح اللعب النظيف، توسط لوكير في اتفاقية ممر آمن لجانسان لمغادرة المدينة، وبشكل لا يصدق، وافق المستشار الألماني.
ليس من الواضح لماذا فعل بيسمارك ذلك. هل كان هواة فلك سريين؟ الأكثر ترجيحاً أنه رأى فرصة لتسجيل بعض النقاط السهلة والرخيصة مع المجتمع الدولي. بالتأكيد، دع عالم الفلك يذهب، ولمَ لا؟
بغض النظر عن ذلك، رفض جانسين العرض بشدة. لقد كان وطنياً، وتعهد بالمخاطرة في الهواء. وفي المقابل، تعهد بيسمارك بإسقاط عالم الفلك إلى الأرض، متعهداً بأن أي نجوم يراها جانسين في رحلة منطاده ستكون أخيرته.
صعد جانسين ومساعده إلى سلة منطادهما، لا فولتا، في صباح يوم 2 ديسمبر المبتكر. فحص جانسين معداته الفلكية للمرة الأخيرة، وفي حوالي الساعة 6:00 صباحاً أمر الرجال الذين يمسكون الحبال بالإطلاق.
وبينما اندفع المنطاد إلى الأعلى في الظلام، استطاع جانسين رؤية الضوء الأبيض للفجر من جانب واحد، شفافاً ونقياً. وتحته، كانت النيران البرتقالية الصامتة تحترق، كأنها براكين صغيرة تتفجر عبر باريس.
وبعد بضع دقائق، انكسر الصمت بنادق الجنود البروسيين، الذين أحدثوا انفجاراتهم البرتقالية الصغيرة تحتهم. ولحسن الحظ، دفعت رياح الفجر العاتية جانسين ومساعده إلى ما وراء مطارديهم، واستريح الرجلان.
ولكن مع انزلاقهما إلى مسافة أبعد، أدركا أن الرياح لم تكن تهدأ. في الواقع، كانت تضرب السلة وتدفع المنطاد أسرع مما هو متوقع. وفي النهاية، استطاع الثنائي رؤية المحيط الأطلسي يلوح في الأفق. وبدأا محاولة يائسة لخفض الارتفاع قبل أن تجرفهما الرياح إلى البحر.
أخيراً، وبعد 5 ساعات و225 ميلاً، تحطما في حقل يقع قبل المحيط مباشرة. وسرعان ما أحاط بهما المزارعون الذين كانوا يتوقون إلى معرفة أخبار باريس. ثم قدم المزارعون للملاحتين الجائعين أول وجبة دسمة منذ أشهر، وهي غداء من الدجاج المشوي والزبذة والبيض.
استراح جانسين لعدة أيام، ثم استقل القطار إلى تور، حيث تجمع أعضاء الحكومة الفرنسية المنفية. وهناك، نقل رسالة سرية إلى الوزير الهارب غامبيتا. لقد كان جانسين يعمل كجاسوس بعد كل شيء! ثم سارع بالذهاب إلى الجزائر.
يا للأسف، انتهت المغامرة الكبرى بأكملها بالفشل. فبعد أشهر من الحصار والهروب الجريء، وصل جانسين إلى الجزائر ليجد السماء معتمة بالسحب. وكما قال أحد المؤرخين، فقد كان محجوزاً خلف ستارة من السحب أكثر نفاذاً حتى من الخطوط البروسية. لن يكون هناك كسوف، ولا ملاحظات، ولا خطوط أصفر. وكانت تعزية جانسين الوحيدة هي أن نورمان لوكير، الذي كان يراقب الكسوف في صقلية، عانى من نفس المصير الغائم.
اليوم نعلم أن ذلك الخط الأصفر الساطع في ضوء الشمس يمثل في الواقع الهيليوم، وهو ثاني أكثر العناصر شيوعاً في الشمس. وبتشارك جانسين ولوكير الآن الفضل في اكتشافه، ويظل العنصر الوحيد الذي تم رصده لأول مرة على جرم سماوي آخر. وكم هو مناسب إذن أن الرجل الذي لمح هذا العنصر لأول مرة قد حلق بنفسه في السماء يوماً ما سعياً وراء المجد العلمي.
