القائمة الرئيسية

ملكة الشمس والمشكك: بناء أول المنازل الشمسية في العالم

ملكة الشمس والمشكك: بناء أول المنازل الشمسية في العالم
ملخص المقال

يتناول المقال قصة التنافس بين ماريا تلبيس وهويت هوتيل في تطوير تقنيات التدفئة بالطاقة الشمسية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، ويبرز اختلاف رؤيتهما حول مستقبلها؛ فبينما شكك هوتيل في جدواها الاقتصادية، رأت تلبيس أنها حل واعد ومستدام لمشكلة الطاقة. ركز الاثنان على تطوير المنازل الشمسية وتخزين الحرارة، لكن تجاربهما واجهت مشكلات تقنية، خاصة في استخدام ملح غلاوبر لتخزين الطاقة، كما لعبت الخلافات الشخصية والتحيزات تجاه تلبيس كامرأة دوراً في إقصائها من مشروع المعهد. ومع أن بعض المنازل الشمسية حققت نجاحاً مؤقتاً، فإن ارتفاع تكاليف الأنظمة وتعقيدها ورخص الوقود الأحفوري آنذاك حدّ من انتشارها. ومع ذلك، واصلت تلبيس أبحاثها وطورت لاحقاً أنظمة تجمع بين التدفئة وتوليد الكهرباء من الشمس، وأسهمت جهودها في تمهيد الطريق للنهضة الحديثة للطاقة الشمسية، ليؤكد المقال أن بعض أفكارها كانت سابقة لعصرها، حتى وإن بدت غير عملية في وقتها.

في منتصف القرن العشرين، شهدت التكنولوجيا المعمارية بزوغ تجربة استثنائية على يد عالمين جمعتهما زمالة الفكرة وفرقتهما الضغائن والأهواء، وهما ماريا تلبيس وهويد هوتيل، اللذان انبرا لابتكار حلول غير مسبوقة لتدفئة البيوت الأمريكية عبر استغلال الطاقة الشمسية.

وقبل أن تستعر جذوة المنافسة بينهما، وقبل أن يسعى هوتيل جاهداً للإطاحة بها من موقعها خشية أن يغطي بريقها الناصع على حسابه العلمي، كان الرجل والمرأة يعملان جنباً إلى جنب تحت مظلة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في أربعينيات القرن العشرين. كانت تجمعهما غاية واحدة تتمثل في فك أسرار الطاقة المنبعثة من جرم الشمس وتطويعها لخدمة البشرية. وقد اصطدما حينها بالأسئلة الجوهرية ذاتها التي ما زال مهندسو العصر الحديث يجهدون في الإجابة عنها، وهي كيف يتسنى لنا تحويل أشعة الشمس بكفاءة عالية إلى صور أخرى من الطاقة؟ وكيف يمكن اختزان التدفئة أو الكهرباء المتولدة لضمان استخدامها عند الحاجة؟ وهل في مقدور التقنيات الشمسية توفير الطاقة بتكلفة يسيرة تجعلها خياراً عملياً يزاحم الوقود الأحفوري الملوث والمحكوم بالنفاد؟

ولطالما شُغف الشارع الأمريكي بفكرة استغلال حرارة الشمس للدفء في ظروف الشتاء القارس. فقد بدا آفاق التدفئة المجانية أمراً لا يُقاوم لجيل تجرع مرارة العيش وصعوبة الموارد، بعدما اكتوى بآلام الكساد الكبير، وتبعات تقنين الوقود إبان الحرب العالمية، وأزمات النفط المتلاحقة. وكان نفر من المهندسين المعماريين الطليعيين قد لفتوا الأنظار بالفعل عبر تشييد ما يُعرف بالمنازل الشمسية السلبية، وهي أبنية تعتمد على جدران زجاجية واسعة تتجه نحو الجنوب لتتلقى أكبر قدر ممكن من دفء الشمس الشتوي.

وقد جسدت إحدى مقالات مجلة "هاوس بيوتيفول" الصادرة عام 1942 هذا الشغف الشديد، حين كتبت أن التاريخ لم يشهد خلال الـ 30 عاماً الماضية فكرة أسرت مخيلة الشعب الأمريكي مثلما فعلت فكرة تسخير الشمس لتقليل تكاليف الوقود الشتوي.

