القائمة الرئيسية

القيادة الحكيمة تحقق أكلها: كيف نطبقها في بيئة العمل؟

القيادة الحكيمة تحقق أكلها: كيف نطبقها في بيئة العمل؟
ملخص المقال

تتطلب بيئة الأعمال المضطربة والمتغيرة قيادة أكثر تكيفاً وحكمة، وتقوم القيادة الحكيمة على أربعة أبعاد مترابطة: الفطنة الفكرية لفهم المواقف المعقدة وتقدير عواقب القرارات، وتحفيز العمل لإلهام الآخرين وتوحيدهم حول أهداف ذات معنى، والسلوك الأخلاقي لموازنة المصالح والالتزام بالمبادئ، وترسيخ التواضع من خلال الانفتاح على التعلم والاعتراف بالأخطاء والاستفادة من آراء الآخرين. وتظهر تجارب قادة مثل تاداتاكا يامادا في غلاكسو سميث كلاين، وماريو روفيروزا في فيرير، وآن مولكاهي في زيروكس، أن الجمع بين هذه الصفات يمكن أن يحول الأزمات إلى فرص، ويعزز أداء المؤسسات وسمعتها واستدامتها. وبناءً على ذلك، يمكن استخدام مقياس القيادة الحكيمة لتقييم القادة واختيارهم وتطويرهم، بما يساعد المؤسسات على بناء قيادة تجمع بين حسن الحكم، والقدرة على التنفيذ، والأخلاق، والتواضع لتحقيق نتائج أفضل للأفراد والمؤسسات والمجتمع.

في ظل سياق عالمي يتسم بالتخبط والاضطراب، والتطورات التكنولوجية المتسارعة، والأزمات الصحية، وتقلبات الأسواق، والتغيرات الديموغرافية، إلى جانب حالة الطيش التنظيمي، أصبحت الحاجة إلى أشكال أكثر تكيفاً وتفكيراً من القيادة ضرورة ملحة. وفي هذا السياق، يمكن أن توفر الحكمة فهماً عميقاً وفعالاً لمفهوم القيادة الصالحة والرشيدة، مما يساعد على تجاوز هذه الاضطرابات واستغلال الفرص المقترنة بها. وعلى هذا النحو، تشكل الحكمة حجر الزاوية للقيادة الفعالة، وتعد المحرك الرئيس للتميز المؤسسي.

كيف يكتسب القادة الحكمة؟

لوضع الحكمة موضع التنفيذ في مجال القيادة، قمنا في أحد أبحاثنا بتطوير مقياس علمي دقيق يُعرف بـ مقياس القيادة الحكيمة، وهو مصمم لتقييم مدى إظهار القادة والمدراء للحكمة داخل المؤسسات، وقد جمعنا البيانات الخاصة به في فرنسا والمغرب. وفي مخرج بحثي حديث، قمنا بالتحقق من صحة هذا المقياس الجديد للقيادة الحكيمة باستخدام بيانات أُخذت من كندا والصين والمغرب. فكيف نعرف القيادة الحكيمة؟

إن القيادة الحكيمة موجهة نحو تمكين الآخرين للمساهمة بشكل فعال ومجدٍ في ازدهار الأفراد والمؤسسات والمجتمع الأوسع.

وقد وضعنا مفهوماً للقادة الحكماء باعتبارهم أفراداً يمارسون سلوكيات إيجابية بحسب المعايير المعمول بها من خلال أربع آليات رئيسة:

الفطنة الفكرية

يتضمن هذا الجانب القدرة على الإدراك والاستيعاب واتخاذ قرارات سديدة في المواقف المتوقعة وغير المتوقعة على حد سواء. ويقتضي ذلك الالتفات السريع للإشارات الخفية والديناميكيات الدفينة، والتنبؤ بالصعوبات المحتملة، وتوليد رؤى قابلة للتطبيق حتى في السياقات الغامضة والمحفوفة بعدم اليقين.

يفهم القادة الحكماء ما يجب القيام به، وهم على دراية تامة وتبصر بعواقب قراراتهم وأفعالهم. ولتثبيت الحقائق وتقديم تفسيرات استنتاجية دون تسرع في الحكم، يعتمد القادة على الملاحظة العقلانية والمتبصرة. كما يمتلك القادة الحكماء القدرات الفكرية اللازمة لتحقيق المستقبل الذي يصبون إليه من خلال اختيار مسار العمل المناسب في اللحظة المناسبة، مع الأخذ في الاعتبار الظروف السائدة بعناية.

ولعل غياب الفطنة الفكرية إلى جانب الحكم السديد والتنفيذ المتبصر بين كبار التنفيذيين والمهندسين هو ما أدى إلى فضيحة ديزل جيت الشهيرة في شركة فولكس فاجن عام 2015.

