القائمة الرئيسية

كثرة القوانين السخيفة وقلة السلطة: كيف تصنع المؤسسات بيروقراطيتها بيدها؟

كثرة القوانين السخيفة وقلة السلطة: كيف تصنع المؤسسات بيروقراطيتها بيدها؟
ملخص المقال

يرى المقال أن تضخم القواعد واللوائح داخل المؤسسات لا يعود فقط إلى الحاجة إلى التنظيم، بل إلى تراجع ممارسة السلطة والمسؤولية المباشرة؛ فكلما تخلت المؤسسات عن منح الأفراد والمديرين مساحة للتقدير واتخاذ القرار، عوّضت ذلك بقواعد أكثر تفصيلًا وتعقيدًا، ما يولّد بيروقراطية وحشوًا إداريًا يبطئ العمل ويرفع تكلفته دون أن يضمن المساءلة. ويبرز مثال ماري بارا في «ارتدِ الملابس المناسبة» كيف يمكن لقاعدة بسيطة أن تحل محل صفحات من اللوائح، بشرط أن يمتلك المديرون الشجاعة والصلاحية للتدخل عند سوء التقدير. ويخلص المقال إلى أن تفكيك الهياكل الهرمية بهدف زيادة الكفاءة والمساءلة أدى على نحو متناقض إلى «دولة تنظيمية» تتكاثر فيها القواعد كلما وقع خطأ، بينما قد يكون الحل في إعادة بناء سلطة واضحة ومحددة مع رقابة مناسبة، بحيث يعرف الجميع من يملك القرار ومن يتحمل المسؤولية.

ارتدِ ملابس مناسبة

بعيد تعيينها نائبة لرئيس شركة جينيرال موتورز للموارد البشرية العالمية في عام 2009، استخدمت ماري بارا هاتين الكلمتين لتحلا محل لائحة تنظيمية معقدة لزي الموظفين، كانت قد تضخمت عبر السنين لتصل إلى عشر صفحات.

قد يظن المرء أن هذه الخطوة التي أقدمت عليها بارا، والتي تتولى اليوم قيادة الشركة بأكملها، كانت مجرد مؤشر على العودة إلى الفطرة السليمة والمنطق البسيط، بما يعنيه ذلك من تقليل القواعد وإتاحة هامش أوسع من الحرية.

غير أنه من الناحية العملية، فإن القواعد القائمة على عبارة ارتدِ الملابس المناسبة تتطلب في واقع الأمر مقوماً آخر حاسماً، ألا وهو تمتع المدير بالسلطة.

فحين يكتسب الموظفون حرية أكبر في التقدير والتصرف، سيتعرض بعضهم حتماً للوقوع في الخطأ. وعندما يحدث ذلك، يتعين على المدراء التدخل بصرامة وتبيان الخطأ، وهي مسؤولية يظهر أن بعض كبار المدراء في شركة جينيرال موتورز كانوا مترددين في ممارستها.

وهذا الواقع يكشف عن بعدين أكثر عمقاً في الفكر الإداري.

فإذا تنازلنا عن السلطة لصالح الأفراد داخل التسلسل الهرمي، أو منحناهم القوة الكافية لتقدير ما هو مناسب، فسيكون بمقدورنا اختصار كتاب القواعد واللوائح بدرجة كبيرة. أما إذا كان مجرد التفكير في ممارسة هذا التقدير يبعث على عدم الراحة، فهذا يدل على مدى غربتنا عن ممارسة السلطة واعتيادنا على غيابها.

إن المجتمع المعاصر، ولا سيما في أرجاء العالم الأنجلو أمريكي، يتفنن في إنتاج القواعد واللوائح بغزارة؛ إذ يُنظر في هذا العصر إلى الرؤساء وممارسة السلطة الرئاسية بوصفهما أمراً يبعث على شيء من الحرج.

كيف أدت القواعد السخيفة إلى تراكم الحشو الإداري المعرقل؟

في كتابي الجديد المعنون بـ القواعد السخيفة: تقليل البيروقراطية وجعل المؤسسات أكثر فاعلية وخضوعاً للمساءلة، أوضح كيف أن الهروب من ممارسة السلطة في العقود الأخيرة قد جرد المؤسسات من قدرتها القيادية. وتتمثل هذه القدرة في استطاعة الفرد إبلاغ الآخرين بما يجب فعله دون الحاجة للرجوع المستمر إلى إرشادات رسمية، أو معايير مدونة، أو قواعد قانونية.

ولست الملاحظ الوحيد الذي وضع اليد على المشكلات الناجمة عن هذا المنهج المكتظ بالقواعد الذي نشهده اليوم.

ففي كتابهما الصادر في عام 2025 تحت عنوان الوفرة، يصف الصحفيان ومقدمو البث الصوتي الأمريكيان إزرا كلاين وديريك طومسون كيف يمكن لقواعد استخدام الأراضي أن تعوق بناء المنازل، وأن تغرق مشروعات البنية التحتية في دوامات من التأخير، وارتفاع التكاليف، والنزاعات القضائية.

وعلى نطاق أوسع، يصارع الناس البيروقراطية والحشو الإداري المبطئ للأعمال، وهو المصطلح الذي يستخدمه اقتصاديو السلوك للإشارة إلى المعاملات الورقية المعرقلة والأعباء الإدارية المجهدة.

ورغم هذا التدفق الهائل في القواعد، لم يجرِ كبح جماح أصحاب النفوذ بفاعلية؛ فقد ازدهرت أعمال ضغط الشركات وتراجعت المنافسة في الأسواق، بعد أن تعلم الفاعلون ذوو الموارد الضخمة كيفية تطويع القواعد المعقدة لصالحهم.

كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟

كان الهدف من تفكيك الهياكل السلطوية هو جعل المؤسسات أكثر كفاءة وخضوعاً للمساءلة. ومع مرور الوقت، جرى استبدال الهياكل الهرمية بالأسواق والأنظمة الشبيهة بالأسواق التي صُممت لتحفيز تقديم الخدمات، مثل الرعاية الصحية، والكهرباء، وحماية البيئة.

ومن المفارقات الغريبة أن المحاولة التي بذلت لتقليل الهيكلية الهرمية أدت إلى إنتاج المزيد من البيروقراطية. وهذا التحول الذي يُوصف أحياناً بـ النيوليبرالي، دشن ما يسميه الباحثون بـ دولة التنظيم.

أصبحت الأسواق الخاصة التي تقدم خدمات أساسية مثل الكهرباء،علاج مياه الصرف الصحي، ومياه الشرب، تعمل تحت مظلة قواعد معقدة ومؤشرات أداء تستهدف توجيه سلوكها.

ومع ذلك، فقد فشلت هذه الأنظمة في كثير من الأحيان فشلاً ذريعاً. وكل فشل يقع، سواء كان تسرباً لمياه الصرف الصحي، أو عيوباً في بناء المباني، أو فضائح في الرعاية الصحية، أو غير ذلك من الكوارث، ينجم عنه عادة إطلاق جولة جديدة من التنظيمات، ممثلة في المزيد من القواعد، والمعايير الأكثر تفصيلاً، ومؤشرات الأداء الأكثر تعقيداً.

هل يكمن الترياق الشافي في منح المزيد من السلطة؟

في حالات عديدة، لا تشكل اللوائح الأكثر تفصيلاً الحل المنشود؛ إذ إن المؤسسات غالباً ما تعمل بشكل أفضل إذا أفسحت مجالاً أكبر لمنطق التسلسل الهرمي والسلطة المباشرة.

فقبل زهاء قرن من الزمان، أوضح الاقتصادى البريطاني الأمريكي الرائد رونالد كوس السبب في ذلك، مشيراً إلى أن الشركات تتأسس لأن تنظيم العمل من خلال السلطة يكون في أحيان كثيرة أكثر كفاءة من تنظيمه عبر العقود والقواعد.

وينطبق هذا المبدأ ذاته اليوم؛ إذ إن منح صناع القرار حرية أكبر في التقدير والتصرف يمكن أن يقطع المستنقع التنظيمي الذي قد يجهض القرارات المتخذة بأساليب ديمقراطية.

وفي مثال أمريكي آخر ورد في كتابي، أصف كيف أُجبرت حكومة إحدى المدن في ولاية أوريجون على إيقاف أعمال البناء لمدة سبعة أشهر في محطة لمعالجة المياه، حتى بعد سنوات من التخطيط والحصول على الموافقة. كانت المدينة تفتقر إلى السلطة الكافية للمضي قدماً في مواجهة الاعتراضات القانونية، مما أدى إلى جلسة استماع قضائية أخرى وزيادة في التكاليف.

وظهَرت مشكلات مماثلة في نيو زيلاندا؛ إذ وصف مسؤول بيئي في مدينة كرايستشيرش كيف واجه مشروع شعبي لإعادة الحياة البرية إلى المنطقة الحمراء المتأثرة بالزلزال بالمدينة صعوبات جمة.

وأوضح أن مثل هذه الحالات ليست نادرة، حيث تؤدي آليات التخطيط التي تُوضع أساساً لحماية البيئة في بعض الأحيان إلى تقليل الفوائد البيئية التي أُنشئت من أجل تحقيقها.

وهذه القواعد السخيفة لا تقتصر على كونها ظاهرة بيروقراطية حكومية فحسب.

فالكثير من القواعد التي تعمل الشركات وفقاً لها تُصاغ بواسطة هيئات خاصة تضع المعايير، ومتطلبات الاعتماد، وعمليات التدقيق.

وعلى سبيل المثال، فإن قواعد الاستدامة لدى عملاق التكنولوجيا أبل تضع مدونة سلوك تفصيلية لمورديها. غير أن هروب أبل نفسها من ممارسة السلطة يجعل هذه القواعد مرهقة وضعيفة.

ولأن أبل لا تتحكم بشكل مباشر في عملية تصنيع منتجاتها، فإن قواعد الاستدامة الخاصة بها تتطلب فرضها على الموردين الخارجيين الذين يقعون خارج حدود أبل الهيكلية. وعلى مدى الأعوام العشرين الماضية، أدت الفضائح المتكررة إلى جعل أبل تزيد من صرامة هذه القواعد، مع نقل تكلفة الالتزام بها إلى كاهل الموردين.

ورغم تحسن بعض الأمور، إلا أن هذه القواعد تتصادم مع الهيكل الأساسي لسلسلة التوريد التي أنشأتها أبل بهدف ضغط التكاليف؛ إذ استبدلت أبل السيطرة المباشرة والمسؤولية القائمة على الهيكلية الهرمية بأسلوب التبادل السوقي والمعايير التعاقدية.

ولا شك أن السلطة تحتاج إلى رقابة وكبح؛ لكن القواعد السخيفة يمكن أن تحول المؤسسات إلى بالوعات للمساءلة لا يكون فيها أي شخص مسؤولاً بحق.

إن تمكين صناع القرار، تماماً كما هو الحال في قاعدة ارتدِ الملابس المناسبة البسيطة، يساعد في إعادة بناء خطوط واضحة للمسؤولية والمحاسبة.

المصدر

مقالات ذات صلة