ومع تسارع الاهتمام بهذه التقنيات داخل أروقة الأكاديميات والشركات الخاصة، انكب العلماء على ابتكار مواد وأنظمة كفيلة باقتناص الأشعة الشمسية بأعلى كفاءة. وكان من بين الحالمين باستغلال هذه الخيرات السماوية رجل الأعمال الثري جودفري لويل كابوت، سليل إحدى الأسر العريقة في بوسطن. فقد جمع كابوت ثروة طائلة من تصنيع مادة أسود الكربون الداعمة لإطارات السيارات، لكنه في خريف عمره أضحى مسكوناً بقضايا الطاقة والتطلعات الشمسية، مما دفعه لضخ أموال طائلة لتمويل الأبحاث في جامعتي هارفارد وماساتشوستس للتكنولوجيا.

وفي هذا الصدد، أوردت مجلة "تايم" عام 1938، عقب تقديم كابوت منحة مالية ضخمة للمعهد، تعليقاً يصف حاله بكونه رجلاً يبلغ من العمر 77 عاماً، يتحادث مع الجميع ببساطة لكن عقله مقيم في السماء، يتأمل في حسرة كنز الطاقة الهائل الساقط من الشمس دون أن يجد من يستغله.

وفي عام 1939، استقطب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا العالمة ماريا تلبيس، وهي مهاجرة مجرية أثبتت تميزها في مجال الهندسة الذي كان حكراً على الرجال. وكانت تلبيس تشارك كابوت إيمانه الراسخ بقدرة الطاقة الشمسية على إزاحة الفحم والغاز الطبيعي. وقد عبرت عن ذلك في بعض مدوناتها حين كتبت أن الطاقة الشمسية هي أثمن كنز طاقي لم يُستغل بعد على وجه الأرض، وأن سبر أغوارها يمثل أنبل المشاريع وأكثرها إثماراً. ولذا لم يكن غريباً أن تُلقب لاحقاً بـ "ملكة الشمس" لتتابع نتاجاتها واختراعاتها المبتكرة.

على الضفة الأخرى، كان هويد هوتيل، أستاذ الهندسة الكيميائية وقائد برنامج الطاقة الشمسية بالمعهد، يقف موقف التشكك والريبة من هذه التكنولوجيا. ولم يتوان في غير ما مرة عن مهاجمة الداعين إليها، متظاهراً بالواقعية ومتهماً إياهم بالتفاؤل الساذج والأفكار المشوشة. ونتيجة لهذه النظرة، تصادَم هوتيل مع كابوت وتلبيس حتى انتهى به الأمر إلى طردها من البرنامج. ولكن على الرغم من هذه الشكوك، ظل هوتيل يُعد أحد البناة الأوائل لهذا العلم، إذ رفد المكتبة العلمية بأبحاث تأسيسية، وقام بتشييد أولى المنازل الشمسية التي تعتمد على الأنظمة النشطة.

إن قصة هذين العالمين، بما شهدته من تعاون مثمر وصراعات محتدمة، تروي حكاية فكرة بسيطة في جوهرها، ولكنها استعصت على التطبيق الكامل، ورغم ذلك حملت في طياتها بذور تغيير وجه الحياة البشرية إلى الأبد.

دار تتنفس الدفء

لم يكن دخول هوتيل إلى عالم الطاقة الشمسية وليد تخطيط مدروس، بل جاء من قبيل المصادفة. فقد كان نابغة ينتمي لولاية إنديانا، حاز الشهادة الجامعية وهو في الـ 19 من عمره، وأصبح أستاذاً مساعداً بمعهد ماساتشوستس وهو لم يتجاوز الـ 25. كان جل اهتمامه ينصب على دراسة النيران والأفران الصناعية، غير أنه طُلب منه المساهمة في تأسيس المشروع الشمسي. ولأنه كان المشارك الوحيد الذي تقدم برؤية عملية محددة، فقد جرى تعيينه رئيساً للجنة الطاقة الشمسية بالمعهد، وهو منصب وصفه لاحقاً بأنه جاء في سن مبكرة للغاية.

استغل هوتيل التمويل السخي من منحة كابوت في دراسة المجمعات الشمسية ذات الألواح المسطحة، وهي أدوات بسيطة مغطاة بالزجاج كانت تُستخدم في كاليفورنيا وفلوريدا لتسخين المياه المنزلية. وأثمرت جهوده عن تشييد مبنى تجريبي في حرم المعهد عام 1939، عُرف لاحقاً باسم "ام اي تي 1". تميز هذا البيت الأولي بمجمع شمسي مثبت على السطح يقوم بتسخين المياه، لتُنقل بعد ذلك إلى خزان ضخم تحت الأرض. وكانت هناك مراوح تضخ الهواء فوق الخزان الساخن لتوزعه في أرجاء المبنى، مما ضمن دفأه خلال شتاءين متتاليين في مدينة بوسطن.

