نشهد اليوم ظاهرة طغيان الأسلوب القديم أو ما يُعرف بالـ "ريترو" في شتى مناحي الحياة؛ فشركة "نينتندو" لا تتوقف عن إعادة إحياء ألعابها الكلاسيكية، وهوليوود تواصل إنتاج أجزاء جديدة وتحديثات لأعمالها القديمة، بينما تزخر منصة "نتفليكس" بأعمال تستحضر روح ثمانينيات القرن الماضي. وحتى التطبيقات الموسيقية مثل "سبوتيفاي" تعيد إلى مسامعنا الأغاني التي رافقت أيام صبانا، في حين يصر "فيسبوك" على تذكيرنا اليومي بما كنا نكتبه ونفعله قبل عقد من الزمان.
لقد استعادت الأسواق استثمار الذكريات وتحويل الماضي إلى صناعة درارة للأرباح؛ حيث يعيش سوق الترفيه القائم على استرجاع الأيام الخوالي أزهى عصوره. وتدرك الشركات ملياً أن العودة إلى الوراء هي أقصر الطرق لكسب العميل اليوم؛ فشعار قديم، أو لعبة أحببناها في الطفولة، أو معزوفة مألوفة، قادرة على بناء جسر عاطفي يدوم في لحظات.
فسر الباحثون هذا الإقبال بالحنّين إلى الماضي أو ما يُعرف بالـ "نوستالجيا"؛ إذ إن استحضار اللحظات السعيدة يعزز الشعور بالهوية، ويصلنا بمن نحب، ويمنحنا ملاذاً دافئاً في أوقات الشدة. ولم يتوانَ خبراء التسويق عن استغلال هذه العاطفة عبر إعادة ابتكار العلامات القديمة والتصاميم والتجنيات الكلاسيكية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا لو تماديت الشركات في تسويق هذا الحنين حتى أفقدته معناه؟ يشير بحث أعددته مع أقراني إلى أن التقنيات الرقمية بدأت تُغير من طبيعة الحنين ذاتها؛ ففي محاولتها المستمرة لإبقاء الماضي حياً ومتاحاً في كل لحظة، قد تكون الشركات أضعفت المفهوم الذي تقوم عليه تجاراتها دون أن تدري!
وتتجلى هذه الظاهرة في صناعة ألعاب الفيديو أكثر من غيرها؛ ففي الماضي القريب، كانت يفوتك الاستمتاع بلعبة ما إن لم تعش عصرها، نظراً لتوقف إنتاج أجهزتها، أو تلف أشرطتها، أو اختفاء الصالات التي تحتضنها. وكان سر تميز تلك الألعاب يكمن في أنها ملك لزمان بعيد لا يمكن استعادته.
أما اليوم، فالأمر مختلف تماماً؛ إذ توفر "نينتندو" ألعابها الكلاسيكية عبر الاشتراكات السحابية، وتقدم "بلاي ستيشن" ألعابها القديمة بجودة عالية ومحدثة، بينما تنقب شركات أخرى مثل "نايت دايف ستوديوز" عن الألعاب المنسية لتعيد إحياءها للحواسيب الحديثة. لقد بات بإمكان أي لاعب الوصول إلى ألوف الألعاب القديمة بنقرة زر، فلم يعد هناك شيء يشيخ أو يندثر.
ثلاثية السيطرة على الزمان
نرى في دراستنا أن المؤسسات التجارية أصبحت تعتمد على ثلاث استراتيجيات مترابطة:
أولاً: الحفظ الرقمي، من خلال السحابة والأرشيفات الإلكترونية التي تمنع الألعاب والأفلام والموسيقى والصور من التلاشي مع مرور العقود.
ثانياً: الترميم والتحديث، بإعادة صياغة الأعمال القديمة لتناسب الأذواق المعاصرة؛ فتُحسن الرسوم والأصوات، وتُعدل الصور القديمة بالذكاء الاصطناعي، ليظهر الماضي أبهى وأحدث مما كان عليه بالفعل.
ثالثاً: التخليد والاستدامة، وهو مفهوم يتجاوز مجرد الحفظ والترميم؛ حيث تُعاد صياغة الأفكار الناجحة وتكرارها باستمرار حتى لا تغادر الوعي العام إطلاقاً. وبدلاً من أن نعود إلى الماضي بين الحين والآخر، أصبحنا نعيش في وسط نسخ متجددة منه بلا نهاية.