تمثلت تلك الفضيحة في تثبيت برامج غير مصرح بها للالتفاف على لوائح انبعاثات أكسيد النيتروجين. وكان الأفراد المعنيون قادة على قدر عالٍ من الذكاء ويتمتعون بمهارات هندسية ومالية استثنائية، ومع ذلك فقد أظهروا سوء تقدير وسلوكاً يفتقر إلى الحكمة، لأنهم لم يقيموا العواقب المحتملة بشكل كافٍ ولم يتوقعوا الآثار الضارة على الشركة وعلى أنفسهم جراء التلاعب باختبارات الانبعاثات. وأسفرت تلك الفضيحة عن خسارة هائلة تجاوزت 33 مليار يورو في صورة غرامات وتصويات قضائية لحقت بالشركة.

تحفيز العمل وتفعيل الهمم

يشير هذا المفهوم إلى القدرة على إلهام الآخرين وحشدهم حول رؤية مقنعة ومحفزة. ويسهم القادة الحكماء في جعل المرؤوسين يرون المستقبل الإيجابي كهدف ذي معنى وقابل للتحقيق.

ويتضمن تحفيز العمل توجيه التابعين نحو سلوكيات تحقق نتائج مرجوة يعترف التابعون أنفسهم بحكمتها ويقدرونها. وتحقيقاً لهذه الغاية، يظهر القادة الحكماء سمات وسلوكيات محددة تمكنهم من التوفيق بين الأهداف الفردية والمؤسسية. فضلاً عن ذلك، يعمل القادة الحكماء بفاعلية على تطوير إمكانات مرؤوسيهم، والارتقاء بهم إلى مستويات جديدة من الأداء والنمو. وأضف إلى ذلك أن القادة الحكماء قادرون على الجمع بين أفراد يمتلكون مصالح متباينة، بل وحتى اللجوء إلى استخدام السلطة إذا لزم الأمر. وأخيراً، من خلال غرس الشعور بالغاية، وتنمية الثقة، وبناء روابط إنسانية قوية، وإيجاد فرص لأعضاء المؤسسة للعمل التشاركي، يجذب القادة الحكماء المرؤوسين لتحقيق نتائج عمل إيجابية.

عندما تولى تاداتاكا يامادا رئاسة قسم البحث والتطوير في شركة جلاكسو سميث كلاين في ديسمبر من عام 2000، كانت شركته واحدة من 39 شركة أدوية ترفع دعوى قضائية ضد حكومة جنوب إفريقيا بتهمة انتهاك حماية الأسعار وتعدي حقوق البراءة لأدوية مرض الإيدز المتعلقة بفرص الحصول على العلاجات الدوائية للمرضى المحتاجين.

ونظراً لموقف المرضى الضعيف وعدم قدرتهم على تغيير مسار الإجراءات القانونية، اختار يامادا أن يكون جزءاً من الحل للمشكلات الصحية العالمية، بدلاً من أن يكون طرفاً في دعوى قضائية تمنع وصول مثل هذه العلاجات إلى من هم في أشد الحاجة إليها.

وفي اجتماعات فردية مع كل عضو من أعضاء مجلس إدارة شركة جلاكسو سميث كلاين، شدد يامادا على الالتزام الأخلاقي للشركة بتخفيف المعاناة الإنسانية، وربط ذلك بالأداء طويل الأجل للشركة. وسحبت جميع الشركات الـ 39 دعواها القضائية ضد جنوب إفريقيا في أبريل من عام 2001. وقد أثر هذا القرار بشكل إيجابي كبير على استراتيجية أعمال الشركة في الدول النامية، وعلاقاتها مع أصحاب المصلحة، وسمعتها المؤسسية.

السلوك الأخلاقي

يرمز هذا المعنى إلى المدى الذي توجه به الأخلاق والقيم والمبادئ التفاعلات اليومية للقادة الحكماء مع أصحاب المصلحة بأسلوب متسق وصادق وأخلاقي. يتجنب القادة الحكماء الإفراط والجشع، ويلتزمون بمعايير أخلاقية عالية، ويضعون النتاجات الفاضلة في مقدمة أولوياتهم. وفي الممارسة العملية، يوازن القادة الحكماء بين مصالحهم الخاصة ومصالح الآخرين، ويقيمون الآثار الأخلاقية لقراراتهم وأفعالهم بعناية، ويلتزمون بمبادئهم الأخلاقية بثبات. ولتحقيق ذلك، يعتمد القادة الحكماء على بوصلة أخلاقية قوية توفر توجيهات سلوكية واضحة، وتضمن الاتساق بين الأقوال والأفعال، وتعزز التزامهم الأخلاقي. ونتيجة لذلك، يصنعون من أنفسهم قدوة لمرؤوسيهم، وتعمل مؤسساتهم بانسجام وتناغم، مستندة إلى غاية نبيلة تهدف إلى تقديم النفع لأكبر عدد من الناس.