وفي عام 1942، أصدر هوتيل ورقة بحثية بالاشتراك مع زملائه تناولت هذا المشروع، وصارت مرجعاً أساسياً في هندسة التدفئة الشمسية، ودليلاً استرشد به المهندسون والبناة لعدة عقود. ولم يكن الهدف من هذا المنشأ أن يُحاكى بحذافيره في الدور السكنية، إذ أوضح هوتيل أن بناء خزان تحت الأرض بسعة 17,000 غالون يعد أمراً مجرداً من أي جدوى اقتصادية في المنازل العادية.

غير أن تطلعات الجماهير كانت تتجه نحو امتلاك دور حقيقية تُدفأ بالكامل عبر الشمس. وبعدما استوعب هوتيل آلية تجميع الحرارة، أدرك أن المعهد مطالب بابتكار وسيلة تخزين أكثر ملاءمة للواقع، كاستخدام خزان صغير يكفي لحفظ حرارة يوم واحد فقط. وكانت هذه العقبة بمثابة البوابة التي ولجت منها ماريا تلبيس إلى عالم التدفئة الشمسية.

سلكت تلبيس مساراً غير مباشر للوصول إلى هذا المجال، حيث بدأت حياتها المهنية بالأبحاث البيولوجية والمتالورجية ذات الصلة بالطاقة. وعقب هجرتها إلى الولايات المتحدة عام 1924، عملت كعالمة فيزياء حيوية في مؤسسة كليفلاند كلينك، وساهمت مع الجراح جورج واشنطن كرايل في ابتكار جهاز كهروضوئي لرصد الموجات الدماغية. وقد نقلت صحيفة "شيكاغو ديلي تريبيون" عام 1934 تفاصيل ذلك المختبر المظلم الذي جعل أنسجة الدماغ تتوهج بنورها الخاص، مفيضة بهالة عجيبة تشبه الإشراق الصوفي.

ثم انتقلت تلبيس للعمل في شركة وستنجهاوس لتطوير سبائك معدنية للأزواج الحرارية القادرة على تحويل الحرارة إلى كهرباء. وحين بلغها نبأ إطلاق البرنامج الشمسي بمعهد ماساتشوستس، بادرت بمراسلة الجامعة تطلب الانضمام إليه، فكان لها ما أرادت. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، كُلفت بالعمل مع هوتيل لتصميم جهاز محمول لتحلية مياه البحر عبر الأشعة الشمسية، وهو ابتداء أبهى بالون يستعين به الطيارون المنكوبون في البحار لاستخراج مياه صالحة للشرب.

ولم تترك تلبيس تطوير الأزواج الحرارية، إذ كانت تواصل تجاربها بشغف. وذكرت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" في بروفايل أعدته عنها عام 1942 أنها كانت تقلب المحاليل فوق اللهب بمختبرات المعهد، واثقة من خطوها ومرددة أن ما يعتقد الناس أنه مستحيل هو ما يستهويني ويستحث همتي للقيام بما يظن الآخرون أن العجز حليفه.

ومع وضَعت الحرب أوزارها، وجّهت أبحاثها نحو معالجة معضلة التدفئة الشمسية العملية، معلنة في مقال نشرته بمجلة "ساينس" أن عقبة التخزين الحراري هي حجر الزاوية والمشكلة الكبرى في هذا المجال.

ورأت تلبيس أن الماء، على الرغم من قدرته التخزينية، يظل محدودة الفعالية ويستلزم خزانات باهظة التكلفة، في حين أن المواد الصلبة كالصخور تبدو أقل كفاءة. ووجدت أن الحل الأنجع يكمن في المواد ذات التغير الطوري، وهي مواد تمتص الحرارة أو تطلقها عند تحولها من الحالة الصلبة إلى السائلة. وشُغفت بشكل خاص بمادة كبريتات الصوديوم المعروفة بـ "ملح غلاوبر"، شائعة الاستخدام في الصناعات الكيميائية.

