ينتج البالغ الصحي مليارات الخلايا الدموية الجديدة كل يوم. ومع ذلك، بالنسبة لبعض الأشخاص، فإن العملية التي تولد هذه الخلايا لا تعمل بشكل صحيح، مما قد يؤدي إلى الإصابة بسرطان الدم. في كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، كانت الدكتورة الكسندرين كريستينا أميس تدرس أسباب حدوث مشاكل إنتاج الدم، واكتشفت علاجاً محتملاً يمكن أن يعيد وظيفة خلايا إنتاج الدم.
تحدث كعالم أحياء خلوي
ابيضاض الدم النقوي الحاد (AML): شكل من أشكال سرطان الدم.
AKT: بروتين ينظم مجموعة واسعة من الوظائف الخلوية بما في ذلك نمو الخلايا وانقسامها وبقاءها.
الجسيمات البالعة الذاتية (Autophagosomes): الحويصلات المستخدمة في عملية الالتهام الذاتي.
الالتهام الذاتي (Autophagy): عملية إعادة التدوير الخلوي وتنظيف المكونات الخلوية غير الضرورية، مثل العضيات والبروتينات غير الفعالة.
الأرومة (Blast): خلية دم بيضاء غير ناضجة وغير طبيعية تتكاثر بشكل لا يخضع للسيطرة، فتملأ النخاع العظمي وتمنع إنتاج خلايا الدم الأخرى.
التمایز (Differentiation): قدرة الخلية على أن تصبح خلية من نوع مختلف.
تكون الدم (Haematopoiesis): إنتاج خلايا الدم.
الخلايا الجذعية المكونة للدم (HSCs): خلايا توجد في نخاع العظام وتُنتج منها جميع خلايا الدم.
الأشكال المتماثلة (Isoforms): بروتينات متشابهة وظيفياً وتملك تسلسلات متشابهة ولكن غير متطابقة من الأحماض الأمينية، ومُشفرة بواسطة جينات مختلفة أو بواسطة نفس الجين من نسخ مختلفة من الحمض النووي الريبي (RNA).
نموذج الفأر (Mouse model): فأر تجارب مُعدل وراثياً يُستخدم لدراسة الأمراض البشرية.
متلازمة خلل التنسج النقوي (MDS): شكل من أشكال سرطان الدم.
فوسفواينوسيتيد 3 كيناز (PI3K): عائلة من إنزيمات ناقل الإشارة المشاركة في الوظائف الخلوية، مثل نمو الخلايا وتكاثرها وتمايزها وحركتها وبقائها والنقل داخل الخلايا.
مسار PI3K/AKT: مسار إشارات ينظم مجموعة واسعة من الوظائف الخلوية بما في ذلك بقاء الخلايا ونموها (حيث تعتبر إنزيمات PI3K وبروتين AKT المنظمين الرئيسيين).
الخلايا السليفة (Progenitor cells): خلايا تُنتج من الخلايا الجذعية المكونة للدم ولم تتمايز بشكل كامل إلى خلايا دم ناضجة.
هل فكرت يوماً فيما يحتويه الدم الذي يضخ في جميع أنحاء جسمك؟ إنه مزيج معقد من الخلايا الحية التي يلعب كل منها دوره المهم. تنقل خلايا الدم الحمراء الغازات في جميع أنحاء الجسم، وتوصل الأكسجين إلى كل خلية وتزيل ثاني أكسيد الكربون. وتتسبب الصفائح الدموية في تجلط الدم عندما تجرح نفسك حتى يتوقف النزيف. وتساعد الخلايا المحببة الجسم على مكافحة العدوى البكتيرية، بينما تهضم الخلايا البلعمية الكائنات الحية الدقيقة وتزيل الخلايا الميتة. وتنتج الخلايا البائية أجساماً مضادة تهاجم الفيروسات الغازية، وتدمر الخلايا التائية الخلايا المصابة في الجسم.
يحتوي جسم الإنسان البالغ على حوالي 4.5 إلى 5.7 لتر من الدم، وهو ما يمثل حوالي 10% من وزن الجسم. ولكن كيف يصنع الجسم ترليونات الخلايا اللازمة للحفاظ على هذا الحجم من الدم؟ وماذا يحدث عندما تضل هذه العملية طريقها؟
كيف يتم إنتاج خلايا الدم؟
تقول الدكتورة كريستينا أميس، عالمة الأحياء الخلوية في كلية ألبرت أينشتاين للطب: "تسمى عملية إنتاج خلايا الدم بتكون الدم". تضيف: "في الشخص البالغ الصحي، يتم إنتاج ما يقرب من 10 مرفوعة للقوة 11 إلى 10 مرفوعة للقوة 12 خلية دم جديدة كل يوم!". هذا الإنشاء اليومي الهائل للدم الجديد (بما في ذلك حوالي مليونين من خلايا الدم الحمراء الجديدة كل ثانية) ضروري للحفاظ على نظام دم صحي.
