تأتي طفرات الأسعار في أسواق السلع الأساسية محمّلة ببشائر الرخاء، غير أن حسن إدارتها يظل التحدي الأكبر أمام حكام السياسات الماليّة. فبالنسبة للدول الغنية بالموارد الطبيعية، تشكل تدفقات الإيرادات الطارئة نافذة استثنائية لتمويل المشروعات الاستثمارية، وتعزيز الملاءة المالية للحكومات، ودفع عجلة النمو الاقتصادي إلى آفاق أرحب. وعلى النقيض من ذلك، فإن سوء التعاطي مع هذه الوفرة المالية قد يزج بالبلاد في دوامة من الإنفاق العشوائي، مما يعقبه تراكم للديون، وتصاعد في معدلات التضخم، وتنتهي الطفرة بهبوط اقتصادي حاد. فالفيصل بين أن تحول الفورة المالية إلى مكاسب مستدامة، أو أن تصبح مجرد تمهيد لأزمة جديدة، يكمن في مدى حصانة السياسة المالية ونضج إدارتها.
ويقدم الربع القرن الماضي درساً جلياً في هذا الصدد؛ ففي أثناء "الفرصة السلعية الكبرى" خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، استغلت العديد من الاقتصادات الناشئة والدول النامية ارتفاع الأسعار لتحقيق معدلات نمو قوية، وسداد جانب من ديونها، وتحسين توازناتها المالية. غير أن العقد التالي (2010–2020) حمل معه تقلبات قاسية، حيث تراجعت أسعار السلع وارتفعت أعباء الديون. ومع حلول العقد الحالي، تتابعت الأزمات بدءاً من الجائحة واضطراب سلاسل الإمداد، مروراً بالحرب في أوكرانيا، ووصولاً إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض ومعدلات التضخم، ناهيك عن التوترات التجارية والنزاعات المشتعلة في الشرق الأوسط. ونتيجة لهذه الصدمات المتلاحقة، تضاعف متوسط الدين الحكومي في الدول النامية والناشئة المصدرة للسلع بحلول عام 2025 مقارنة بمستوياته المسجلة عام 2010.
إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على تفادي الدورة التقليدية بين الانتعاش والركود، بل يتصل بصُلب المستقبل الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ يُتوقع أن ينضم نحو 1.2 مليار شاب في الدول النامية والناشئة إلى سوق العمل بين عامي 2025 و2035. ويمثل استيعاب هذه الكتلة الشبابية الضخمة في وظائف إنتاجية تحدياً تنموياً مصيرياً، لا سيما وأن نصف هذه الموجه الشبابية يعيش في دول يعتمد اقتصادها كلياً على تصدير السلع. ومن هذا المنطلق، لم تعد الإدارة المالية الرشيدة مجرد أداة لضبط الموازنات وتفادي العجز، بل أصبحت ركيزة أساسية لتهيئة البيئة المحفزة للاستثمار والنمو وخلق فرص العمل.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو التحول الجذري في بنية أسواق السلع العالمية؛ إذ يعيد التطور التقني والتحول نحو الطاقة النظيفة رسم خريطة الطلب على المواد الخام من جديد. فبينما يهدد التراجع التدريجي في استهلاك الوقود الأحفوري بتآكل الموارد المالية للدول المصدرة للنفت والغاز، يؤدي التوسع في التكهرب والتقنيات الرقمية والطاقة المتجددة إلى قفزات قياسية في الطلب على المعادن والفلزات الاستراتيجية. وأمام هذه التغيرات الهيكلية، لم تعد الأطر المالية التقليدية صالحة لإدارة متطلبات المرحلة القادمة.
وفي هذا السياق، تسلط دراستنا الحديثة المعنونة بـ "السياسة المالية في الدول المصدرة للسلع: موازنة على حد السيف" الضوء على هذه التحديات عبر تقييم شامل أعدته مجموعة البنك الدولي. تتتبع الدراسة المسار المالي لهذه الدول منذ عام 2000، وتحلل ظاهرة "المسايرة الماليّة للدورة الاقتصادية" ومدى تقلبها وآثارها المباشرة على النمو، كما تستشرف تداعيات تحول الطاقة على مصدري النفط والمعادن على حد سواء، لتخلص في النهاية إلى أطر عمل وقائمة خيارات سياساتية واضحة ومحددة.
وتبرز أهمية هذا الطرح من واقع كاشف؛ إذ ما يزال الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية سمة غالبة على نحو ثلثي الاقتصادات الناشئة والدول النامية، وما يقارب 90% من الدول منخفضة الدخل. والمؤسف أن السياسات المالية في هذه الاقتصادات غالباً ما تضاعف من حدة الصدمات بدلاً من امتصاصها؛ إذ تتسم بالاندفاع في الإنفاق عند انتعاش الأسعار والانكماش الحاد عند تراجعها، مما يكبّد الاقتصاد الحقيقي أثماناً باهظة مقارنة بباقي الدول النامية.