وعندما شرع المعهد في الإعداد لتجربته الشمسية الثانية، أبدى هوتيل رغبته في بناء دار حقيقية تتسع للسكان. فتقدمت تلبيس باقتراح يتضمن وضع أوعية محشوة بملح غلاوبر خلف جدار زجاجي، لتقوم بامتصاص الكميات الهائلة من الحرارة نهاراً، ثم تعود لتنفثها داخل المبنى مع انخفاض درجات الحرارة ليلاً.

وقد نال هذا الطرح استحسان هوتيل الذي كتب حينها أن الفكرة تفتح آفاقاً واعدة، وأن مساهمة الدكتورة تلبيس قد تحدث فارقاً جوهرياً في مسار مشروعنا.

صدام الرؤى والمبادئ

على الرغم من التقاء غايات هوتيل وتلبيس في تشييد بيت شمسي مأهول، إلا أن الرؤية المنظمة لكل منهما كانت تنطلق من فلسفة مختلفة تماماً.

فقد أدار هوتيل فريق الطاقة الشمسية لأكثر من عقدين، لكن هذا المجال لم يكن سوى واحد من بين مشاريع جمة انشغل بها. وكعادة الأكاديميين، كان يتقبل المهام البحثية المختلفة متى ما توافر لها تمويل من الشركات أو الجهات الحكومية. فقد درس المحركات النفاثة التضاغطية، وصمم جهازاً لتنقية عوادم السيارات من أول أكسيد الكربون، كما انكب خلال الحرب العالمية على تطوير قاذفات اللهب المجهزة للدبابات وقنابل النابالم، فضلاً عن ابتكاره لجلد محاكٍ لتقييم أثر الانفجارات الذرية على أجساد البشر.

وكان هوتيل ينظر إلى تجميع الطاقة الشمسية باعتباره مجرد مسألة هندسية واقتصادية، عارياً عن أي بعد إنساني أو ضرورة مجتمعية. ولم يفتأ يعرب عن تشككه في مستقبلها، مستنداً إلى وفرة الوقود الأحفوري ورخص ثمنه، ناهيك عن بزوغ عصر الطاقة النووية. وكان يسخر دوماً ممن يستدلون على كفاية الشمس بالكميات الهائلة لضوئها المنبعث.

وقد جهر بهذه الرؤية في محاضرة ألقاها عام 1940، حين صرح بأن هذه الأرقام لا قيمة لها في حسابات الاستغلال العملي، وأنها لم تجذب سوى ثلة من المخترعين الهواة الذين نهجوا نهجاً ينقصه المنطق السليم ولا يحركه سوى تفاؤل واهم. وأوضح أن القدر المستفاد فعلياً من طاقة الشمس يظل رهيناً بتقلبات الطقس وقصور آليات التجميع.

وليس مستبيناً حتى اليوم السبب الذي دفع هوتيل لمواصلة أبحاثه الشمسية لسنوات طويلة رغم اقتناعه العميق بعدم جدواها. ولعل الدافع كان مزيجاً من الفضول العلمي المستمر، ورغبته في ارتياد آفاق جديدة كما حدث في مشروع "ام اي تي 1"، إضافة إلى ما تسبغه قيادة فريق بحثي مرموق من مكانة اجتماعية وعلمية عززت موقعة في المعهد.

وقد أتاح تمويل كابوت لهوتيل وطلابه إنجاز عدد كبير من الأوراق البحثية التي تعد المعيار الأساسي للنجاح الأكاديمي. وأمام هذا التمويل المستقر، لم يكن منطقياً أن يتخلى عن السيطرة على فرصة تمنحه حرية صياغة تجاربه دون الخضوع لرغبات الشركات. وهكذا استمر الصندوق الشمسي في عطائه، حتى وإن فتر اهتمام هوتيل أحياناً، أو رأى المعهد لاحقاً أن إنتاجية البرنامج لم تكن في مستوى التطلعات.

ورغم تهكم هوتيل المتكرر على الصحافة الحماسية التي تتناول البيوت الشمسية، إلا أنه كان يجد في المقابلات الإعلامية فرصة للظهور بمظهر العالم الصارم والمحلل الاقتصادي الدقيق الذي لا تجرفه العواطف.

وفي هذا السياق، يذكر المؤرخ المعماري أنطوني دينزر أن هوتيل كان يباخي بدوره كمشكك، موقناً أنه يقدم خدمة جليلة عبر بث التحذيرات والحد من الشغف غير المحسوب.

