تحتاج الأجهزة الاستهلاكية التي ترصد نبضات القلب ومستويات السكر ودورات النوم إلى إرساء قواعد تحقق أكثر صرامة كي تكتسب قيمة إكلينيكية حقيقية تُعتمد في أروقة الطب.
في ستينيات القرن الماضي، أحدث الفيزيائي الحيوي نورمان "جيف" هولتر قفزة نوعية بتطويره أول جهاز محمول لتخطيط كهربائية القلب — وهو ما يُعرف اليوم بـ "جهاز هولتر". فتح هذا الابتكار آفاقاً جديدة أمام المرضى الذين يعانون من خفقان القلب أو نوبات الإغماء أو غيرها من العوارض القلبية، حيث أتاح مراقبة حالتهم خارج أسوار العيادات الطبية. كانت تلك الخطوة المحورية أول اعتراف عملي بوجود ثغرة في آليات التشخيص التقليدية تتمثل في "انحياز المعاينة"؛ إذ إن تخطيط القلب المأخوذ في زيارة خاطفة للعيادة ليس إلا صورة لحظية عابرة قد تعجز عن التقاط اضطرابات النبض الخفية. وبذلك، تدشّن عهد جديد في الرعاية الصحية يمضي بثبات نحو مستقبل تُجرى فيه المراقبة بعيداً عن أسرّة المستشفيات، لتستكشف المؤشرات الحيوية بالتدريج وتكشف عن معطيات قد لا تظهر للعيان إلا بعد فوات الأوان وحدوث الانتكاسة.
وفي مستهل القرن الحادي والعشرين، انقسمت تقنيات المراقبة القابلة للارتداء إلى مسارين متوازيين: الأول يركز على الأجهزة ذات المعايير الطبية الدقيقة المخصصة للاستخدام الإكلينيكي؛ والثاني يمثله القطاع الاستهلاكي بريادة شركات مثل "فيتبيت"، و"سامسونج"، و"جارمن"، و"أورا"، والتي تسوق منتجاتها غالباً كأدوات لتعزيز الصحة العامة والياقة. غير أن الطفرة التكنولوجية المتسارعة بدأت تذيب الفوارق وتطمس الحدود الفاصلة بين هذين العالَمين.
ويأتي جهاز "ستيلو" من شركة "ديكسكوم" — كأول جهاز لمراقبة السكر باستمرار يُتاح دون وصفة طبية بعد اعتماده من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية — ليعبر بهذه التقنية من أروقة العيادات إلى أيدي المستهلكين مباشرة. وعلى النحو ذاته، يعمل تطبيق "هيلث كيت" من "أبل" على تجميع الملقات الصحية، ونتائج التحاليل، وبيانات الأجهزة القابلة للارتداء من مختلف التطبيقات. وفي الاتجاه نفسه، تسعى شركة "ووب" إلى دمج قراءات أجهزتها مع الفحوصات المخبرية من خلال شراكات مع مختبرات متخصصة مثل "كويست دياجنوستيكس". ومع الاقتراب المتزايد للبيانات التي يجمعها الأفراد من طبيعة المؤشرات الحيوية الطبية، غدى من الضروري أن يضع المؤسس الطبي أطراً معيارية راسخة لتقييم مدى دقة هذه الإشارات وإمكانية تفسيرها والاستفادة منها في توجيه العلاج. وبحكم اختصائصي في الطب المخبري، أرى أن القيمة التنبؤية لهذه الأجهزة تكتسب أهمية بالغة للغاية بالتوازي مع تغلغلها المتزايد في الممارسة الطبية اليومية.
ومع تحول بيانات هذه الأجهزة إلى معطيات ذات صبغة تشخيصية، يحسن بنا أن نتساءل: لماذا لا تخضع هذه القراءات لنفس أطر التحقق والضبط التي يفرضها الطب على الفحوصات المخبرية؟
في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية (CES) في يناير الماضي، أعلن مارتي ماكاري، الذي كان يشغل حينها منصب مفوض إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، عن تحديث الإرشادات التنظيمية الخاصة بالتقنيات القابلة للارتداء والأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بهدف تسريع وصولها إلى الأسواق. كما أطلقت الإدارة بالتعاون مع مراكز الرعاية الصحية برنامجين تجريبيين باسم "ACCESS" و"TEMPO"، لإدراج الأجهزة المخصصة لتتبع الحالات المزمنة — كالضغط والسكري والكتئاب — ضمن مظلة التغطية التأمينية. تتيح هذه الخطوة طرح تقنيات صحية معينة في الأسواق لتجمع البيانات من الواقع العملي مباشرة، بدلاً من إخضاعها للمسارات التنظيمية المعقدة المعتمدة للأجهزة الطبية التقليدية. وفي مارس، طرحت وكالة بحوث الصحة المتقدمة "ARPA-H" برنامج "ديلفي" لتطوير مستشعرات بيولوجية منخفضة التكلفة، تُرتدى أو تُبتلع، لرصد الإشارات الحيوية المعقدة بصفة مستمرة، مثل الهرمونات والمؤشرات المناعية ومستويات الأدوية في الدم.
