يُعد اضطراب الاكتئاب الجسيم، المعروف أيضاً بالاكتئاب السريري، سبباً رئيسياً للعجز في جميع أنحاء العالم، وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو خمسة بالمائة من مجموع السكان البالغين في العالم. وفي جامعة بيتسبرغ بالولايات المتحدة الأمريكية، تستخدم الدكتورة كيمبرلي يونغ التغذية الراجعة العصبية لمساعدة المرضى المصابين بهذا الاضطراب على التحكم في نشاط أدمغتهم وزيادة مشاعرهم الإيجابية.
تحدث كطبيب نفسي عصبي
اللوزة الدماغية: هي منطقة في الدماغ ترتبط بمعالجة المعلومات العاطفية.
التغذية الراجعة البيولوجية: هي تقنية تُعلم الفرد كيفية التحكم في بعض وظائف جسمه، مثل معدل ضربات القلب.
التحفيز العميق للدماغ: هو إجراء طبي يرسل نبضات كهربائية إلى مناطق محددة في الدماغ.
العلاج بالعدم الكهربائي: هو إجراء يُجرى تحت التخدير العام حيث يتم إحداث نوبة صرعية للتسبب في تغييرات كيميائية داخل الدماغ.
اضطراب الاكتئاب الجسيم: هو مرض نفسي يتسم بالحزن وانخفاض المزاج وصعوبة الشعور بالمتعة.
التغذية الراجعة العصبية: هي تقنية تُعلم الأفراد كيفية التحكم في وظائف أدمغتهم.
غير بضاع أو غير جراحي: يُقصد به أي إجراء طبي لا يتطلب إدخال أي أدوات عبر الجلد أو فتحات الجسم الطبيعية.
الكيتامين: هو عقار يُستخدم في الأصل كمخدر للحيوانات ثم البشر، ويُستخدم حالياً لعلاج الاكتئاب.
الوقت الفعلي أو الحي: هو نوع من العمليات التي يمكن فيها تقديم التغذية الراجعة بنفس سرعة حدوث الفعل تماماً.
المريض المقاوم للعلاج: هو الشارع في العلاج الذي لم يستفد من دواوين على الأقل من مضادات الاكتئاب.
العصب الحائر: هو جزء من الجهاز العصبي في الجسم، يلعب دوراً في الهضم وضغط الدم من بين وظائف أخرى. ويؤدي تحفيز العصب الحائر بالإشارات الكهربائية إلى استقرار النشاط الكهربائي للدماغ.
إذا استمر لدى الشخص لمدة أسبوعين أو أكثر تدنٍ مستمر في المزاج، أو ضعف في تقدير الذات، أو فقدان للشغف بالأنشطة التي يستمتع بها عادةً، فقد يكون مصاباً باضطراب الاكتئاب الجسيم. قد يصارع بعض الأشخاص الاكتئاب لبضعة أسابيع أو أشهر خلال مرحلة شاقة بشكل خاص من الحياة، بينما قد يعاني منه آخرون لسنوات طويلة.
يُعد الدعم الاجتماعي، والحث على تغيير نمط الحياة، والعلاج النفسي، والأدوية المضادة للاكتئاب هي العلاجات الأولية للأشخاص المصابين باضطراب الاكتئاب الجسيم، لكنها للأسف لا تجدي نفعاً مع الجميع. تقول الدكتورة كيمبرلي يونغ، وهي طبيبة نفسية عصبية بمعهد ومصحة بيتسبرغ الغربية للطب النفسي: "إن نصف المرضى فقط الذين يسعون للحصول على التدخلات القياسية يحققون هجوعاً واستقراراً مستداماً للمرض. كما أن العلاج السلوكي المعرفي، وهو العلاج النفسي الأكثر شيوعاً، غالباً ما يكون غير فعال لدى المرضى الذين يعانون من حالات مرضية شديدة".