في المقابل، كانت تلبيس تنظر إلى سبر أغوار الطاقة الشمسية بوصفه رسالة نبيلة لخدمة البشرية، مصطفة في ذلك مع كابوت وعلماء بارزين من أمثال فارينغتون دانيالز ويوجين أيرز. وبخلاف هوتيل، كرست تلبيس بقية حياتها المهنية لدراسة الأفكار الشمسية وتطبيقها، مداغعة بصلابة عن هذا المجال أمام المشككين.

وكتبت في أزيائها البحثية عام 1951 أن المهندسين المحافظين يواجهون التدفئة الشمسية بسخرية استعلائية، مشبهة إياهم بأولئك الذين فضلوا عربات الخيل على السيارات الأولى لقصر نظرهم واقتصارهم على النتائج القريبة. وأضافت أنه وإن كانت الولايات المتحدة تنعم بالوقود، فما بال الشعوب التي تفتقر إلى الفحم والنفط؟ وماذا عن التلوث وحرائق التعدين الناجمة عن استخدام الوقود التقليدي؟

وأكدت أن الطاقة الشمسية هي المصدر الأكثر نظافة وأماناً صحياً، وأن المبالغ المنفقة على أبحاثها لا تقارن مطلقاً بالاستثمارات الضخمة في استخراج الموارد الطبيعية الأخرى، جازمة بأن الإنسان سيلجأ للشمس لا محالة، فما الداعي للمماطلة؟

كان من المحتوم أن تقود هذه الفروق الفكرية الشاسعة إلى صدام مباشر بين الرجل والمرأة. غير أن جذور الجفاء قد تعود إلى أول مشروع جمع بينهما.

ففي عام 1942، أنجزت تلبيس نموذجاً أولياً لجهاز تحلية المياه مخصص للطيارين، وحازت إشادة واسعة. غير أن هوتيل قام بتغيير الشركة المصنعة 3 مرات سعياً لتقليل التكاليف، مما أدى إلى تأخير تسليم الجهاز للجيش الأمريكي حتى وضعت الحرب أوزارها. وأعربت تلبيس وكابوت عن استيائهما الشديد من هذه المناورات التي جردت الابتكار من قيمته العملية في وقت كان أحوج ما يكون إليه.

الإخفاقات الباهرة

إذا كان الخلاف حول جهاز التحلية قد أحدث شرخاً بين الطرفين، فإن انشغال تلبيس بملح غلاوبر هو الذي قطع ما بينهما من أسباب. فالمادة التي بدت واعدة في البداية أظهرت عيوباً قاتلة؛ إذ أدت التجارب التي أجريت على البيت الشمسي الثاني عام 1946 إلى انفصال المادة إلى طبقاتها الأولية، مما تسبب في تآكل الحاويات وتسرب محتواها.

وحسبما يروي المؤرخ دانيال باربر، فقد ألقى هوتيل واللجنة باللوم على تلبيس بتهمة عدم الدقة في تقييم عملية الاختزان الحراري. غير أن تلبيس ردت الاتهام، محملة هوتيل مسؤولية التقصير في الإشراف على طلاب الدراسات العليا الذين أخفقوا في ضبط حرارة المبنى. كما ساءت العلاقات الشخصية بين تلبيس وزملائها، يعود ذلك لشخصيتها الصارمة المدافعة عن آرائها، وربما لانحيازات مضمرة ضد وجود امرأة وتنها وسط فريق هندسي.

وقد تجسد هذا الموقف في التقرير الذي أعده عميد المعهد جورج هاريسون بعد سنوات، إذ وصف تلبيس بأنها امرأة متمسكة بآرائها وتعبر عنها بحزم يعسر معه التوافق معها لفترات طويلة.

أما رئيس المعهد، كارل كومبتون، فقد انحاز لتلبيس في مسألة ملح غلاوبر، وكتب لهوتيل موضحاً أن العالمة ترفض التخلي عن أفكارها لمجرد إخفاق أولي، داعياً اللجنة الشمسية إلى تجنب الاستغراق في القياسات المكررة، والإقدام على خطوة شجاعة عبر تكليف مهندس معماري بتصميم دار صالحة للسكني تعتمد على تقنية التغير الطوري.

غير أن هوتيل، ورغم هذا الدعم الصريح من كومبتون وكابوت، لم يكتفِ برفض مادة ملح غلاوبر، بل أقدم على طرد تلبيس من صندوق الطاقة الشمسية بالكامل، لتُنقل إلى قسم المتالورجيا كي تستأنف أبحاثها القديمة على الأزواج الحرارية.