يحدث تكون الدم من الخلايا الجذعية المكونة للدم (HSCs) التي توجد في النخاع داخل عظامك. يمكن لهذه الخلايا الجذعية المكونة للدم التجدد ذاتياً، مما يعني أنها تستطيع توليد المزيد من نفسها، بحيث لا ينفد الإمداد أبداً. يمكن للخلايا الجذعية المكونة للدم أيضاً التمايز، مما يعني أنها يمكن أن تتحول إلى خلايا سليفة، والتي تتحول بعد ذلك إلى جميع الأنواع الأخرى من خلايا الدم، مثل الخلايا البلعمية والصفائح الدموية والخلايا التائية. بمجرد أن تنضج خلايا الدم التي تنتجها الخلايا الجذعية المكونة للدم، فإنها تنتقل من النخاع العظمي إلى جهاز الدم، حيث تدور في جميع أنحاء الجسم عبر مجرى الدم لتأدية دورها المطلوب.
ماذا يحدث عندما يختل تكون الدم؟
لتوليد خلايا دم جديدة بشكل صحيح، يجب أن يكون هناك توازن بين التجدد الذاتي للخلايا الجذعية المكونة للدم وتمايزها. إذا اضطرب هذا التوازن وكانت عملية التمايز غير طبيعية، ستظل خلايا الدم غير المتمايزة بشكل صحيح في شكلها غير الناضج المعدل، والمعروفة باسم "الأرومات"، والتي يمكن أن تؤدي إلى السرطان.
متلازمة خلل التنسج النقوي (MDS) هي نوع من السرطان يحدث عندما لا تتمايز الخلايا الجذعية المكونة للدم إلى خلايا دم ناضجة، مما يؤدي إلى زيادة عدد الخلايا الجذعية ووجود الأرومات في مجرى الدم. إذا تشكلت أعداد كبيرة جداً من الأرومات، يمكن أن تتطور متلازمة خلل التنسج النقوي إلى ابيضاض الدم النقوي الحاد (AML). يتم تشخيص ما يقرب من 20,000 شخص بمتلازمة خلل التنسج النقوي كل عام في الولايات المتحدة، ويتطور ما يصل إلى 40% من مرضى متلازمة خلل التنسج النقوي إلى ابيضاض الدم النقوي الحاد. وسيموت معظم المرضى الذين يتم تشخيص إصابتهم بابيضاض الدم النقوي الحاد في غضون عامين.
تقول كريستينا: "إن أسباب متلازمة خلل التنسج النقوي وتطورها إلى ابيضاض الدم النقوي الحاد غير مفهومة بشكل كافٍ، لذلك هناك حاجة إلى إجراء بحوث حول بدايه هذه الأمراض لتوجيه خيارات علاجية أفضل للمرضى".
ما هي الإشارات التي تتحكم في تكون الدم؟
للإبقاء على عملية تكون الدم بشكل صحيح، ترسل جزيئات في الجسم، مثل عوامل النمو، إشارات إلى الخلايا الجذعية المكونة للدم في النخاع العظمي لإبلاغها بالظروف في الجسم وما إذا كانت بحاجة إلى إنتاج خلايا دم جديدة. تقول كريستينا: "أحد أهم مسارات الإشارات التي تنقل توفر الموارد هو مسار فوسفواينوسيتيد 3 كيناز PI3K/AKT". وتضيف: "تتلقى هذه الإنزيمات إشارات من عوامل النمو التي تنشط مسار AKT، والذي ينقل بدوره معلومات حول توفر الموارد لعدة مؤثرات لاحقة تنظم العمليات الخلوية الحيوية، مثل التمثيل الغذائي، وتوازن الجلوكوز، وتكاثر الخلايا، وموت الخلايا". وبالتالي فإن مسار إشارات PI3K/AKT المحدد ضروري لتنظيم العمليات الخلوية.
ما الذي تدرسه كريستينا؟
تقول كريستينا: "مختبرنا مهتم بشكل خاص بدور مسار إشارات PI3K/AKT في تكون الدم". يتم تنشيط مسار إشارات PI3K/AKT خلال عدة أنواع من السرطان، لذا فإن حظر هذا المسار يعد تقنية علاجية لعلاج السرطان. تُستخدم مثبطات PI3K بشكل شائع لعلاج مرضى السرطان، لكن دور PI3K في تنظيم وظيفة الخلايا الجذعية المكونة للدم لا يزال غير مفهوم بشكل جيد. إذا تمكنت كريستينا من تحديد ذلك، فقد يؤدي ذلك إلى تحسين علاجات سرطان الدم.
