لماذا تظل الاستراتيجيات والمهارات والجهود العالية عاجزة عن تحقيق النتائج المرجوة؟
في بادي مسيرتي المهنية، عملت في الإدارة لدى إحدى شركات التوزيع. كانت الطلبيات تتحرك عبر حزام ناقل الآلاف تلو الآلاف. تطلب العمل وجود عدد محدد من الأفراد في نقاط محددة، وإذا نقص العدد ولو بعنصر واحد، كان النظام ينبهنا في التو واللحظة؛ إذ يتوقف الحزام الناقل، وتدوي صفارات الإنذار، وتتساقط البضائع على الأرض. كان المشهد أشبه بتلك الحلقة الكلاسيكية الشهيرة من مسلسل أنا أحب لوسي حين كانت تحشو فمها بالشوكولاتة لإبقاء الحزام متحركاً، وإن كان واقعنا أقل هزلية.
تمثلت جمالية ذلك المكان في عدم وجود مجال للجدل حول سير الأمور؛ فإما أن تكون على ما يرام أو لا تكون، وكانت إنذارات الخطر والعلب المهشمة وأحزمة النقل المتعطلة هي الحكم الفاصل.
أما في الكثير من بيئات العمل اليوم، فإن هذا الوضوح يغيب تماماً.
فعندما يبدأ الخلل بالتسلل إلى الأعمال الفكرية أو الخدمية، نجد أن الناس يعتادون امتصاصه والصمت عنه؛ فتجد أحدهم يتناول غداءه فوق مكتبه، وينبري مدير لاتخاذ قرار كان يفترض أن يُتخذ في مستوى إداري أدنى بمرتبتين، ويبني فريق عمل جدولاً بيانات خارج النظام الرسمي لأن النظام لا يلبي حاجتهم، ويتناقش قسمان حول تعارض الأولويات في شريط محادثات عبر منصة سلاك يوم الأحد، ويغطي موظف متميز ثغرة أحدثها غيره، بينما ينتظر المشتري ثلاثة أيام إضافية دون أن يسجل ذلك في أي مكان.
يمضي العمل وتُقضى الحاجات، دون أن تدوي أي صفارة إنذار.
نحن نبذل كل ما في وسعنا بذله
صرت أسمع الصيغة ذاتها من كبار القادة بدرجة كافية تجعلني أتوقف عن عدها مجرد شكوى فردية. يقولون إن الاستراتيجية سديدة، وأننا استقطبنا كفاءات عالية، واستثمرنا بحق في تطوير القيادات والتكنولوجيا والأدوات، والناس يعملون بجهد أكبر مما كانوا عليه قبل ثلاث سنوات، ومع ذلك فالمشكلة قائمة.
نحن نبذل كل ما نعرف وجوب بذله، لكن نتائجنا تبدو غير كافية، أو أن موظفينا ينهارون تماماً تحت الضغط، أو يقع الأمران معاً.
لا يتساءل القادة عما إذا كان أفرادهم يعانون، بل هم يدركون ذلك يقيناً؛ غير أن كل تفسير يُقدم لهم يوجه أصابع الاتهام إلى الموظفين أنفسهم. فمنهك العمل يحتاج برأيهم إلى تدريب على المرونة النفسية، والنزاعات تتطلب مهارات تواصل، والبطء في الإنجاز يحتاج إلى مسألة ومحاسبة، وإجهاد التغيير يستدعي إدارة التغيير. ورغم أن هذه التدخلات قيمة في ذاتها، إلا أنها تظل غير كافية، لأنها تفترض أن الاصلاحات تقع برمتها على عاتق القوى العاملة.
الضريبة
يمتلك القادة الاستراتيجية، وهم من يضع الرؤية والغايات والأهداف والأولويات. وما إن تتضح تلك الأبعاد وتتحدد بدقة، ينبغي أن يتملك فريقهم القدرة على التنفيذ. ولا شك أن هناك قدر من التعقيد يتطلب المواجهة، كـأهداف صعبة المنال، ومفاوضات بين الأقران على الموارد، وتعاون بين الفرق، وقرارات حاسمة تتطلب البت. غير أن هذا هو أصل العمل الذي أُستؤجر هؤلاء الموظفون الأذكياء والأكفاء للقيام به.
وفي بعض الأحيان، يكون هذا العمل قابلاً للإنجاز بالفعل.
لكنه ينجز في أحيان أخرى بكلفة لا يحسب حسابها أحد، كـالسهر حتى الصباح، والبطولات الفردية التي يُشاد بها في الاجتماعات العامة، والمعارك الداخلية بين الفرق على موارد يحتاجها الجميع بحق، والتغاضي عن الجودة أو السلامة للوفاء بالموعد المحدد، والأسابيع التي تُقضى في انتظار قرار يطاله التأجيل مستمراً.