وبدلاً من بناء دار مأهولة، شيّد هوتيل هيكلاً تجريبياً آخر عُرف باسم "ام اي تي 2"، تكون من حجيرات متجاورة تحتوي كل منها على ترتيبات مختلفة من النوافذ والعلب المليئة بالماء.

وعلى الرغم من أن الجدران المائية أثبتت جدارتها في حفظ الحرارة، إلا أن هوتيل رأى أن تسرب الهواء من النوافذ أفسد التجربة، لتنتهي إلى الفشل. وقد أثار هذا المسلك غضب كابوت من جديد، حتى إنه اقترح عزل هوتيل من رئاسة الصندوق وتعيين شخص آخر يمتلك الجرأة لبناء دار حقيقية، مشيراً إلى ماريا تلبيس.

وعبر كابوت عن تذمره بالقول إنه يود المضي بهذا البحث عبر إسناده لمن يمنحه حق قدره من الاهتمام.

أدرك هوتيل الخطر المحدق بموقعه، ورأى أن تشييد بيت مأهول هو الثمن اللازم للتحفظ برئاسة الصندوق. وسارع بالتعاون مع أستاذ الهندسة المعمارية لورانس أندرسون بتكليف أحد الطلاب لتصميم مخطط يقضي بتحويل المنشأ السابق إلى دار سكنية تُدعى "ام اي تي 3"، تعتمد تقنية المجمعات السقفية التي طورها هوتيل.

وبدا المبنى كأي بيت تقليدي بفضل سقفه المائل وفنائه الخلفي وخزانه المخفي في العلية. وسرعان ما حظي باهتمام إعلامي واسع. ففي عام 1949، أفردت صحيفة "ساترداي إيفنينغ بوست" تقريراً عن القاطنين، وهما الطالب هاري ريد وزوجته جون وابنهما توبي، ينقل سعادتهم البالغة بالمنزل ونظام تدفئته.

ونُقل عن الزوجة جون قولها إن أحداً من أفراد الأسرة لم يصب بأي زكام منذ انتقالهم للعيش في الدار.

وفي أوقات الذروة، كان المنزل يستمد 82% من تدفئته من الشمس، بينما تتكفل السخانات الإضافية بالباقي. ورغم القصور الذي حال دون الوصول إلى نسبة الـ 90% المبتغاة، إلا أن المشروع أثبت صحة الحسابات العلمية لهوتيل بشأن المجمعات المسطحة، ورفع من أسهمه لدى الرأي العام.

ويصف المؤرخ أنطوني دينزر هذا المسلك بكونه خدعة ذكية استغل فيها هوتيل قسم المعمار وعائلة ريد لصناعة حصان طروادة جذاب يستوعب تجاربه ويلهي الناس عن الخلافات المحيطة بجرار إدارته.

من جانبها، لم تستسلم تلبيس للإبعاد، وظلت تنقب عن الفرص لإثبات كفاءة ملح غلاوبر. وتوطدت أواصر الصداقة بينها وبين المهندسة المعمارية الحداثية إلينور رايموند، التي عرفتها على أميليا بيبودي، وهي امرأة ثرية أخرى من وجهاء بوسطن. وبدعم من كابوت وكومبتون، وافقت بيبودي على تمويل مشروع لبناء دار شمسية في بلدتها بمدينة دوفر التابعة لولاية ماساتشوستس.

وعقب تدشين مشروع المعهد الثالث بفترة وجيزة، أتمت النساء الـ 3 بناء "منزل دوفر الشمسي". ورغم أن الصحافة وصفته بأنه يشبه قن دجاج ضخم، إلا أنه تميز بعلية هائلة تتجه جدرانها نحو الجنوب لتستوعب مجمعات زجاجية شاهقة. وتم نقل الهواء الدافئ عبر مراوح إلى مساحات تخزينية تحوي 3,500 غالون من ملح غلاوبر المحفوظ في براميل معدنية.

بدا المشروع نجاحاً باهراً؛ إذ عاش أقارب تلبيس داخل البيت في دفء تام طوال شتاءين، وتصدرت أخبار الدار الصحف بوصفها أول منزل يستغني تماماً عن الوقود التقليدي. وجاء في عنوان صحيفة "لايف" عام 1949 أن بيتاً جديداً في دوفر ينعم بالدفء طوال الشتاء دون حاجة لأفران الوقود. بل إن مجلة "بوبيلار ساينس" اعتبرت هذا الابتكار تطوراً علمياً يفوق في أهميته القنبلة الذرية. وتذكر أندرو نيميثي، الذي نشأ في هذا البيت، أنه استقبل نحو 3,000 زائر من وجهاء المجتمع والصحفيين والفضوليين قبل أن تُعلق الزيارات.