ينظم مسار PI3K العمليات الخلوية لأنسجة متعددة في الكائن الحي، لكن كريستينا تريد فقط دراسة تأثيره على الخلايا الجذعية المكونة للدم والخلايا السليفة. للقيام بذلك، كان عليها إنشاء نموذج فأر جديد يتيح لها دراسة تأثيرات PI3K في النسيج المكون للدم الذي تهتم به. توضح كريستينا: "لقد صنعنا نموذج تعطيل ثلاثي (TKO) فريداً يتيح لنا حذف الأشكال المتماثلة الثلاثة الفائضة لـ PI3K في نظام تكون الدم لدى الفأر البالغ دون التأثير على تطور الفأر". "وبذلك، يمكننا الوصول إلى دور PI3Ks في تكون الدم لدى البالغين".
ماذا اكتشفت كريستينا؟
استخدمت كريستينا نموذج الفأر الخاص بها للتحقق مما إذا كانت فئران التعطيل الثلاثي (TKO) تتمتع بإنتاج دم طبيعي. واكتشفت أنه عند إزالة الأشكال المتماثلة الثلاثة لـ PI3K من الفأر، أدى ذلك إلى انخفاض كبير في مجموعات جميع أنواع خلايا الدم. هذه حالة تعرف باسم قلة الكريات الشاملة وتوقع أن الخلايا الجذعية المكونة للدم في نماذج فئران TKO كانت معيبة.
لاختبار ما إذا كان هذا هو الحال، أجرى فريق كريستينا عمليات زراعة النخاع العظمي على فئران TKO. توضح كريستينا: "عادةً ما يحتوي النخاع العظمي على مجموعة صغيرة من الخلايا الجذعية المكونة للدم تكون فعالة جداً في التجدد الذاتي والتمايز". "ولكن في نماذج فئران TKO الخاصة بنا، وجدنا أنه على الرغم من الانخفاض في العدد الإجمالي لخلايا الدم، كانت هناك زيادة في عدد الخلايا الجذعية المكونة للدم. ومع ذلك، لم تؤد هذه الأعداد العالية من الخلايا الجذعية المكونة للدم إلى عدد كبير من الخلايا السليفة، مما يشير إلى وجود مشكلة في التمايز في الخلايا الجذعية المكونة للدم لدى فئران TKO".
فحصت كريستينا بعد ذلك خلايا النخاع العظمي في فئران TKO الخاصة بها. تقول: "أظهرت خلايا النخاع العظمي لفئران TKO علامات على التمايز غير الطبيعي، والتي تشبه جداً تلك التي تظهر لدى المرضى الذين يعانون من متلازمة خلل التنسج النقوي". وتكمل: "وجدنا أن فئران TKO تتشارك في العديد من الميزات مع المرضى الذين تم تشخيص إصابتهم بمتلازمة خلل التنسج النقوي، بما في ذلك زيادة التجدد الذاتي للخلايا الجذعية، ونقص التمايز، ووجود الأرومات". بل إن بعض فئران TKO بدأت تتطور إلى حالة أكثر خطورة، بنفس الطريقة التي يتطور بها بعض المرضى الذين يعانون من متلازمة خلل التنسج النقوي إلى ابيضاض الدم النقوي الحاد.
لتحديد الآلية التي تسبب التغييرات في الخلايا الجذعية المكونة للدم والخلايا السليفة عند فقدان الأشكال المتماثلة لـ PI3K، استفادت كريستينا من تقنيات التسلسل من الجيل التالي. واكتشفت أنه في فئران TKO، تكون الخلايا الجذعية المكونة للدم غير قادرة على تنظيم عملية الالتهام الذاتي، والتي تقوم فيها الخلايا بإعادة تدوير العضيات غير الضرورية وتنظيف نفسها. في عملية الالتهام الذاتي، تقوم حويصلات تعرف باسم الجسيمات البالعة الذاتية بتفكيك وإعادة تدوير العضيات والبروتينات غير الفعالة لاستخدامها الخلوي لاحقاً، مما يحافظ على الخلية نظيفة وصحية. ومع ذلك، أظهرت الفئران التي تفتقر إلى الأشكال المتماثلة لـ PI3K انخفاضاً في التعبير عن العديد من جينات الالتهام الذاتي، مما أدى إلى تعريض عملية إعادة التدوير داخل الخلية للخطر وتراكم الجسيمات البالعة الذاتية مع الحطام الخلوي غير المكتمل التفكك. تقول كريستينا: "ومن المثير للاهتمام أننا وجدنا أيضاً تراكماً للجسيمات البالعة الذاتية في الخلايا الجذعية البشرية السابقة لمتلازمة خلل التنسج النقوي".