وفي أحيان أخرى، لا يكون العمل قابلاً للإنجاز على الإطلاق، كأن تُلقى أولويتان على الكاهل ذاته في الوقت نفسه، أو توضع أهداف لا صمود لها أمام لغة الأرقام متى ما حُسبت الأيدي والأدوات المتاحة فعلياً، أو يُصدر تكليف بالابتكار باستخدام الذكاء الاصطناعي مع فرض معايير لا تسمح بأي نسبة من الخطأ.
وحيثما يحل الفريق ضمن هذا الطيف، فإن الظروف المسببة للاجهاد تبدو صغيرة، ودقيقة، وغير جذاية، ولا ترتقي إلى مستوى يستدعي انتباه القائد. ولذا فعندما يثير أحدهم مسألة ما، تجري إزاحتها جانباً بجملة من قبيل هل تريد مني أن أقوم بعملِك بدلاً منك؟ وفي نهاية المطاف، يتوقف الناس عن إثارة هذه المسائل كلياً.
إن التكلفة باهظة للغاية، ولا يظهر معظمها في الأماكن التي يبحث فيها المرء؛ فتستنزف الطاقة والإرادة في التعامل مع إجراءات معطوبة، وتضيع الساعات في إعادة مناقشة قرارات لم تُتخذ ببت حاسم قط، ويسري الإنهاك مع الموظفين إلى بيوتهم، وتتحمل المخاطر لمجرد حماية تاريخ التسليم. فضلاً عن كل أشكال الإبداع والابتكار التي لا نراها أبداً لأنها صُرفت في سداد هذه الضريبة.
مهمة لا يتبناها أحد
لا يستمر أي من هذا بسبب الكسل أو سوء النية، بل يستمر لأن الالتفات إلى هذه الظروف لم يُصنف يوماً بوصفه عملاً قائم الذات.
فالاستراتيجية والتنفيذ كلاهما يمتلكان من يرعاهما، أما الظروف الواقعة بينهما فلا مالك لها، ولذا فهي تقع على عاتق أول من يصطدم بها، وغالباً ما يكون شخصاً لا يمتلك النفوذ الكافي لإحداث إصلاح دائم.
إن للأمور أصواتاً مختلفة باختلاف الارتفاعات؛ فالأولويات التي تُحدد في أروقة مجالس الإدارة تبدو واضحة ومعقولة، ولا تظهر المشكلة إلا عند الدخول في مرحلة التطبيق، حيث تلتقي بـ 17 أولوية أخرى، وطلبات غير مخططة من أصحاب مصلحة آخرين، وتجميد للتوظيف، ونظام لا يلبي تطلعات أحد، وفريقين زميلين قيل لفلان منهما كلام يختلف قليلاً عما قيل للآخر. لا يوجد أحد في الطوابق العليا يستوعب كل ذلك دفعة واحدة، ولذا فمن هناك، لا يبدو أي شيء معطوباً.
وعندما تُثار المسألة، فإن الرد الذي أسمعه في أغلب الأحيان يكون بصيغة أعلم أن الناس يعانون من الضغط، وأعلم أن الحمل ثقيل، ولكن هذا هو الواقع، ولا يمكننا خفض التوقعات أو إبطاء العجلة.
أنا لا أطلب من أحد خفض التوقعات أو إبطاء العجلة، بل أطلب منهم النظر في الظروف التي يعمل فيها أفرادهم وإزالة أكبر قدر ممكن من الاحتكاك، حتى تتمكن فرقهم من الركض بأقصى سرعة نحو الهدف المحدد.
تفقد طبيعة العمل
لا يمكن لمدير مصنع أن ينظر إلى حزام ناقل متعطل ثم يبدأ بالتساءل عما إذا كان العامل يفتقر إلى المرونة النفسية، بل إنه سيتفقد الآلة أولاً. لكن العمل الحديث عكس هذا الترتيب في مساره؛ فعندما تتراجع النتائج، نلتفت إلى الأفراد أولاً، وفي كثير من الأحيان لا ننظر إلى أي موضع آخر.
إن تفقد العمل يعني طرح أربعة أسئلة، وإعادة طرحها كلما تغيرت الظروف.
كيف ننتصر هل الأهداف والغايات والمحفزات متوافقة مع بعضها البعض؟ يتلقى قسم المبيعات مكافآته بناءً على الحجم بينما يُقاس قسم العمليات بناءً على الربح. ويبني التسويق وإدارة المنتجات خططهما بناءً على أرقام إيرادات مختلفة. وتُحدد غاية لا تصمد أمام أرقام الحساب متى ما جُمعت الأيدي المتاحة لإنجازها.