ولاحظ دينزر أن هذا البيت نال قدرات إعلامية لم يحظ بها أي بيت شمسي آخر.

غير أن هذه الهالة الإعلامية أغفلت حقائق كاشفة؛ فإذا كان البيت لم يستهلك الفحم أو النفط، فإن المراوح الكهربائية المستخدمة لتحريك الهواء رفعت فاتورة الكهرباء لمستويات باهظة. وعلاوة على ذلك، تكررت مشكلة انفصال ملح غلاوبر وتآكل البراميل المعدنية وتسربها. وبحلول الشتاء الثالث، كانت العائلة تعاني من البرد القارس.

ويروي نيميثي أنه بعد أيام متتالية من الغيم، انخفضت الحرارة داخل البيت إلى مستويات مفزعة، مما دفع والدته للاحتجاج، وسرعان ما ملأت السخانات الكهربائية جميع الغرف، لينتهي الأمر بإزالة النظام الشمسي وتركيب فرن يعمل بالنفط في العلية.

التحامل وصمود الإرادة

عقب إنجاز مشروع "ام اي تي 3"، دخل الصندوق الشمسي في مرحلة من الركود. وفي عام 1953، أجرى العميد هاريسون تقييماً لشرح أسباب هذا التراجع. ورغم الإشارة العابرة لقيادة هوتيل المتقلبة، إلا أن التقرير انحاز للأستاذ وحمّل كابوت وتلبيس مسؤولية هذا التعثر.

وترى المؤرخة سارة شريف أن التقرير تبنى وجهة نظر هوتيل بالكامل، والذي كان يضمر خصومة لتلبيس بسبب إصرارها الصلب على فكرة الدور الشمسية، وكذا حرصها على التواصل مع الإعلام. ووصل التقرير إلى حد التشكيك في ذكاء تلبيس وأهليتها.

إذ كتب هاريسون أن العالمة تمتلك شبكة معارف نافذين انخدعوا بحماسها الشديد وذكائها الظاهري، وأنها رعت تجارب خارجية ثبُت إخفاقها أو المغالاة في تصميمها الهندسي، مكرراً وصفها بأنها ذات آراء حادة يستحيل التوافق معها.

وتستشف شريف من هذه التعقيبات نزعة تحامل جنساني؛ إذ إن الصلابة التي احتاجتها امرأة لنيل الدكتوراه في الهندسة بالمجر خلال عشرينيات القرن العشرين، ثم الهجرة والعمل في معهد بحجم ماساتشوستس، كانت تتصادم مع التوقعات المجتمعية التي تحصر المرأة في أطر تقليدية، خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

من جانبه، يشير باربر إلى أن وصف العميد لآراء تلبيس بالراديكالية لا يعكس الموقف من التدفئة الشمسية فحسب، بل يشي بتوجس سياسي تجاه امرأة مجرية في ذروة الحراك المكارثي المناهض للشيوعية في أوائل خبيسينيات القرن العشرين.

وبناءً على هذا التقييم، أقدم المعهد على فصل تلبيس. وفي المقابل، قام هوتيل وأندرسون بمحاولة أخيرة عبر تشييد منزل في مدينة ليكسينغتون بهدف بيعه في السوق التجاري. وتميز مشروع "ام اي تي 4" بجدار شمسي مائل يمتد من أعلى السقف نحو سد مرتفع خلف الدار.

ورغم تصدر البيت لغلاف مجلة "بوبيلار ميكانكس"، إلا أنه كان معقداً للغاية؛ إذ احتوى على خزانات مياه متعددة، ونظام هواء مدفوع، وأجهزة تحكم آلية لا تعمل إلا إذا كانت الطاقة المجمعة تتجاوز تكلفة الضخ. وعجز مهندسو المعهد عن صيانة هذه التعقيدات، وامتنع المشترون عن اقتنائه، حتى وصفه دينزر بأنه نجاح إعلامي، ومحاولة جمالية، لكنه كان آلة عاجزة ومأساة اقتصادية، مما أدى لإزالة نظامه الشمسي بعد 4 سنوات.

