أنا هو العمل
عُثر على هذه العبارة المدونة بخط اليد بين المقتنيات الشخصية لرجل الصناعة البارز إسينغتون لويس عقب رحيله في عام 1961. ولم تكن تلك الكلمات مجرد تعبير عابر، بل كانت تجسيداً حياً للفلسفة التي اعتنقها كبار التنفيذيين الأستراليين في عصره.
كان لويس نموذجاً جلياً لرجال المؤسسة في منتصف القرن الماضي لدى عملاق التعدين بي إتش بي؛ إذ كان مديراً يتقاضى راتباً ثابتاً، واستطاع أن يتشرب تفاصيل العمل من نقطة الصفر، ثم ارتقى سلم المسؤولية خطوة بخطوة.
لقد صاغ هؤلاء الرجال جوهر هويتهم الإنسانية حول العمل، وفي مقابل هذا الإخلاص المطلق والمهارات التراكمية، كانت الشركات تجزل لهم العطاء بالمكانة المرموقة، والترقيات المتتابعة، والساعة الذهبية التي أضحت رمزاً للوفاء المتبادل.
ورغم أن مفهوم القيادة المؤسسية شهد تحولات جذرية في عقودنا الأخيرة؛ حيث تبوأت المرأة صدارة العديد من الشركات الكبرى، وأمسى البقاء في شركة واحدة طوال العمر شغفاً نادراً، إلا أن البحث الجديد الذي أجريته يظهر بوضوح أن نموذج رجل المؤسسة ما زال يحافظ على راسخ قوته وسطوته، حتى وإن أصبحت القوى العاملة أكثر توازناً بين الجنسين.
إن كثيراً من الخصال التي ما زلنا نربطها بمفهوم القيادة الناجحة حتى يومنا هذا، كـالطموح الوقاد، والصلابة في وجه الأزمات، وضبط المشاعر، والتضحية بكل شيء من أجل العمل، إنما صُقلت وتأسست في أروقة الشركات خلال منتصف القرن العشرين.
ويساعدنا هذا البعد التاريخي على فهم السبب السري الذي يجعل نموذج رجل المؤسسة المفهوم الحاكم والحاسم في اختيار من يستحق الارتقاء إلى القمة، وذلك بالرغم من كل أشواط التقدم التي قطعناها.
نهوض الفكرة من تحت ركام الحروب
برز نموذج رجل المؤسسة في أستراليا ومعظم أرجاء العالم الغربي خلال حقبة حبلى بالتغيرات الاقتصادية؛ ففي أوائل القرن العشرين، كانت أغلب المؤسسات الأسترالية الكبرى تخضع لسيطرة المؤسسين وأفراد أسرهم.
وكان الملاك يتولون زمام الإدارة بأنفسهم، يستمدون شرعيتهم وسلطتهم من صلة القرابة والنجاح الريادي الأول. ومع اتساع رقعة الاقتصاد الأسترالي وزيادة تعقيده، بدأ هذا المنهج العائلي في التداعي والانهيار.
وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، شهد قطاع التصنيع المحلي نمواً متسارعاً، وانتشرت ملكية الأسهم بين أطياف أوسع من المجتمع بعد أن كانت حكراً على العائلات الثرية، لتجد الشركات نفسها تحت ضغط متزايد لتبني أدوات العصرنة.
أدت هذه المتغيرات المتلاحقة إلى ميلاد نمط جديد من القادة المؤسسيين في الفترة الممتدة من خمسينيات إلى ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ اتجهت الشركات نحو استقطاب الشبان ذوي التخصصات العملية والعلمية، كـالكيميائيين، والمهندسين، وموظفي البنوك، وتجار الأقمشة، بل وحتى الصحفيين.
وفي الوقت ذاته، غدت الإدارة علماً ومهارة يمكن غرسها عبر برامج التعليم التجاري في الجامعات، وبيوت الخبرة الاستشارية، ومخططات التدريب الداخلي في الشركات. وأضحت المسيرة المهنية لهؤلاء القادة تجعل من القيادة استحقاقاً يُكتسب بالمهارة والصبر والانضباط الحازم.
ممارسة القيادة وفق المعايير الذكورية
لم تقتصر القيادة المؤسسية في منتصف القرن العشرين على حصر المناصب القيادية في يد الرجال في الغالب، بل إنها صُممت في جوهرها لتلائم أسلوب حياة الرجل وحده. فقد تطلب الارتماء في أحضان الإدارة التزاماً بالعمل الكامل دون انقطاع، وقضاء ساعات طويلة متواصلة داخل المكتب.
وكان تفاني الرجل المطلق في عمله يستند بالضرورة إلى تفاني زوجته الكامل في إدارة الشؤون المنزلية، وهو شرط شارك في صناعة نجاحه الإداري.
كما تجسد في رجال المؤسسة نمط معين من السلوك الذكوري؛ إذ إن مفهوم النوع الاجتماعي ليس مجرد سمة بيولوجية جامدة، بل هو بناء اجتماعي متكامل يتعلم الفرد من خلاله ما يعنيه أن يكون رجلاً أو امرأة.
