القائمة الرئيسية

ما بعد الأجور: ما الذي يجعل الوظيفة جيدة؟

ما بعد الأجور: ما الذي يجعل الوظيفة جيدة؟
ملخص المقال

جودة الوظيفة لا تُقاس بالأجر وحده، بل تشمل سبعة أبعاد أساسية تؤثر مباشرة في صحة العاملين ورفاهيتهم، هي الأجر، والآفاق المستقبلية، وجودة وقت العمل، والاستقلالية الوظيفية، وكثافة العمل، والبيئة الاجتماعية، والبيئة الفيزيائية. وتوفر الوظائف المستقرة التي تمنح العاملين قدرًا من التحكم والمشاركة، وتوازنًا جيدًا بين العمل والحياة، وبيئة اجتماعية داعمة، وظروف عمل آمنة، مستويات أعلى من الرفاهية، بينما يؤدي انعدام الاستقرار الوظيفي والرقابة المفرطة وضغط العمل والتنمر والإساءة والمخاطر المهنية إلى آثار نفسية وصحية واقتصادية كبيرة. وتكشف الدراسات أن الفوارق في جودة الوظائف ترتبط بالرفاهية بدرجة تضاهي الفوارق المرتبطة بالصحة، وتتجاوز في بعض الحالات تأثير التعليم والعمر والحالة الاجتماعية. ولا يكفي النمو الاقتصادي وحده لتحسين هذه الأبعاد؛ فهو يدعم نمو الأجور، لكنه لا يحسن بالقدر نفسه الاستقلالية أو جودة وقت العمل أو البيئة الاجتماعية وغيرها من الجوانب غير المالية. لذلك يتطلب تحسين جودة الوظائف سياسات وممارسات تتعلق بتصميم الوظائف، وإدارة المؤسسات، ومشاركة العاملين، واستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب دور النقابات والحكومات في التنظيم، بما يسهم في بناء قوى عاملة أكثر صحة وإنتاجية وتحسين قياس التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

تتأثر رفاهية الأفراد في العمل بخصائص متعددة لوظائفهم، تشمل الاستقلالية، وكثافة العمل، والآفاق المستقبلية. يستعين الباحثون والاستقصائيون بالاستطلاعات لتتبع هذه الأبعاد من الحياة المهنية وقياس مدى مساهمتها في التقدم الاجتماعي. علمًا بأن العديد من هذه الأبعاد لا يمكن تحسينها عبر النمو الاقتصادي وحده.

عندما يتعلق الأمر بالعمل، فمن الواضح أن الأجر يمثل عاملًا بالغ الأهمية لمعظم الناس. غير أن الدراسات الحديثة لجودة الوظائف تكشف أيضًا عن الأهمية البالغة لعدة خصائص أخرى للتجربة المهنية تتجاوز مجرد الأجور.

هناك ستة أبعاد إضافية تحظى بأهمية كبيرة. أولًا، الآفاق المستقبلية للوظيفة. إن العمل الذي يتسم بالاستقرار ويقدم فرصًا للترقي يساعد في تشكيل هوية الموظف ويدعمه في التخطيط للمستقبل. بينما يعاني العاملون في الوظائف غير المستقرة من الضغط النفسي واعتلال الصحة، ولا يستطيعون التخطيط لمستقبلهم بسهولة (جرين، 2020).

ثانيًا، هناك جودة وقت العمل، والتي لا تقتصر على مدة العمل فحسب، بل تشمل أيضًا تنظيم الجداول الزمنية ومدى تقلبها. فالوظيفة الجيدة هي التي تخلو من ساعات العمل الطويلة للغاية أو الورديات غير المتوقعة، ويكون للعامل فيها قدر من التحكم في أوقات بدء العمل وانتهائه، وتتيح له إمكانية الحصول على إجازات لمواجهة الطوارئ العائلية. كما أن القدرة على الانفصال عن العمل بدلاً من البقاء متصلاً به بشكل دائم تعد أمرًا حيويًا. وكل هذه العوامل تؤثر في مدى انسجام العمل مع مناحي الحياة الأخرى، مما يمنح الأفراد توازنًا جيدًا أو سيئًا بين العمل والحياة الشخصية.

ثالثًا، الاستقلالية الوظيفية، وهي ترتبط بالمهارات التي تتطلبها الوظيفة. الوظيفة الجيدة هي التي تمنح العامل بعض التأثير في كيفية تنظيم عمله والمهام التي يؤديها، حيث يمتلك المهارات الكافية لاستغلال هذه المساحة بحكمة. إنها تمنح الموظف تجارب ذات معنى وتحافظ على اندماجه وإنتاجيته. وتقف متطلبات الوظيفة والحاجة إلى الرقابة الإدارية كحدود لهذه الحرية. ومع ذلك، فقد ثبت بالدليل أن الإفراط في المراقبة مع قلة حرية التصرف في المهام يؤثران سلبيًا على صحة الموظفين (دويتس وآخرون، 2007).