كيف ستساعد بحوث كريستينا المصابين بالسرطان؟
أظهرت بحوث كريستينا أن نقص إشارات PI3K يعطل الالتهام الذاتي في الخلايا الجذعية المكونة للدم، وأن هذا يسبب تمايزاً معيباً. ومن هذه الاكتشافات، افترضت أنه إذا أمكن تنشيط الالتهام الذاتي بالأدوية، فسوف يحسن ذلك تمايز الخلايا الجذعية المكونة للدم في النخاع العظمي. تقول: "وهذا بالضبط ما وجدناه!". "إن علاج الخلايا الجذعية التي تعاني من خلل في إشارات PI3K بأدوية محفزة للالتهام الذاتي أدى إلى تحسين إعادة التدوير الخلوي، ونتيجة لذلك، تحسن تمايز الخلايا الجذعية المكونة للدم". وتستنتج كريستينا أن ضعف الالتهام الذاتي هو آلية رئيسية لاضطراب تمايز الخلايا الجذعية المكونة للدم لدى المرضى الذين يعانون من متلازمة خلل التنسج النقوي، وأن الأدوية المحفزة للالتهام الذاتي يمكن أن تساعد في استعادة وظيفة الخلايا الجذعية المكونة للدم. وبالتالي فإن بحث كريستينا على نموذج الفأر أمري أساسي لفهم أسباب سرطانات الدم واختبار علاجاتها، مما سينتج عنه نتائج أفضل للأفراد المصابين بسرطانات الدم مثل متلازمة خلل التنسج النقوي وابيضاض الدم النقوي الحاد.
عن الأحياء الخلوية
علم الأحياء الخلوي هو فرع الأحياء الذي يدرس الكائنات الحية على المستوى الخلوي. الخلايا هي الوحدة الوظيفية للحياة، وتقليدياً، ركز علماء الأحياء الخلوية على دراسة الخلايا الفردية أو الجينات لفهم وظيفتها. ومع ذلك، يعلم العلماء أن الخلايا والجزييات الموجودة بداخلها لا تعمل بشكل معزول، لذلك من المهم دراسة الخلايا ضمن السياق الأوسع للكائن الحي بأكمله. تقول كريستينا: "أستمتع بطرح أسئلة كبيرة من منظور الكائن الحي بأكمله". "هذا يتيح لي رؤية عواقب التعديلات الخلوية في الكائن الحي بأكمله، وليس فقط في الخلايا الفردية. كل تغيير صغير ندخله على المستوى الخلوي يمكن أن يؤدي إلى عواقب كبيرة على مستوى الكائن الحي".
ماذا يفعل علماء الأحياء الخلوية؟
يقضي علماء الأحياء الخلوية الكثير من الوقت في المختبر لإجراء التجارب. تقول كريستينا: "نستخدم أساليب قائمة على الإشارات حيث يتحكم العلماء في الخلايا ووظائفها عن طريق إحداث تغييرات في التعبير عن جينات مستهدفة معينة. ونحن نراقب هذه التغييرات المدخلة باستخدام تقنيات مختلفة، مثل الفحص المجهري، وقياس التدفق الخلوي، واللطخ المباشر للبروتين، واختبارات جزيئية متعددة، والتي تتيح لنا معاً فهم تفاعلات البروتين ووظيفة الجين". تضيف: "يتطور هذا المجال بسرعة، لذا يمكننا في الوقت الحاضر دمج هذه التقنيات مع معالجة مجموعات البيانات الكبيرة والتسلسل من الجيل التالي". ووسعت هذه النهج الجديدة بحوث الأحياء الخلوية والجزيئية. توضح كريستينا: "تمنح هذه التطورات الفرصة المثيرة لدمج أساليب المختبر المبتل (التجارب القائمة على المختبر) والمختبر الجاف (التحليلات القائمة على الكمبيوتر) والتي لديها القدرة على إعطاء تصميم تجريبي وأبحاث لاحقة أكثر دقة".
كعالم أحياء خلوي، قد تجد نفسك تنمي زراعة الخلايا، أو تعمل مع المجاهر، أو تسلسل الحمض النووي (DNA)، أو تفحص الهياكل الخلوية ووظائف العضيات والبروتينات، أو تتحرى عن الآليات الخلوية.