وفي عالم الشركات، اكتسب الرجال نمطاً ذكورياً شكَّلته متطلبات الإدارة وواقع أستراليا في فترة ما بعد الحرب.
وكان المأمول من المسئول التنفيذي أن يتسم بالطموح والهيبة، ويمتلك القدرة على فرض الاحترام وبسط السيطرة، مع إثبات جدارته المستمرة من خلال الترقي في الهيكل التنظيمي للشركة.
ونظراً لأن الكثير من المدراء كانوا عائدين للتو من ميادين القتال، فقد نقلوا معهم أسلوباً عسكرياً صارماً يعتمد على السيطرة والأمر والنهي داخل بيئة العمل.
وعلى سبيل المثال، تذكر السيرة الذاتية للمسؤول التنفيذي في قطاع التأمين جيمس ثومبسون في القاموس الأسترالي للسير الذاتية حرصه الشديد على التمسك بـمظاهر السلطة وتفاصيلها.
وتشير السيرة أيضاً إلى مشيته المميزة التي تشبه مشية رؤساء الرقباء أثناء العروض العسكرية، وقدرته على إطلاق صيحات هادرة كـالصلد الصلب عند الحاجة لإشاعة الهيبة.
هدوء انفعالي وتجرد من العاطفة
وعلى النقيض من ذلك، كان يُنتظر من رجال المؤسسة أن يتمتعوا بقدر عالٍ من الضبط العاطفي؛ فكان الشخص الذي يحافظ على رباطة جأشه أثناء الأزمات، أو يواصل عمله رغم المرض والإنهاك، يُصنف تلقائياً على أنه قائد بطبيعته.
ويُحكى عن تشارلز بوث، أحد قيادات شركة مصنعي الورق الأسترالية، أنه كان نادر الانفعال، يتصرف بـبطء وترث، ويصر بصرامة على الالتزام التام بالرسميات والمواعيد المحددة في العمل.
وهكذا، أضحى النجاح المهني دليلاً ساطعاً يجمع بين السلطة الوظيفية والكمال الذكوري، وتحولت الشركة إلى ساحة مواجهة نبالة يستمد فيها المرء مكانه من خلال المغالبة والمنافسة بين الرجال.
التطلع إلى ما بعد نموذج رجل المؤسسة
ومع بداية ثمانينيات القرن الماضي، بدأ انحسار نموذج رجل الشركة التقليدي لصالح التنفيذيين المحترفين؛ حيث تراجع قطاع التصنيع، واشتدت ضراوة المنافسة العالمية، ووضعت الشركات الربحية وسعر السهم في صدارة أهدافها.
ولم يعد من المتوقع من القائد المؤسسي أن يقضي مسيرته المهنية بأكملها بين جدران شركة واحدة، بل أصبحت الأجيال الجديدة من التنفيذيين تتنقل بين المؤسسات المختلفة، ممارسة خبراتها الإدارية الشاملة عبر قطاعات متعددة.
ورغم كل هذه التغيرات الهيكلية، بقيت الكثير من التوقعات القديمة راسخة لم تتزحزح؛ فما زال القادة يكافأون بناءً على طموحهم الذاتي، وإنجازاتهم الفردية، وقدرتهم على ضبط الآخرين والتأثير فيهم.
وما زال يُطلب منهم إثبات هذا الولاء من خلال استقطاع ساعات طويلة من حياتهم للعمل، والتواجد الدائم تحت الطلب، والتنقل المستمر لصالح مؤسساتهم.
واقعنا المعاش وتحديات اليوم
يسهم هذا الامتداد التاريخي في تفسير السبب الذي جعل زيادة تمثيل المرأة في مناصب الإدارة لا تؤدي تلقائياً إلى تحقيق المساواة المنشودة؛ فعلى الرغم من انضمام أعداد أكبر من النساء إلى القيادة المؤسسية في العقود الأخيرة، إلا أن الرجال ما زالوا يستحوذون على النسبة العظمى من المناصب التنفيذية العليا.
وفي كثير من الأحيان، يُوجَّه العنصر النسائي نحو القطاعات القيادية ذات الطابع الخدمي أو التنظيمي، كـالموارد البشرية والشؤون القانونية. فضلاً عن أن جميع القادة يُقيمون وفق معايير سلوكية ضيقة ومحددة مسبقاً.
ولأن نموذج رجل المؤسسة أضحى جزءاً أصيلاً في بنية الفكر الإداري ذاته، فإن التقييم اليوم ينصب على النساء والرجال وفق معايير وضوابط لم تُصمم في الأصل لتراعي ظروف معظمهم.
وإذا كانت المؤسسات جادة حقاً في تحقيق مبدأ المساواة، فإن الاستكفاء بتعيين المزيد من النساء لن يكون كافياً ما لم يرافقه إعادة نظر شاملة في مفهوم القيادة ذاته.
وبدلاً من تكرار السؤال التقليدي حول كيفية دفع النساء للتكيف مع قالب القائد المؤسسي النمطي، فإن مستقبل القيادة المؤسسية المشرق مرهون بقدرتنا على ترك نموذج رجل المؤسسة خلف ظهورنا والانطلاق نحو آفاق جديدة.
