القائمة الرئيسية

انقضاء زمن الخيار الآمن في اختيار الموردين

انقضاء زمن الخيار الآمن في اختيار الموردين
ملخص المقال

لم يعد اختيار المورد الأكبر والأشهر في مجال الذكاء الاصطناعي يمثل «الخيار الآمن» كما كان الحال مع شركات مثل آي بي إم وساب وأوراكل، لأن سرعة تطور النماذج تجعل قيمة أي منصة أو جدواها الاقتصادية عرضة للتغير خلال فترة قصيرة، وقد يتحول المورد الرائد اليوم إلى خيار يقيّد المؤسسة غدًا. لذلك انتقلت مخاطر المشتريات من اختيار المورد الخطأ إلى الارتهان له، وأصبح القرار يمتد إلى بنية البيانات والسحابة والحوكمة وتصميم القوى العاملة وسير العمل، لا إلى شراء برنامج فحسب. ويرى المقال أن الأمان الحقيقي يكمن في الحفاظ على المرونة، من خلال واجهات مفتوحة، وهندسة قابلة للتغيير، وإمكانية نقل البيانات واستبدال النماذج والمكونات، إلى جانب عقود مرنة وحوكمة وجاهزية تنظيمية قوية. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في المورد نفسه؛ إذ قد تفشل أفضل الأدوات بسبب ضعف جاهزية المؤسسة أو سوء تصميم عملياتها. وبذلك لم يعد المشتري قادرًا على تفويض مسؤوليته إلى اسم تجاري كبير، بل أصبح عليه تقييم مدى قدرة قراره على إبقاء الخيارات مفتوحة والتكيف مع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي.

لقد كانت عبارة لن يُقال أحد من عمله لمجرد أنه اشترى من شركة أي بي إم حقيقة واقعة في مسار الأعمال؛ إذ كان اختيار الشركة الرائدة يقدم مسوغاً دفاعياً حتى وإن شابه سوء التنفيذ، لمجرد أن الجميع اتجهوا نحو الرهان ذاته.

وكان ذاك المنطق يستند إلى حركة الأسواق البطيئة بدرجة تسمح للحجم والإجماع العام بأن يؤديا دور الفحص النافي للجهالة. غير أن الذكاء الاصطناعي قد هدم هذا الافتراض من أساسه؛ إذ باتت القيمة المقترحة لمنصة ما، أو هياكل أسعارها، أو حتى بقاؤها على قيد الحياة كشركة، عرضة للتغير الشامل في غضون دورة ميزانية واحدة، مما يضع فرق المشتريات أمام قرارات ذات مصير حاسم دون وجود خيار آمن، مع تحمل المساءلة الكاملة متى ما حاد الرهان عن مساره.

ويبقى السؤال المطروح هو عما إذا كانت هناك نسخة جديدة تتشكل لهذه القاعدة التقديرية.

اندحار القاعدة التقديرية القديمة

على مدى عقود طويلة، كان الشراء من شركات كبرى مثل أي بي إم، أو ساب، أو أوراكل، أو ميكروسوفت يقلل من المخاطر التي تمس المسيرة المهنية للمسؤول؛ لأن الأسواق كانت تتطور ببطء يجعل الاصطفاف بجانب القائد أمراً يعز على التشكيك، وذلك بحسب ما يراه بيل هوبر، من شركة الاستشارات والأبحاث العالمية آي إس جي.

ويرى هوبر أن الذكاء الاصطناعي قد غير هذه المعادلة تماماً؛ إذ أضحت الخاطرة الأكبر تكمن في الارتهان لقائد سوق الأمس في وقت تتغير فيه الجدوى الاقتصادية القابعة تحت قواعده. ويضيف هوبر قائلاً إن القرار الأكثر أماناً لم يعد يكمن في اختيار المورد الأكبر حجماً، بل أصبحت قرارات المشتريات بمثابة أفعال لإعادة تصميم الهيكل المؤسسي بأكمله.

وهذا التغيير في الطرح يلقى صداه في أماكن أخرى أيضاً، وإن كان لا يأتي دوماً على هيئة رفض تام للأسماء الكبيرة. وفي هذا السياق يوضح إشان جين، وهو مدير منتجات أول في شركة تي موبايل وسبق له شغل مناصب في هندسة حلول سيلز فورس لدى شركات أمزون وبرايس ووتر هاوس كوبرز وأكسنتشر، أن شركات مثل سيلز فورس ما زالت تتمتع بوزن شبيه بوزن أي بي إم فيما يتعلق ببيانات العملاء، ونادراً ما يتطرق التشكيك إلى قرار اختيارها.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي وسير العمل القائم على الوكلاء الذكيين، فإن مورداً واحداً لم يعد بمقدوره تأدية هذا الدور بمفرده، بحسب ما يراه جين. فالرهان الأكثر أماناً بات يكمن في المنظومة المتكاملة، وفي مرونة المنصة التي تسمح باستبدال النموذج الأساسي دون الحاجة لإعادة بناء كل شيء حوله من جديد.