كيف نخطط هل الجداول الزمنية والمهارات والاعتمادات المتبادلة مستندة إلى واقع حقيقي؟ يُعمد عدد الموظفين دون إحداث أي تعديل على المخرجات المطلوبة. وتحدث إعادة هيكلة مع بقاء تواريخ التسليم كما هي تماماً. وتحتاج أربعة مشاريع إلى خبير متخصص واحد، دون أن تراعي أي خطة من الخطط الأربع الخطط الثلاث الأخرى.
لا يمكن لمدير مصنع أن ينظر إلى حزام ناقل متعطل ثم يبدأ بالتساءل عما إذا كان العامل يفتقر إلى المرونة النفسية، بل إنه سيتفقد الآلة أولاً.
كيف نتحرك هل حقوق اتخاذ القرار والإجراءات والتسليمات واضحة؟ ينتج عن أسبوع من المراجعات المتتالية عدم اتخاذ أي قرار. اجتماعات لا حصر لها وساعات من التحضير من قبل الكثيرين، دون الخروج بـتأثير يذكر أو توجه واضح. يُتحدث عن التمكين بينما تسافر كل قرارات لها وزن إلى القمة.
كيف نتعلم هل نستوعب ما تعلمنا إياه التجارب؟ تعود نقطة الاحتكاك ذاتها في كل ربع سنة لأنه لم يرجع أحد لفحصها. وتستمر ملاحظات العملاء بالورود دون أن يتغير شيء. وتمر مخاطر الجدول الزمني دون تنبيه لأن التنبيه يبدو وكأنه تطوع لتحمل اللوم.
ويحيط بهذه الجوانب الأربعة كيفية تفسيرنا للأمور، وهو التواصل وصناعة المعنى الذي يحافظ على صدق الاستراتيجية أمام ما هو متحقق فعلياً على أرض الواقع، حيث يسري هذا البعد عبر الجوانب الأربعة باستمرار بدلاً من أن يعقبها.
إن الظروف تستمر في التحول، ولذا فإن الأسئلة تظل تعود مجدداً. فكل مشروع جديد، أو أداة جديدة، أو عملية استحواذ، أو تحول استراتيجي، يعيد تحريك الاعتمادات المتبادلة وحقوق اتخاذ القرار والتنازلات. وما نزال في غالب الأحيان نشخص الأداء وكأن العمل ثابت لا يتحرك بينما الأفراد وحدهم هم المتغيرون.
طور الأفراد، وصمم العمل، وجمع بين الأمرين
ليس في هذا الطرح ما يناوئ بناء القدرات؛ فعلم الموظفين التعاون، وابنِ فيهم المرونة النفسية، والزمهم بمعايير عالية.
وفي أثنـاء قيامك بذلك، تساءل عن القدر الذي تسميه تعاوناً وهو في حقيقته مجرد تكيف مع نظام معطوب. وتساءل عن الأمر ذاته فيما يخص المرونة النفسية، والقدرة على التأثير دون سلطة تنظيمية. إن هذه المهارات حقيقية وتستحق الاقتناء، لكنها تُعد في أوقات كثيرة مجرد تعويض عن ظروف كان بالإمكان تصميمها بأسلوب مختلف.
نحن نمتلك منهجاً لتصميم المؤسسات، لكننا لا نمتلك منهجاً لتصميم العمل الذي يجري في داخلها.
غياب الحل السحري هو الخبر السار
من الطبيعي أن يرغب القادة الذين يواجهون أمراً بهذا الاتساع والشتات في الحصول على حل سحري واحد كـحبة دواء شفائية.
لكن ما ينفع في واقع الأمر يشبه الكبسولة الدوائية التي تحتوي مئات الحبيبات الصغيرة؛ عشر دقائق تُقضى في تحديد أصل الأولوية لهذا الشهر، وإغلاق باب واحد أمام الطلبات الواردة، وتحويل اجتماع مراجعة واحد إلى جلسة اتخاذ قرار، وتسمية اعتماد متبادل واحد بصوت عالٍ قبل أن تكتشفه الفرقتان بالطريقة الصعبة. لا يحتاج أي من هذا إلى ميزانية، أو إعادة هيكلة، أو برنامج ذي اسم براق.
كان للحزام الناقل ميزة واحدة لم نعد بناءها لهذا النوع من الأعمال؛ فعندما كان يفقد شرطاً من شروط عمله، كان يعلن ذلك فوراً.
لن تدوي أي صفارة إنذار في بيئة عملك اليوم، فتفقد العمل على أي حال.
