يقع تطوير التقنيات الحديثة في صميم عملية النمو الاقتصادي. غير أن الطريقة التي تنتشر بها المنتجات والعمليات الجديدة في مختلف أنحاء العالم تتأثر بالتحولات في السياسة التجارية، ومن المرجح أن تؤدي زيادة النزعة الحمائية إلى الحد من هذا التقدم.
تشير البحوث إلى أن الفترة الفاصلة بين الاستخدام الأول لتقنية جديدة وانتشارها على نطاق واسع قد تكون طويلة جدًا، وقد تمتد أحيانًا لعقود. وفي سياق الأسواق العالمية، تتداخل مجموعة من العوامل، إلى جانب السياسات الحكومية، في تشكيل أنماط انتشار التقنيات الحديثة وتأثيراتها في الاقتصاد ككل.
أشكال التغيير التقني
يأتي التغيير التقني في صور متعددة. فقد يتمثل في منتجات جديدة تتضمن وظائف مختلفة، أو في تغييرات جمالية، ولا سيما في الصناعات الثقافية، كما قد يتمثل في استخدام عمليات إنتاج جديدة، أو مواد خام جديدة، أو أساليب إدارية مبتكرة، أو أشكال تنظيمية مختلفة. وتُعد هذه التطورات على نطاق واسع المحرك الأساسي لنمو الإنتاجية على المدى الطويل.
واستنادًا إلى النظرية التي وضعها جوزيف شومبيتر في أوائل القرن العشرين، يمر هذا المسار عبر 3 مراحل مترابطة:
الاختراع والابتكار: توليد أفكار جديدة، وقد تتولى ذلك الشركات أو الأفراد أو مؤسسات البحوث التابعة للقطاع العام.
الابتكار التجاري: تحويل هذه الأفكار إلى منتجات وعمليات قابلة للتسويق، وهي مهمة تقع إلى حد كبير ضمن نطاق عمل الشركات.
الانتشار: انتقال التقنيات الحديثة إلى المستخدمين المحتملين، سواء كانوا أفرادًا أم شركات.
وتُعد المرحلة الثالثة حاسمة بصورة خاصة. فعلى الرغم من أن مرحلتي الاختراع والابتكار، وما يرتبط بهما من إنفاق يُدرج غالبًا تحت مسمى البحث والتطوير، تحظيان بالقدر الأكبر من الاهتمام في النقاشات المتعلقة بالسياسات، فإن المنافع الاقتصادية للتقنيات الحديثة لا تظهر فعليًا إلا عندما تبدأ هذه التقنيات في الانتشار.
يميل مستوى استخدام التقنيات الحديثة أو امتلاكها بمرور الوقت إلى اتباع منحنى على شكل حرف S. فعند رسم الاستخدام الحالي بوصفه نسبة مئوية من الاستخدام النهائي عبر الزمن، يبدأ المنحنى عند مستوى منخفض، ثم يتسارع نموه في البداية حتى يصل إلى نقطة انعطاف، قبل أن يتباطأ تدريجيًا ويقترب في النهاية من الحد الأقصى.
ويميل هذا النمط إلى الانطباق على مختلف التقنيات الحديثة، سواء كانت منتجات أم عمليات، ويمكن ملاحظته على مستوى العالم والدول والصناعات والشركات والأسر. وتختلف الفترة الممتدة بين الاستخدام الأول والوصول إلى الاستخدام النهائي من تقنية إلى أخرى، فقد لا تتجاوز بضعة أشهر أو تمتد لسنوات عديدة. وبالمثل، تختلف النقطة التي يصبح عندها المنتج أو الخدمة موزعًا بالكامل في السوق، والمعروفة باسم نقطة التشبع.
محركات الانتشار
هناك محركان رئيسيان لعملية الانتشار.
يستند المحرك الأول إلى فكرة مفادها أن استخدام التقنيات الحديثة في أي لحظة زمنية يظل محدودًا بسبب نقص معرفة المستخدمين المحتملين بالفكرة الجديدة، إلى جانب اختلاف مواقف الأفراد والشركات تجاه المخاطر. غير أن الاستخدام الفعلي للتقنية يؤدي بدوره إلى نشر المعرفة بها بين المستخدمين المحتملين الآخرين، سواء من خلال الملاحظة أو انتقال الموظفين من شركة إلى أخرى. ومع حركة الأشخاص، تنتقل الأفكار أيضًا.