كيف تبدلت ملامح المشتريات؟

قبل خمس سنوات، كان تركيز المشتريات ينصب على الصفقة الفردية، ممثلاً في اختيار المورد، وتفاوض الشروط، وإدارة مخاطر التسليم، بحسب هوبر. أما اليوم، فإن اختيار منصة الذكاء الاصطناعي يمتد أثره ليمس الترخيص، والإنفاق الاستشاري، وتصميم القوى العاملة، واستهلاك السحاب، وهندسة البيانات، والحوكمة.

وأضحت المخاطرة تنحصر اليوم في التضييق الخاطئ على الخيارات الاستراتيجية المستقبلية للمؤسسة من خلال قرارات تصبح جزءاً أصيلاً من بنيتها التجارية والتقنية، وفق ما يعبر عنه هوبر.

ويتفق جين مع هذا الطرح، مشيراً إلى أنه قبل خمس سنوات كان شراء البرمجيات المؤسسية يعني الحصول على مجموعة ميزات المحددة وخارطة طريق تمتد لعامين أو ثلاثة أعوام.

أما الآن، فإن النماذج التأسيسية يتجاوز بعضها بعضاً في قفزات متتابعة كل بضعة أشهر. وتحولت المخاطرة من التساؤل عما إذا كان المنتج البرمجي سيتوسع، إلى التساؤل عما إذا كانت القيمة الأساسية للمورد ستصبح لاغية ومهمشة تماماً بمجرد إطلاق النموذج الكبير التالي، بحسب تعبير جين.

وعلى سبيل المثال، كانت أدوات الذكاء الاصطناعي المتخصصة التي تعمل كـ أغلفة تتسم بمظهر دفاعي قوي، إلى أن أطلق نموذج تأسيسي الوظائف ذاتها أصلة بعد بضعة أسابيع، مما جعل تلك الأداة زائدة عن الحاجة بين عشية وضحاها. ويؤكد جين أن الاعتماد المفرط على مورد واحد يمثل اليوم أكبر مؤشر خطر.

وقد أظهر استطلاع أُجري في عام 2026 أن 81 بالمائة من القادة المؤسسيين يعتريهم القلق بشأن الاعتماد على مورد واحد للذكاء الاصطناعي، غير أن 6 بالمائة فقط يعتقدون بأن بمقدورهم التحول عن مزود الذكاء الاصطناعي الرئيس دون حدوث اضطراب جوهري.

كما تشير أبحاث عام 2026 الصادرة عن سويفت دجيتال سلوشنز إلى أن نسبة الذين يحاولون تفادي الاعتماد على مزود واحد للذكاء الاصطناعي بلغت 67 بالمائة، بينما أفاد 45 بالمائة بأن الارتهان لمورد معين قد منعهم بالفعل من تبني أداة أفضل.

اللوم يقع على المؤسسة لا على المورد

ومع ذلك، قد لا يكون قرار اختيار المورد هو مكامن المشكلة الحقيقية.

وفي هذا الصدد، يوضح بوبيندرا شوبرا، الشريك المؤسس ورئيس الإيرادات في شركة كانيريكا لاستشارات الذكاء الاصطناعي، أن معظم أخطاء المشتريات التي شهدتها شركته لم تكن ناتجة عن اختيار المورد الخاطئ. فقد التزم أحد العملاء بمنصة بناءً على العرض التوضيحي الناجح، ليتفاجأ عند التشغيل الفعلي بأن حالة الاستخدام تتطلب جاهزية للبيانات كان المورد قد افترض وجودها مسبقاً.

ويضيف شوبرا أنه قبل خمس سنوات، كنت تشتري قدرة تقنية تظل مستقرة لمدة عامين أو ثلاثة أعوام، أما اليوم فأنت تشتري توجهاً مسارياً، وتراهن على فريق ومسار لم تُبْنَ معظم عمليات المشتريات لتقييمها في الأصل.

فالسوق يتسم بالفتوة والتقلب الشديد بدرجة لا تسمح لخيار آمن بالثبات قرب نموذج تأسيسي.