تفتح هذه التطورات آفاقاً واعدة؛ فالأجهزة القابلة للارتداء تمنح المرضى طوق نجاة عبر تجسيد التغيرات الفسيولوجية الخفية في حياتهم اليومية. وقد أعرب العديد من المرضى عن امتناعهم لتنبيهات "ساعة أبل" التي دفعتهم لطلب الاستشارة الطبية لإنقاذ حياتهم عند اكتشاف اضطرابات نبض لم تكن تشخيصها سابقاً. كما أحدثت أجهزة المراقبة المستمرة للسكر تحولاً محوزياً في الفهم الميداني للأيض، حيث مكنت المستخدمين من ربط طبيعة نمطهم الغذائي ونومهم ونشاطهم البدني ومستويات التوتر بقراءات السكر المباشرة، مع وجود شواهد أولية تشير إلى فوائد ملموسة حتى لغير المصابين بالسكري. وعلى نطاق أوسع، ساهمت هذه التقنيات في تحفيز الأفراد على ممارسة النشاط البدني. بيد أنه مع تحول هذه البيانات إلى ما يشبه المعلومات التشخيصية، يظل السؤال قائماً حول أسباب استثنائها من معايير الضبط المخبري الصارمة.
على مر التاريخ، خضع الطب التشخيصي لمنظومة قياسية دقيقة؛ إذ تخضع مختبرات المستشفيات لقوانين التعديلات الفيدرالية لتحسين المختبرات السريرية (CLIA)، فضلاً عن حصول معظمها على اعتماد الكلية الأمريكية لعلماء الأمراض. كما خضعت معظم الفحوصات المطورة داخل المختبرات لعمليات تحقق سريرية داخلية صارمة قبل إقحامها في رعاية المرضى.
في المقابل، يصعب تطبيق هذا النموذج على التقنيات الاستهلاكية القابلة للارتداء؛ نظراً لاعتماد معظمها على خوارزميات احتكارية تغلق شفرتها وتكتفي بإعطاء "مؤشرات تقييم مجمعة" بدلاً من تقديم مستويات محددة للمؤشرات الحيوية المتعارف عليها. فعلى سبيل المثال، قد تعتمد مؤشرات مثل "الجاهزية" أو "جودة النوم" على معطيات مثل تقلب معدل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجسم، ومدة النوم، غير أن كل شركة تُعطي وزناً مختلفاً لهذه المعطيات دون ربطها بمؤشر تنبؤي دقيق لحالة مرضية بعينها. ورغم أن أجهزة تتبع النوم توفر دقة عالية في تحديد أوقات النوم والاستيقاظ، إلا أن كفاءتها تقل عند محاولة تحديد مراحل النوم المختلفة. كما أن قراءات تقلب معدل ضربات القلب قد تتفاوت بين جهاز وآخر دون أن ترتبط بعارض مرضي صريح، مما يمنع الأطباء من الاعتماد عليها كأداة تشخيصية. وفي دراسة رعتها شركة "أبل" وشملت زهاء 419,300 بالغ استخدموا تطبيقاً يراقب انتظام النبض، أظهرت النتائج أن أكثر من 2000 مشارك تلقوا تنبيهات بوجود خلل في النبض، لكن الفحوصات الإكلينيكية لم تؤكد إصابة سوى ثلث من راجعوا العيادات منهم بمرض الرجفان الأذيني.
ويأتي التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي ليزيد المشهد تعقيداً؛ إذ يهرع المرضى بشكل متزايد لاستشارة روبوتات الدردشة الذكية بشأن أعراضهم الصحية، بينما يستعين الأطباء بالذكاء الاصطناعي التوليدي في التوثيق ودعم القرار التشخيصي. ونظرياً، يمكن للنماذج اللغوية الكبيرة أن تساهم في تنظيم التدفق الهائل لبيانات الأجهزة القابلة للارتداء. غير أن التطبيق العملي يحمل مخاطر تتمثل في احتمال القراءة الخاطئة لإشارات غير معيرة، وتضخيم النتائج الإيجابية الزائفة، مما يلقي بأعباء إضافية على كاهل المنظومة الصحية المجهدة أساساً.