وتعمل هذه العملية بطريقة تعزز نفسها بنفسها، فتشجع على مزيد من التوسع في الاستخدام. والأهم من ذلك أن هذه الديناميكية يمكن أن تمتد عبر الحدود من خلال التجارة وحركة الأشخاص؛ إذ تنتقل الخبرة المكتسبة من استخدام التقنية في دولة ما إلى دول أخرى، فتزداد المعرفة بها. كما يمكن للإعلانات التي يقدمها موردو التقنية، إلى جانب الأنشطة المماثلة، أن تسهم في توسيع نطاق المعرفة بها.
أما العامل الثاني، فيرتبط بفكرة مفادها أن الأسر والشركات لن تتبنى تقنية جديدة إلا إذا تجاوزت الفوائد المتوقعة من اقتنائها تكاليف تبنيها.
وبالنسبة إلى الأسر، يعني ذلك أن استخدام التقنية في أي لحظة زمنية سيقتصر على الأشخاص القادرين على تحمل تكلفتها بالأسعار السائدة في ذلك الوقت. ومع مرور الوقت، ومع انخفاض سعر المنتج أو الخدمة الجديدة، وتحسن جودتها أو أدائها، وارتفاع دخول الأسر أو زيادة استعدادها للدفع، سيزداد عدد الأشخاص الذين يتبنون هذه التقنية.
وماذا عن الشركات؟ بالنسبة إلى الشركات التي تدرس إدخال عملية أو تقنية جديدة، ستعتمد الأرباح المتوقعة من تبنيها على عدد الشركات المنافسة التي بدأت بالفعل في استخدامها، بما في ذلك استخدامها على المستوى الدولي إذا كانت الشركة تعمل في الأسواق العالمية.
وتؤدي القدرة التنافسية المتزايدة للشركات التي تتبنى التقنية مبكرًا إلى خفض أسعار المنتجات في السوق التي تعمل فيها الشركات التي لم تتبنَّ التقنية بعد، وهو ما يقلل المكاسب المحتملة للمتبنين اللاحقين، وبالتالي قد يحد من تبنيهم للتقنية أو يطيل المدة التي يحتاجون إليها قبل الإقدام على ذلك. ولن يتوسع التبني مجددًا إلا مع انخفاض تكاليف تركيب التقنية أو تحسن جودة التقنية الجديدة.
جانب العرض وحقوق الملكية
يرتبط نمط انتشار التقنيات الحديثة بمرور الوقت، إلى حد كبير، بالتغيرات في الأسعار التي تُفرض على هذه التقنيات، إلى جانب التحسينات التي تطرأ على جودتها وأدائها. غير أن هذه التغيرات ستتأثر، ولو جزئيًا، بالتطورات التي تشهدها الصناعات التي توفر التقنيات الحديثة. ولذلك، يستحق جانب العرض دراسة أكثر عمقًا.
لنتخيل سيناريو افتراضيًا يوجد فيه مبتكر واحد يسعى إلى تحقيق الربح، ويطرح في السوق منتجًا يجسد تقنية جديدة. ويتيح الوضع الاحتكاري الذي تتمتع به الشركة في البداية فرض سعر مرتفع، بما يسمح لها بتحقيق أرباح أكبر، تمثل مكافأة وحافزًا على أنشطة التطوير الأولية للتقنية الجديدة.
كما أن احتمال تحقيق مزيد من الأرباح الاحتكارية يمكن أن يشكل حافزًا لمواصلة تطوير التقنية الجديدة أو خفض تكاليف إنتاجها بهدف توسيع نطاق استخدامها. لكن في غياب أي عوائق سوقية أو قانونية، قد تتمكن شركات أخرى من منافسة المنتج الجديد من خلال تقليد الشركة الأصلية، وهو ما يقلل عوائد المبتكر وربما يثبط جهوده المستقبلية.
ورغم أن هذه المنافسة قد تؤدي إلى أسعار أقل أو أداء أفضل للتقنية الجديدة، بما يحقق انتشارًا أوسع لها، فإنها ستؤدي في المقابل إلى انخفاض عوائد المورد الأول. ولهذا السبب، غالبًا ما يلجأ المبتكرون إلى مجموعة من الاستراتيجيات لحماية المعرفة المضمنة في تقنياتهم الجديدة من التقليد. ومن هذه الاستراتيجيات تبني ثقافة عامة تقوم على السرية، أو السعي إلى السيطرة على السوق، أو الاستحواذ على المدخلات الحيوية النادرة، أو استخدام اتفاقيات عدم الإفصاح مع الموظفين الذين يغادرون الشركة.