ومن جانبها، ترى جوردان هاثاواي، رئيسة الشؤون التجارية في شركة جينيرال أسامبلي لتدريب الذكاء الاصطناعي المؤسسي، أن الكثير من القادة يفتقرون إلى إطار عمل لتقييم موردي وأدوات الذكاء الاصطناعي. وهو ما يدفعهم بالضرورة نحو المورد صاحب العلامة الشهيرة تلقائياً، ليس لأنه الخيار التقني الأنسب، بل لأنه يبدو خياراً يمكن الدفاع عنه.

وتؤكد هاثاواي أن هذا الخيار يتجرد من المعنى بذاته؛ إذ إن النجاح في تبني الذكاء الاصطناعي لن يتوقف يوماً على تفضيل المورد الأول على المورد الثاني.

وحينما أوكلت المؤسسات مهمة رفع مهارات القوى العاملة إلى المورد، تعلم الموظفون التعامل مع المنصة لكنهم لم يتعلموا أبداً كيفية تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي بنظرة نقدية، بحسب تعبيرها.

وفي كثير من الأحيان، تكون مسارات العمل غير جاهزة إطلاقاً للذكاء الاصطناعي؛ وم متى ما أصلحت المؤسسة نموذج التشغيل والحوكمة ومسارات العمل، فإنها ستنجح باستخدام أي أداة ذكاء اصطناعي تستوفي المتطلبات الأمنية الأساسية.

وهكذا يصف هوبر وجين كيفية هيكلة العلاقة مع المورد لكي لا تقع المؤسسة في الفخ لاحقاً، بينما يرى شوبرا وهاثاواي أن قرار المورد لم يكن هو الجوهر إطلاقاً؛ لأن الإخفاقات ترجع جذورها إلى الجاهزية التنظيمية لا إلى عملية الاختيار ذاتها.

وكلا الطرفين قد يكون على حق؛ إذ إن المورد المرن الذي يقدم ارتهاناً منخفضاً قد يخفق مع مؤسسة غير جاهزة في نموذج تشغيلها، كما أن الجاهزية الداخلية القوية قد تقع أسيرة لعقد صلب غير مرن.

ماذا يعني مفهوم الخيار الآمن اليوم؟

إن الأمان يعني المضي قدماً بغض النظر عن المصدر الذي تنبع منه المخاطر.

فالمورد الآمن في مجال الذكاء الاصطناعي يترك للمؤسسة مساحة من الخيارات، ممثلة في الواجهات المفتوحة، والبيانات المنقولة، والهندسية الموديونية، والقدرة على استبدال المكونات مع تطور التكنولوجيا، بحسب هوبر. بينما يفضل جين إطاراً حادياً ومستقلاً لتوصيل نماذج مختلفة بدلاً من البيئة المغلقة.

ويقدم شوبرا رؤية تتعلق بالعقود، ملخصها وجود مسار تكامل مع ما تمتلكه المؤسسة بالفعل، وهيكل أسعار لا يتحرك مع توسع الاستخدام، ومخرج لا يتطلب إعادة بناء كل شيء. ويضيف قاعلاً إن هذه التوليفة يصعب العثور عليها بأكثر مما يبدو.

بينما تقدم هاثاواي رؤية تنظيمية تؤكد فيها أن الحوكمة والجاهزية هما المسألة الأساسية الأولى.

ولم تنجح سوى مؤسسات قليلة في سد الفجوة بين إدراك هذه المخاطر والتصميم المضاد لها؛ إذ يرى نحو 88 بالمائة من قادة تكنولوجيا المعلومات اليوم أنه لا ينبغي لمزود سحابي واحد التحكم في البنية الكاملة للذكاء الاصطناعي بالمؤسسة، بحسب أبحاث سويفت. كما أظهر استطلاع أُجري عام 2026 أن 37 بالمائة من رؤساء تقنية المعلومات في الشركات يشغلون بالفعل خمسة نماذج ذكاء اصطناعي أو أكثر في البيئة الإنتاجية، ارتفاعاً من 29 بالمائة قبل عام واحد.

فأين يضع كل ذلك المؤسسة اليوم؟

إن المقولة القديمة كانت تسمح للمشتري بتفويض التقدير والتمييز لاسم العلامة التجارية الشهيرة؛ أما المقولة الناشئة اليوم فتطلب من المشتري أن يدفع بنفسه عن مدى المرونة التي يحافظ عليها القرار، وعما إذا كانت المؤسسة جاهزة بالفعل لاستغلال هذه المرونة.

المصدر

مقالات ذات صلة