ففي المتوسط، تسببت السياسات المالية التقليدية المساندة للتقلبات في تفاقم أثر الصدمات السعرية بنسبة تتجاوز الخمس في الدول النامية والناشئة المصدرة للسلع. وعلى النقيض من ذلك، نجحت الدول المتقدمة المصدرة للسلع في استخدام سياساتها المالية كحائط صد يمتص الصدمات ويخفف حدتها. كما تختلف طبيعة المخاطر باختلاف نوع المورد؛ ففي حين يعتمد مصدرو الطاقة بشكل كلي على العوائد النفطية، يقع مصدرو المنتجات الزراعية في فخ الإنفاق العشوائي الذي يراكم الديون ويزيد من عمق الصدمات (الشكل 3 أ)، وهو ما يُضعف حركة الاستثمار ويقلص الفرص المتاحة لخلق وظائف دائمية.
وأمام هذه الحقائق، ما المسار الذي ينبغي على صناع القرار سلوكه؟
تتمثل الأولوية الأولى في فك الارتباط بين الإنفاق الحكومي والتقلبات اليومية لأسعار السلع. وفي هذا الصدد، اتجهت أعداد متزايدة من الدول إلى إقرار "قواعد مالية" تضع أرقاماً سقفية للعجز والدين والإنفاق بهدف ضمان الاستدامة المالية. بيد أن القواعد المكتوبة على الورق تظل بلا أثر ما لم تقترن بمصداقية عالية، وآليات إلزام صريحة، ومرونة كافية، وأن تأتي ضمن أطر متوسطة المدى مدعومة بموازنات شفافة وأجهزة رقابية مستقلة. وقد أثبتت دراستنا أن هذه الأطر لا تؤتي أكلها إلا إذا استندت إلى مؤسسات قوية، وقدرات تنفيذية رفيعة، وإرادة سياسية راسخة.
فالدول المصدرة تصارع اتكاليتها على عوائد الموارد، في وقت أضحت فيه القواعد المالية خياراً لا غنى عنه للضبط والاستقرار.
وللسيطرة على هذه التقلبات، تبرز صناديق الثروة السيادية كأداة فعالّة لتجميع الموارد وتدخير الوفرة المالية أثناء الفترات الاستثنائية، واستغلالها لاحقاً لدعم النشاط الاقتصادي إبان الركود. غير أن نجاح هذه الصناديق مرهون بمدى اندماجها مع الموازنة العامة وحمايتها من الضغوط والتجاذبات السياسية. والدرس الجوهري هنا جلي واضح: قوة المؤسسات وسلامة بنيتها لا تقل أهمية عن جودة الأدوات المالية ذاتها.
أما الأولوية الثانية، فتكمن في تحويل العوائد المالية المؤقتة للموارد إلى قدرات إنتاجية دائمية. ويتحقق ذلك من خلال تنمية الإيرادات غير النفطية لتخفيف حساسية الموازنة لتقلبات الأسعار، وتوجيه الوفرة المالية نحو استثمارات نوعية في البنية التحتية، ورأس المال البشري، والتقنية، وتطوير المؤسسات. وإن لهذا التوجيه أثراً مباشراً على سوق العمل؛ إذ يظهر الواقع الاقتصادي أن الانتعاش الاستثماري يترجم دائماً إلى نمو ملموس في فرص التوظيف، بينما يوفر الاستقرار الاقتصادي المظلة الحامية للاستثمارات الإنتاجية.
إن طبيعة التحديات تختلف باختلاف نوع الموارد؛ فبينما يترقب مصدرو المعادن مكاسب وإيرادات واعدة مع اتساع نطاق التحول في مجال الطاقة، يتوجب عليهم الحذر من تحويل هذه الفورة إلى التزامات إنفاقية دائمية. وعلى الجانب الآخر، يواجه مصدرو النفط والغاز تحدياً عكسياً يستلزم تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتسريع خطط التنويع الاقتصادي. وفي الحالتين، يظل الهدف واحداً: تحويل دخل الموارد الفاني والمتقلب إلى اقتصاد متنوع وقدرات إنتاجية راسخة تضمن فرص عمل أوسع وأجود.
ورغم صعوبة المشهد، فإن تجارب بعض الدول تبعث على الأمل؛ إذ تُعد أداة "التوازن الهيكلي" في تشيلي نموذجاً يقتدى به في ربط المستهدفات المالية بالدورة الاقتصادية وبأسعار النحاس على المدى الطويل، حيث استطاعت البلاد سحب جزء من مدخراتها الضخمة التي جمعتها في العقد الأول لدعم اقتصادها أثناء الأزمة المالية العالمية ولاحقاً خلال الجائحة. وعلى المنوال نفسه، نجحت بوتسوانا في ادخار عوائد مواردها واستخدامها بذكاء لامتصاص أزمات الانكماش.
تثبت هذه التجارب أن التأثر المفرط بالدورات الاقتصادية ليس قضاءً محتوماً، وأن الثروة السلعية لا يلزم أن تتحول إلى لعنة. فمن خلال بناء مؤسسات راسخة، وتبني نهج ادخاري حكيم، وتنويع مصادر الدخل، والاستثمار المستدام في الإنسان والإنتاج، تستطيع الدول المصدرة تحويل تقلبات الأسعار إلى مرونة اقتصادية، والنعمة المؤقتة إلى تنمية مستدامة. تلك هي معادل الموازنة المالية: مهمة شاقة بلا شك، لكنها ممكنة والوصول إليها متاح.