ورغم أن ألعاب الفيديو هي الشاهد الأبرز على هذا التحول، إلا أن هذا النمط يلقي بظلاله أيضاً على الإنتاج التلفزيوني، والسينما، والموسيقى، وعالم الموضة، وحتى الذكريات الشخصية الموثقة على منصات التواصل الاجتماعي.
شجن الحنين وجمالية الغياب
يقدم الفيلسوف جرافتون تانر زاوية نظر مختلفة؛ إذ يرى أن ثقافة اليوم ليست حالمة أو مفعمة بالحنين كما نتخيل. قد يبدو هذا القول مستغرباً ونحن نرى الماضي يحيط بنا من كل جانب، لكن الحنين في أصله يعتمد على غياب الشيء وفقدانه؛ فقد كنت تشتاق لبرنامج تلفزيوني لأنه توقف عن البث، أو للعبة كسرها الزمن، أو لفرقة موسيقية تفككت. كان الماضي غاليا لأن الوصول إليه كان مستحيلاً، أما اليوم، فالوصول إليه أسهل مما نتوقع.
لطالما أكد علماء النفس أن الحنين عاطفة ممتزجة بالشجن؛ تجمع بين دفء الذكرى والحقيقة المرة القائلة بأن تلك اللحظات لن تعود كما كانت. إن هذا الشعور بالفقد بالتحديد هو ما يمنح الحنين طاقته العاطفية ويجعله مؤثراً.
لكن التكنولوجيا الرقمية أعادت تشكيل هذه العلاقة؛ فلم يعد هناك شيء يغيب أو يندثر حقاً. الأفلام القديمة متاحة على الدوام، والألعاب تُحدث باستمرار، والشبكات الاجتماعية تذكرنا بأدق تفاصيل أمسنا دون طلب منا. وبدلاً من أن نتذكر الماضي، أصبحنا نعيش مجاورين له؛ وكلما ظل الماضي حاضراً في يومنا، قَلَّ احساسنا ببعده الزمني، ومع تلاشي هذه المسافة، يفقد الحنين جوهره.
تسويق الألفة والاعتاد
يضع هذا الوضع المؤسسات التجارية أمام تحدٍ جديد؛ فالمنتجات القديمة لا تزال تحقق مبيعات هائلة، ولكن ربما لم تعد الشركات تبيع الحنين بذاته، بل تبيع شيئاً قريباً منه: الشعور بالألفة، والراحة، والتعرف على المألوف.
وهذه مشاعر لها قيمتها بلا شك؛ فالمستهلك يطرب لرؤية شخصياته المفضلة أو سماع ألحانه القديمة، كما أن المنتجات المألوفة تمنح إحساساً بالأمان في عالم مليء بالتقلبات، وهو ما يفسر استمرار الاستثمار فيها. لكن دراستنا تنبه إلى وجود حد لهذه الاستراتيجية.
إذا كان الحنين يقتضي وجود مسافة زمنية وإحساساً بالفقد، فإن الإفراط في إعادة إنتاج الماضي يهدد بتآكل العوامل التي تجعل الحنين يؤدي دوره العاطفي؛ إذ قد يتوقف الإنسان عن التوق للماضي متى ما وجد أن الماضي لا يغادره أساساً.
لا يعني هذا أن تسويق المنتجات القديمة سيتوقف فجأة؛ فالألفة ستظل ذات قيمة تجارية تضمن رواجها، لكن هناك فرقاً بين الألفة وبين الحنين. والمفارقة هنا جليّة: الشركات التي برعت في حفظ الماضي وترميمه وتخليده، قد تنتهي إلى استنزاف الرصيد العاطفي الذي تبني عليه نجاحها.
وتظل ألعاب الفيديو النموذج الأوضح لهذه الظاهرة اليوم، ولكن مع قيام منصات البث، والذكاء الاصطناعي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والعلامات التراثية بإبقاء الماضي حياً وعلى مسافة قريبة جداً منا، فإن السؤال الذي سيواجه جميع القطاعات هو: هل سيرتبط مستقبل الحنين بقدرتنا على ترك الماضي يمضي بسلام؟