من جهة، تؤكد نتائج دراسة ساعة "أبل" قدرة هذه التقنيات على اكتشاف اضطرابات النبض ذات الأهمية السريرية على نطاق واسع دون الحاجة لإغراق العيادات بالزيارات الروتينية. ولكن من جهة أخرى، تكشف هذه النتائج عن عقبة تشغيلية تتمثل في صعوبة ترجمة التنبيهات إلى رعاية صحية فعالة، لا سيما مع ارتفاع نسبة النتائج الإيجابية الزائفة بسبب الاتساع الكبير للشريحة المستهدفة بالفحص. إن الإشارة الصادرة عن الجهاز يجب ألا تقف عند حد "التنبيه"، بل ينبغي أن تكون أداة لتحديد الفئات الأكثر عرضة للمخاطر وتوجيه سلوكهم الصحي نحو الأفضل. وإذا كان للذكاء الاصطناعي أن يربط بين البيانات المجمعة والإجراء الطبي، فيجب أن يمارس دور المرشد للمريض؛ فيحذره مسبقاً إذا اتجهت مؤشراته نحو الخطر، ويضمن عدم إغفاله في حال تعثرت متابعته الدورية مع طبيبه المعالج.
إلى جانب ذلك، فإن هذا الانفجار المعرفي في بيانات المستهلكين، رغم جاذبيته، يطرح محاذير ملحة تمس خصوصية الأفراد؛ إذ تُستثنى معظم هذه البيانات من مظلة الحماية التي يوفرها قانون نقل التأمين الصحي والمساءلة (HIPAA)، مما يترك الباب مفتوحاً أمام كيفيات تصرف الشركات بهذه المعلومات. إن بيع بيانات المستشعرات لوسطاء البيانات التجار يتيح لأرباب العمل، أو شركات التأمين، أو حتى الجهات الأمنية إمكانية تحليلها واستنتاج تفاصيل شخصية حساسة كالحالة النفسية، ومستويات الإرهاق، ونمط النوم والاستيقاظ. غير أن التحركات التشريعية — مثل مشروع "قانون بيانات الساعات الذكية" الذي سعى لحظر بيع المعلومات الصحية دون موافقة صاحبها، ومشروع "قانون إصلاح خصوصية المعلومات الصحية" الهادف لتوسيع نطاق حماية قانون (HIPAA) لتشمل البيانات الجمعة خارج الأطر الطبية التقليدية — تعكس إدراكاً متزايداً من صناع القرار لهذه الفجوة القانونية.
إن الإشارة الصادرة عن الجهاز القابل للارتداء يجب ألا تقف عند حد التنبيه، بل ينبغي أن تكون أداة لتحديد الفئات الأكثر عرضة للمخاطر وتوجيه سلوكهم الصحي نحو الأفضل.
ورغم هذه المحاذير، لا ينبغي للمؤسسة الطبية أن تنأى بنفسها عن عالم الأجهزة القابلة للارتداء. إنني أنظر إليها بشغف كبير؛ فهي تمنح المريض زمام المبادرة والقدرة على فهم فسيولوجية جسده، وتفتح للأطباء آفاقاً جديدة للتدخل المبكر قبل أن تتفاقم الأعراض وتتجسد كأمراض صريحة في العيادة. كما أن التسهيلات التنظيمية الصادرة عن الهيئات المعتمدة تؤكد أن هذه التقنيات باتت تعبر سريعا من مجرد أدوات للياقة والرفاهية إلى أركان أساسية في الرعاية الوقائية.
وإذا كان مختبر المستقبل يتجه نحو اللامركزية ليستقر على أجسادنا، فمن الواجب بناؤه بنفس الرصانة والصرامة التي يتعامل بها الطب مع الفحوصات التشخيصية؛ بحيث يخضع لأعلى معايير التحقق، والشفافية، والخصوصية، والمساءلة الطبية. وبتطبيق هذه المبادئ، نكون قد جسدنا الرؤية التاريخية لنورمان هولتر؛ فكما جاء في ورقة علمية نُشرت عام 1983، لا يمكن للطب أن يقيّم فسيولوجيا المريض بناءً على لقطة واحدة عابرة، تماماً كما لا يمكن لمهندس التعدين أن يقيّم "جَبَلاً كاملاً من الخامات عبر فحص صخرة واحدة".