وعقب هذه التجربة، نفض هوتيل يده من بناء البيوت الشمسية. ورغم أن العديد من العلماء والمهندسين استمروا في تشييد منازل شمسية مبتكرة في العقود التالية، إلا أن هوتيل ظل متشككاً حتى آخر أيام حياته. وفي مقابلة أُجريت معه عام 1995، أبدى تأييده للبحوث النظرية وإيمانه بأهمية الخلايا الكهروضوئية مستقبلاً، لكنه أصر على أن الناس يبالغون في التفاؤل.

وصرح في حديث شفهي عام 1985 مع مؤسسة التراث الكيميائي، والتي تعرف الآن بمعهد تاريخ العلوم، بأن المجتمع يخدع نفسه بشأن الشمس، فهي لا تمنح ما يُدعى لها، وتكلفة استغلالها تظل دوماً أعلى من الخيارات الأخرى. ومع ذلك، فعند وفاته عام 1998، أبت صحيفة "نيويورك تايمز" إلا أن تصفه بأنه أحد الراداد الأوائل في مجال الوقود البديل.

على الضفة الأخرى، أضحت تلبيس رمزاً في عالم التدفئة الشمسية، الذي بدأ يخبو بريقه تدريجياً أمام التمدد الهائل للطاقة النووية والتدفق الزهيد للنفط من الشرق الأوسط. وواصلت المحاضرة في المؤتمرات، وقدمت مشروعاً لبناء دار شمسية في مانهاتن، مما أهلها لشغل وظيفة بجامعة نيويورك.

ولم تتوقف جهودها، إذ شاركت في تقديم الاستشارات لبناء منازل بمدينة برينستون، وساهمت في تخطيط مجمعات سكنية بنيويورك ودالاس، رغم عدم خروجها للنور. وفي أواخر الخمسينيات، صممت "بيت برينستون الشمسي" باستخدام ملح غلاوبر، غير أنه واجه ذات المصير من تآكل الأوعية وفشل الأداء، كما لم يكتب النجاح لمشروعها الآخر المعروف بـ "الجدار الشمسي".

وبعد فترة تدريس قصيرة في جامعة بنسلفانيا، استقرت تلبيس في جامعة ديلاوير، حيث وسعت نطاق أبحاثها لتشمل الخلايا الكهروضوئية المولدة للكهرباء. وفي عام 1971، شيّدت مع فريقها مشروع "سولار 1"، وهو أول بيت يجمع بين توليد الحرارة والكهرباء من الشمس، مما أطلق شرارة النهضة الشمسية في الولايات المتحدة.

وبحلول العصر الذي سادت فيه الألواح الكهروضوئية التجارية، كانت أنظمة التدفئة النشطة التي أفنى هوتيل وتلبيس أعوامهما في تطويرها قد طواها النسيان وصارت مسارات مسدودة، ولم يعد يتواجد منها سوى نماذج معزولة صممها بعض الهواة والشغوفين.

من هذا المنظور، كان هوتيل مصيباً في رؤيته الاقتصادية؛ إذ كانت الوسائل التقليدية دوماً أيسر وأقل تكلفة لاستخراج الحرارة. ولم تتمكن التقنيات الشمسية من التطور بالسرعة الكافية لتلبية الطفرة العمرانية الهائلة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، والتي شهدت تشييد ملايين الدور التعتمد على الغاز والتكييف الكهربائي، خاصة مع ضخ الحكومات وشركات الطاقة مليارات الدولارات لدعم الوقود التقليدي، مما أدى لإزاحة التدفئة الشمسية جانباً.

ولكن من جانب آخر، كان هوتيل مخطئاً في استبعاد آفاق التدفئة الشمسية، وتظل تلبيس جديرة بكل ثناء لإرادتها الصلبة وبصيرتها النفاذة.

لقد أثبتت الدور الشمسية في منتصف القرن العشرين أنها أقل تكلفة في التدفئة مقارنة بالبيوت التقليدية وبفوارق شاسعة. كما حملت منافع بيئية لم يتجلي قدرها العظيم إلا بعد نصف قرن، حين أدرك العالم خطر انبعاثات الاحتباس الحراري. واليوم، مع توظيف العزل الحراري المتقدم والنوافذ المحكمة، أمكن بناء منازل عالية الكفاءة تعرف بـ "البيوت السلبية". إن تلبيس كانت تسير في الطريق الصحيح، غير أن التحولات التقنية والمجتمعية التي حلمت بها كانت سبقت عصرها بسباق طويل.

المصدر

مقالات ذات صلة