على سبيل المثال، يؤكد ماريو روفيروزا، المدير التنفيذي لشركة فيرير، وهي أول شركة أدوية إسبانية تحصل على شهادة البي كورب، أن شعار العلامة التجارية فيرير من أجل الخير يختصر كل شيء، إذ إن غاية الشركة تمكم في صنع الخير في المجتمع وعلى الكوكب، ويؤكد أن شركة فيرير تسخر نشاطها الدوائي للحصول على الموارد اللازمة لفعل الخير.

قاد روفيروزا شركة فيرير لتصبح أول مختبر أدوية إسباني يحصل على شهادة البي كورب التي تمنحها منظمة بي لاب للشركات التي تستوفي معايير عالية من الأداء الاجتماعي البيئي والمساءلة والشفافية.

تأخذ شركة فيرير في الحسبان الآثار التي تتركها القرارات المؤسسية على موظفيها وعملائها ومزوديها والمجتمع والبيئة الطبيعية. وفي الآونة الأخيرة، خصصت الشركة أكثر من نصف أرباحها للمبادرات الاجتماعية والبيئية.

ترسيخ التواضع

يتضمن ترسيخ التواضع تقديرات متوازنة للذات تقع بين رذيلتي النقص والإفراط. يثمن القادة الحكماء خبراتهم ومعارفهم بتقدير عميق، ومع ذلك يخضعونها باستمرار للنقد والتمحيص. وهم ملتزمون بالتعلم مدى الحياة لاقتناعهم الراسخ بأن الحكمة الحقيقية تنبع أيضاً من آفاق المعرفة الواسعة التي لم تكتشف بعد. ويظل القادة الحكماء منفتحين على التعلم من جميع المصادر، بما في ذلك المرؤوسون، ويقرون بطلاقة بأنهم لا يعلمون كل شيء.

علاوة على ذلك، يتجلى تواضع القادة الحكماء في استعدادهم للاعتراف بالأخطاء علناً واستخلاص الدروس الثمينة منها. وأخيراً، يتبنى القادة الحكماء وجهات نظر الآخرين برحابة صدر بدلاً من الاعتماد حصرياً على المواقف المتمركزة حول الذات. وبقيامهم بذلك، يحمون أنفسهم بحق من الغرور الفكري والجهل.

عندما تولت آن مولكاهي زمام الأمور في شركة زيروكس عام 2001، وُجهت إليها نصائح بإعلان إفلاس الشركة، حيث كانت زيروكس تخسر 300 مليون دولار سنوياً. ومع ذلك، اختارت ألا تسلك الطريق السهل. وعندما واجهت عقبات كأداء، فضلت مولكاهي الحوار على أسلوب الخطابات، وحثت الموظفين على مشاركة وجهات النظر النقدية وحتى الآراء المخالفة، ونجحت بذلك في احتواء مختلف التوقعات ووجهات النظر.

قامت مولكاهي بما لم يكن ليفعله معظم القادة؛ إذ اقتربت من صغار الموظفين ليوجهوها ويدربوها في مجالات تطوير المنتجات والهندسة والمالية. وانتهى المطاف بـمولكاهي إلى إنقاذ شركة زيروكس وتحسين ربحيتها من خلال خفض نفقاتها الرأسمالية وإجمالي ديونها إلى النصف، وتقليل مصاريفها العامة والإدارية بمقدار الثلث.

إن نموذج القيادة الحكيمة المقترح يوسع نطاق النهج الحالية، مثل القيادة الأصيلة والأخلاقية والتحويلية، من خلال إدماج المكونات الأساسية المتمثلة في الحكم، والعمل، والأخلاق، والتواضع.

ويمكن أن يشكل هذا المقياس الجديد للقيادة الحكيمة أداة عملية لتقييم درجة القيادة الحكيمة التي يظهرها الموظفون الحاليون، ولتحديد الأفراد الذين يمتلكون نزعات حكيمة أو غير حكيمة خلال عمليات استقطاب القادة واختيارهم.

كما يوفر المقياس آلية قيمة لتصميم وتقديم برامج تدريب وتطوير قيادية موجهة تهدف إلى غرس الحكمة لدى القادة، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى خلق نتائج مؤسسية إيجابية.

المصدر

مقالات ذات صلة