إضافة إلى ذلك، وبسبب إدراك أن التقليد يقلل من عوائد المبتكرين، ورغبةً في تشجيع الابتكار، أقرت العديد من الدول تشريعات رسمية لحماية المعرفة من خلال حقوق الملكية الفكرية. وتشمل هذه التشريعات براءات الاختراع وحقوق النشر والعلامات التجارية، وهي تمنح أصحابها حقوقًا قابلة للإنفاذ قانونيًا فيما يتعلق بأجزاء محددة ومعلنة من المعرفة. كما أن الإفصاح عن هذه المعرفة يحقق فائدة إضافية تتمثل في إثراء القاعدة المعرفية وإتاحة المجال أمام الآخرين لمواصلة تطويرها.
واليوم، تمتلك معظم الدول، وفي بعض الحالات مجموعات من الدول مثل الاتحاد الأوروبي، أطرًا قانونية معمولًا بها لحماية حقوق الملكية الفكرية. وقد يتمكن أصحاب حقوق الملكية الفكرية السارية من تحديد أسعار منتجاتهم والإعلان عنها، وكذلك توجيه التطورات الإضافية في التقنية، وهو ما يتيح لهم قدرًا من التحكم في نمط انتشار الابتكار واستخدامه.
ويكافئ هذا التحكم النشاط الابتكاري للمخترعين، لكنه يميل في الوقت نفسه إلى زيادة تكلفة حصول المستخدمين على التقنية، وهو ما قد يؤدي إلى إبطاء انتشارها أو الحد منه. ويقع هذا التعارض بين المستخدمين الذين يحصلون على فوائد التطورات التقنية، والتي تمثل السبب الأساسي لتبنيهم لها، وبين منتجي هذه التطورات الذين يسعون إلى الحصول على عائد مقابل جهودهم واستثماراتهم الابتكارية، في صميم جميع عمليات التغيير التقني.
وتعود حقوق الملكية الفكرية إلى أصحابها المسجلين، لكنها قابلة للتداول والترخيص، وقد تكون شروط الترخيص ذات أهمية كبيرة أيضًا. وهذا يعني أنه يمكن تجسيد الابتكارات في منتجات تُصنع في مناطق تقع خارج بلدها الأصلي، كما يمكن أن يحدث ذلك نتيجة الانتهاك غير القانوني لحقوق الملكية الفكرية. وعلى أي حال، وبما أن معظم أطر حقوق الملكية الفكرية محددة المدة، إذ تستمر براءات الاختراع عادةً من 20 إلى 25 سنة، وتنتهي حقوق النشر الأدبية بعد 70 سنة، على سبيل المثال، فإن عددًا قليلًا جدًا من موردي التقنيات الحديثة سيتمكن من الاحتفاظ بموقعه الاحتكاري إلى الأبد.
فعلى سبيل المثال، انتقلت صناعة أجهزة التلفزيون بمرور الوقت من أوروبا والولايات المتحدة إلى شرق آسيا، كما تحركت صناعة السيارات في الاتجاه نفسه نحو الشرق. وفي كلتا الحالتين، أدى ذلك إلى نشوء أنشطة اقتصادية وصناعات جديدة بعيدًا عن البلد الأصلي للتقنية. كما تؤدي هذه التغيرات في عدد الموردين وقاعدة تكاليفهم في المواقع الجديدة إلى انخفاض الأسعار واتساع نطاق الانتشار.
سياسة الانتشار
في بعض الحالات، يحتاج صناع السياسات إلى التدخل. فإذا كانت الأسواق لا تقود إلى النتيجة المرغوبة، فقد ترغب الحكومات في تسريع انتشار تقنية معينة، أو في حالات نادرة، إبطاء انتشارها. وهناك العديد من الأطر والأدوات التي يمكن للسياسات العامة استخدامها لتحقيق ذلك.
ومن جانب العرض، قد تكون للسياسات التقنية المرتبطة أساسًا بالاختراع والابتكار آثار غير مباشرة تسهم في تسريع الانتشار. فعلى سبيل المثال، تتبنى معظم الحكومات سياسات لدعم منظومة الابتكار في اقتصاداتها. وتشمل هذه السياسات عادةً التعليم الجامعي والبحوث، وبناء المهارات، وتوفير التمويل للمشروعات والشركات الناشئة ذات المخاطر المرتفعة، إضافة إلى حقوق الملكية الفكرية، كما أشرنا سابقًا.