رابعًا، البعد الداخلي المتمثل في كثافة العمل. الوظيفة الجيدة تشغل الموظف بشكل نشط، لأن التواجد في مكان العمل دون عمل يشعر بالملل وعدم الرضا. إلا أن المشكلة الشائعة تتمثل في العكس، أي عندما يرتفع ضغط العمل بشكل مفرط، مما يسبب الإجهاد وفي الحالات القصوى يؤدي إلى الاحتراق النفسي. وأسوأ سيناريو ممكن هو الوظيفة التي تجمع بين كثافة عمل عالية جدًا واستقلالية وظيفية منخفضة (تشو وآخرون، 2024).

خامسًا، البيئة الاجتماعية للوظيفة، وهي ذات تأثير حاسم. من الناحية الإيجابية، يمكن للمدراء والزملاء الداعمين تحسين تجربة العمل. أما من الناحية السلبية، فإن السلوكيات المسيئة في مكان العمل سواء كانت تنمرًا أو تحرشًا جنسيًا أو عنفًا تؤدي سريعًا إلى تدهور جودة الوظيفة. وعلى الرغم من أن هذه الإساءات لا تتعرض لها سوى أقلية من القوى العاملة، إلا أن نحو واحد من كل سبعة عمال في بريطانيا يبلغون عن تعرضهم لنوع من الإساءة سنويا (جرين وآخرون، 2026). ويمكن لليكون لهذا أثر نفسي بالغ القسوة على الأشخاص المعنيين.

سادسًا، البعد الأخير لتقييم جودة الوظيفة هو البيئة الفيزيائية، والتي تغطي مدى اضطرار الأفراد للعمل في ظروف خطرة أو مواجهة مخاطر متعلقة بالصحة البدنية والوضعيات الجسدية المجهدة.

لماذا يعد قياس الوظائف الجيدة أمرًا مهمًا؟

على مدى العقود القليلة الماضية، حدث تقدم كبير في معرفتنا بما يجعل الوظيفة جيدة. واستفادة من الدروس المستفادة من علم النفس والاقتصاد وعلم الاجتماع، شهدت البحوث توسعًا سريعًا في كيفية تأثير أبعاد جودة الوظيفة هذه على صحتنا ورفاهيتنا.

على سبيل المثال، لنأخذ الآفاق المستقبلية. نعلم الآن أن عدم الاستقرار الوظيفي، وخاصة عندما يقترن بضعف الحماية الاجتماعية، يشكل خطرًا جسيمًا على الصحة النفسية، ويؤدي إلى فقدان كبير للرضا عن الحياة (جرين، 2011). وتؤكد بحوث من كوريا الجنوبية أن الذين يخشون فقدان وظائفهم تزيد لديهم احتمالية الإصابة بالكتئاب بنسبة خمسة وعشرين بالمئة (كيم وآخرون، 2017).

بالانتقال إلى البيئة الاجتماعية، تظهر العديد من الدراسات الآثار الإيجابية للدعم الاجتماعي الجيد من المدراء وزملائهم في العمل على رفاهية العامل. وبالمثل، أصبحت العواقب الوخيمة للتنمر وغيره من أشكال الإساءة واضحة الآن. وتأتي هذه العواقب على الصعيدين الاقتصادي والنفسي، ويمكن أن تكون قصيرة المدى أو مستمرة. وتكشف إحدى الدراسات أن النساء اللاتي يقعن ضحايا للعنف في مكان العمل يفقدن أكثر من عشرين بالمئة من أرباحهن بعد مرور خمس سنوات (أدامز براسل وآخرون، 2024).

يركز البحث أيضًا على تجربة العمل ذي المعنى. ويشمل ذلك البيئات التي يذكر فيها العمال أنهم يقومون بأعمال مهمة ولها قيمة، أو أن عملهم مفيد للمجتمع، وأنهم يتشاركون القيم مع المؤسسة التي يعملون بها، ولديهم شعور بالانتماء وبناء علاقات اجتماعية قيمة في العمل. ويظهر الشعور القوي بالمعنى في أوقات العمل التي يسمح فيها المدراء بمبادرات الموظفين ويسهلونها، مع مشاركتهم المعقولة في اتخاذ القرارات التي تؤثر على عملهم.

إلى جانب مئات الدراسات الأخرى، يظهر هذا المجال البحري الجديد أن الأمر لا يقتصر على الأجر فحسب، بل إن جميع الأبعاد الستة الأخرى لجودة الوظيفة المذكورة أعلاه تكتسب أهمية بالغة لصحة ورفاهية العاملين حول العالم.

إن دمج مؤشرات الأبعاد السبعة جميعها في مؤشر واحد لجودة الوظيفة يتيح للباحثين معرفة الأهمية النسبية للعمل مقارنة بالجوانب الأخرى للحياة. بالنسبة للأوروبيين، إذا قارنا أولئك الذين تقع وظائفهم عند المستويات المتوسطة من جودة الوظائف بأولئك الذين يشغلون وظائف في أدنى عشرة بالمئة، فسنجد فجوة كبيرة في مستوى الرفاهية.  وهذه الفجوة تماثل في حجمها الفارق في الرفاهية بين الأشخاص الذين يتمتعون بصحة عامة جيدة وأولئك الذين يعانون من صحة سيئة، ولكنها أكبر بكثير من الفوارق المرتبطة بالتعليم أو العمر أو الحالة الاجتماعية.

والقصة نفسها تتكرر حول العالم، بما في ذلك أستراليا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة. وربما لا يكون هذا مجرع مفاجأة، بالنظر إلى أن العاملين يقضون في المتوسط ما يقرب من ثلث حياتهم أثناء الاستيقاظ في العمل. يقضي الأوروبيون وقتًا أقل أسبوعيًا مقارنة بالأمريكيين والآسيويين، ويحصلون على إجازات أطول، لكن العمل يظل في كل مكان جزءًا كبيرًا من حياة الناس. وتؤكد الاختلافات الكبيرة في الرفاهية المرتبطة بجودة الوظيفة على ضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام لهذا المجال من الحياة عند تقييم التقدم الاقتصادي والاجتماعي للدول.

(الشكل الأول: الأهمية المقارنة لجودة الوظيفة) المصدر: جرين وآخرون، 2024. ملاحظة: الفروق المقدرة في درجات مؤشر الرفاهية الصادر عن منظمة الصحة العالمية لعامة الأوروبيين العاملين.

بالنظر إلى الأهمية الواسعة لجودة الوظيفة، ينبغي للاستطلاعات الطولية طويلة المدى حول العالم بدء جمع المزيد من البيانات حول الأبعاد الأساسية. وهناك أيضًا الكثير من التفاصيل التي يحتاج الباحثون لكشفها. فعلى سبيل المثال، نعلم أن هناك بعض المخاطر المرتبطة بالعمل ليلاً، ولكن لتحسين الإشراف التنظيمي، يجب أن نتعلم المزيد عن التأثيرات المختلفة للعمل ليلاً بصفة دائمة مقابل العمل الليلي المتقطع، وكيفية التخفيف من هذه المخاطر.

كيف يمكننا مراقبة وتتبع جودة الوظائف في الاقتصاد؟

إن أفضل طريقة لتتبع جودة الوظائف هي سؤال العمال أنفسهم، أي الأشخاص الذين يؤدون هذه الوظائف. ومن الضروري بطبيعة الحال صياغة الأسئلة بطرق محايدة واختبارها من قبل خبراء الاستطلاعات في عينات ممثلة وطنيًا. قد تكون هناك بعض التحيزات، ولكن يمكن السيطرة عليها ومراعاتها. ولتتبع التغييرات عبر الزمن، يجب طرح الأسئلة نفسها بصيغة مطابقة في تواريخ متتالية. ويقوم المسح الأوروبي لظروف العمل الرائد عالميًا بذلك كل خمس سنوات منذ عام 1990، مع تغطية تزداد شمولاً بمرور الوقت.

شاركت بريطانيا لآخر مرة في عام 2015 ثم غادرت البرنامج بسبب الخروج من الاتحاد الأوروبي. وينبغي للبلاد النظر في المشاركة في المسح القادم عام 2030. أما في الوقت الحالي، فهي تعتمد بشكل أساسي على سلسلة مسح المهارات والتوظيف البريطاني، الذي أجري لآخر مرة في عام 2024.