وهناك أيضًا سياسات أكثر تحديدًا تستهدف البحث والتطوير والابتكار في صناعات معينة، وقد تؤدي إلى تحسينات أسرع في التقنيات الحديثة أو إلى خفض أسعارها، بما يحفز استخدامها. ويمكن لجميع سياسات جانب العرض هذه أن تحدث أيضًا أثرًا استعراضيًا يتمثل في زيادة الوعي بالتقنية، وهو ما يدفع إلى مزيد من الانتشار.
أما من جانب الطلب، فقد يضع صناع السياسات تشريعات أكثر تحديدًا تستهدف عملية الانتشار مباشرة. ويمكن أن تشمل هذه التشريعات ما يلي:
حظر استخدام التقنيات القديمة: مثل وقف بيع السيارات الجديدة التي تعمل بالديزل أو البنزين.
تقديم إعانات لاستخدام التقنيات الحديثة: مثل توفير أجهزة الكمبيوتر للمدارس أو دعم المضخات الحرارية للمنازل. ولا يؤدي ذلك إلى خفض تكلفة التقنيات الحديثة فحسب، بل إذا جرى تطبيقه في مرحلة مبكرة من عملية الانتشار، فقد يكون له تأثير إضافي يتمثل في زيادة المعرفة بالتقنية الجديدة.
تنفيذ أنشطة لنشر المعلومات: وتُعرف هذه الأنشطة أحيانًا باسم أنشطة التواصل أو الإرشاد.
التدخل للتغلب على حالات عدم التوافق في المعايير: سواء كانت هذه المعايير وطنية أو دولية، بين الإصدارات المختلفة لتقنية جديدة.
وفي جميع هذه الحالات، يتمثل هدف صناع السياسات في ضمان أن تكون الشركات والمستهلكون على دراية بالتقنيات الحديثة، وأن يتمكنوا من تبنيها بطريقة تتسم بالكفاءة من حيث التكلفة.
البيئة التجارية
في وقت كتابة هذا المقال، كان الاقتصاد العالمي يشهد حالة من التذبذب نتيجة محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغيير السياسة التجارية التي اتبعتها بلاده لفترة طويلة. وتستخدم الإدارة الأمريكية الرسوم الجمركية لتشجيع عودة الأنشطة الإنتاجية، ولا سيما التصنيع، إلى الولايات المتحدة، بعد عملية طويلة من نقل هذه الأنشطة إلى الخارج، وبخاصة إلى الصين.
ومن المرجح أن تدرس دول أخرى مبادرات مماثلة، وأن تتخذ إجراءات مقابلة. ويمكن لهذه السياسات أن تؤثر بصورة مباشرة في مواقع المنشآت التي تنتج المنتجات التي تجسد التقنيات الحديثة. أما تأثير ذلك في انتشار هذه التقنيات، فلم يتضح بعد.
إذا أدت هذه التغيرات، كما يبدو مرجحًا، إلى نقل إنتاج المنتجات التي تجسد التقنيات الحديثة إلى مواقع ذات تكلفة أعلى، مثل الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يؤدي هذا النهج إلى إبطاء انتشار التقنية في معظم الدول. كما قد تؤدي تكاليف الاستيراد المرتفعة الناتجة عن الرسوم الجمركية إلى تفاقم المشكلة، بما يحد من انتشار الأفكار والتقنيات.
وهناك استراتيجية ذات صلة تُعرف باسم الفصل التقني، ويجري النظر فيها أيضًا في بعض الاقتصادات. وتتضمن هذه العملية سعي الدول إلى تطوير قدرات مستقلة في التقنيات الحيوية بهدف تقليل اعتمادها على الدول الأخرى.
ومن الأمثلة الحالية في المملكة المتحدة إنتاج الصلب. وتشمل الأمثلة الأخرى حظر توريد البنية التحتية الحيوية للاتصالات من شركة الاتصالات الصينية هواوي، والجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي لإعادة إنتاج المعالجات الدقيقة داخل أوروبا. ومرة أخرى، من المرجح أن يؤدي ذلك إلى نقل الإنتاج إلى مواقع ذات تكلفة أعلى، إلى جانب فرض رسوم جمركية على الواردات. وقد يكون لهذا النهج أثر سلبي في انتشار التقنيات المتأثرة، بما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إبطاء نمو الإنتاجية.