يعرض الشكل الثاني هذا النهج. وهو يظهر زيادة متواضعة في مؤشر جودة وقت العمل في بريطانيا، خاصة بالنسبة للرجال. وقد نتج هذا الارتفاع في المؤشر عن عدة عوامل: انخفاض نسبة الأشخاص الذين يعملون لساعات مفرطة (أكثر من 48 ساعة في الأسبوع) من ثلاثة عشر بالمئة إلى ثمانية بالمئة؛ وارتفاع نسبة الذين يذكرون أنه ليس من الصعب مطلقًا أخذ وقت راحة للتعامل مع الأمور الشخصية أو العائلية من ثلاثة وثلاثين بالمئة إلى واحد وأربعين بالمئة؛ وارتفاع نسبة الذين يتفقون أو يتفقون بشدة على أنه بمقدورهم تحديد أوقات بدء وانهاء عملهم من تسعة وعشرين بالمئة إلى ستة وثلاثين بالمئة. ويرتبط الكثير من هذا التحسن بالزيادة في العمل من المنزل والعمل الهجين، وهو الاتجاه الذي تسارع بفعل جائحة كورونا وما صاحبها من إغلاقات.

يكشف تتبع كيفية تغير الأبعاد المختلفة لجودة الوظائف في هذا القرن عن العديد من الاتجاهات السائدة. على الجانب الإيجابي، تحسنت الأجور بالقيمة الحقيقية مع النمو الاقتصادي في معظم دول الشمال العالمي. وفي غالبية الدول، تحسنت البيئة الفيزيائية أيضًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى قلة الاعتماد على الصناعات الخطرة مثل تعدين الفحم، وكذلك بسبب التحسينات التنظيمية مثل الحظر الواسع النطاق على التدخين في أماكن العمل. كما تحسنت الآفاق المستقبلية منذ أوج الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009.

لكن الأبعاد الأخرى أظهرت تحسينات متفاوتة فقط. وعلى وجه الخصوص، وحتى ظهور الجائحة، كانت كثافة العمل تتدهور بشكل مستمر في معظم البلدان. وفي جميع أنحاء أوروبا، أدت عمليات الإغلاق إلى عكس هذا الاتجاه بالنسبة للرجال، ولكن كثافة العمل استمرت في التدهور بالنسبة للنساء حتى عام 2024 على الأقل (يورو فوند، 2025).

هل يمكننا الاعتماد على النمو الاقتصادي لتحسين جودة الوظائف؟

قد يتوقع المرء أن تتحسن جميع جوانب الوظائف مع نمو الاقتصاد. بعد كل شيء، لا نتوقع أن نجد تنفيذيًا يتقاضى أجراً مرتفعاً معرّضاً لمخاطر جسيمة في مكان العمل. ومع ذلك، وبشكل لافت للنظر، فبينما يدعم النمو الاقتصادي نمو الأجور، فإنه يرتبط ارتباطًا ضعيفًا فقط بالتغيرات في الآفاق الوظيفية وفي جودة وقت العمل. ولا يرتبط مطلقًا بأي من الأبعاد الأربعة الأخرى غير المترتبة على الأجر.

يشير هذا إلى أنه لا يمكننا الاعتماد على السياسات الاقتصادية الكلية التقليدية لتحقيق التقدم في جودة الوظائف. بل إن ما يهم أكثر هو كيفية إدخال التقنيات الحديثة، وأحدثها الذكاء الاصطناعي، وكيفية إدارة المؤسسات وتصميم الوظائف، ومدى مشاركة الموظفين واندماجهم.

يمكن لأصحاب العمل إحداث فارق من خلال إشراك الموظفين مع تطور مؤسساتهم. وتظهر البحوث بالفعل أن صاحب العمل الذي تعمل لديه يحدث فارقًا كبيرًا (برايسون وآخرون، 2025). ويمكن لقيادة الشركات والتدريب الإداري أن يساعدا في إرساء مناخ من جودة الوظائف العالية عبر جميع أبعادها. كما أن النقابات العمالية ومجالس العمال والحكومات بسلطاتها التنظيمية يمكنها التأثير في العديد من أبعاد جودة الوظيفة، وعدم الاقتصار على المساومة على الأجور.

الان وبعد أن أدركنا أهمية هذه الأبعاد غير المالية لجودة الوظيفة، ينبغي لمصممي الاستطلاعات الاجتماعية والإحصائيين الجمع بين جهودهم للعمل الإيجابي المشترك لفهم كيفية تقدمنا في بريطانيا وغيرها من الدول. وتحت رعاية الأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية، تتضافر جهود عدة دول الآن لجمع البيانات حول جودة الوظائف. وسيكون التحدي هو استخدام أحدث المعارف العلمية للمساعدة في تصميم سياسات تهدف لتوفير وظائف أفضل عبر كافة المستويات، وتظل الجائزة الكبرى هي الوصول إلى قوى عاملة أكثر صحة وإنتاجية.

المصدر

مقالات ذات صلة