وإذا لم تنجح هذه العلاجات الأولية، فقد يصبح المرضى مصابين باكتئاب مقاوم للعلاج. وعندها قد يجربون علاجات تداخلية مثل العلاج بالتخليج الكهربائي، وتحفيز العصب الحائر، والتحفيز العميق للدماغ، أو قد يُوصف لهم عقار الكيتامين، وكلها إجراءات تنطوي على مخاطر كبيرة للمرضى. تضيف كيمبرلي: "على الرغم من أن الكيتامين أظهر آثاراً مبتكرة وواعدة كمضاد للاكتئاب، إلا أنه يمكن أن يسبب أيضاً الهلوسة، وارتفاع ضغط الدم، والارتباك الذهني". ولابتكار علاج آمن وفعال وغير جراحي لاضطراب الاكتئاب الجسيم، وجهت كيمبرلي اهتمامها نحو منطقة في الدماغ تُسمى اللوزة الدماغية.
ما هي اللوزة الدماغية؟
تقع اللوزة الدماغية في عمق الجزء الأوسط من الدماغ. تقول كيمبرلي: "يعلم معظم الناس أن اللوزة الدماغية تشارك في استجابة المواجهة أو الهروب، ولكنها تفعل ما هو أكثر من ذلك بكثير. فاللوزة الدماغية هي جزء من الدماغ يستجيب للمعلومات الهامة، سواء كانت إيجابية أم سلبية، وتساعد في توجيه السلوك بناءً على هذه المعلومات".
يمتلك الأشخاص المصابون بالاكتئاب لوزة دماغية فرط نشطة تجاه المثيرات السلبية، وأقل تفاعلية تجاه المثيرات الإيجابية، وبالتالي فهي تعمل بشكل مختلف عن اللوزة الدماغية لدى الشخص السليم. توضح كيمبرلي: "بالنسبة للمرضى المكتئبين، هذا يعني أن الأمور السلبية تبرز بوضوح بينما لا يتم ملاحظة الأشياء الإيجابية". أدركت كيمبرلي أن العديد من خيارات العلاج المتاحة حالياً لاضطراب الاكتئاب الجسيم كانت تهدف إلى السيطرة على الأفكار السلبية، ولكن القليل منها فقط حاول زيادة الأفكار الإيجابية بدلاً من ذلك. "من خلال استهداف اللوزة الدماغية، فإن هدفنا هو جعل الذكريات الإيجابية تبرز بشكل أكبر وتكون أكثر فائدة للأفراد".
كيف يمكن لكيمبرلي تحقيق ذلك؟
لرؤية نشاط منطقة معينة من الدماغ مثل اللوزة الدماغية، تستخدم كيمبرلي التغذية الراجعة العصبية القائمة على التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. يعتمد التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي على نفس التكنولوجيا التي يعمل بها التصوير بالرنين المغناطيسي التقليدي، ولكن هناك اختلافات جوهرية بينهما. فبينما تُعد أجهزة الرنين المغناطيسي أجهزة مسح تنتج صوراً لشكل الجسم وتسمح للأطباء بالتأكد من أن كل شيء في مكانه الصحيح، يلتقط الرنين المغناطيسي الوظيفي صوراً لنشاط الدماغ أثناء أدائه لوظيفة محددة.
وعلى وجه التحديد، تستخدم كيمبرلي تقنية تُسمى التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي في الوقت الفعلي. تقول كيمبرلي: "هذه تقنية تسمح بمعالجة البيانات بنفس سرعة الحصول عليها". هذا يعني أن المريض الذي يخضع للرنين المغناطيسي الوظيفي في الوقت الفعلي يمكنه رؤية أفكاره ومشاهدة نشاط دماغه أثناء حدوثه بالفعل.
كيف يكتشف جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي النشاط الدماغي؟
موقع اللوزة الدماغية في المخ الدكتورة كيمبرلي يونغ في مختبرها بجامعة بيتسبرغ مريض داخل ماسح الرنين المغناطيسي مقياس الحرارة الذي يراه المرضى والذي يمثل نشاط اللوزة الدماغية لديهم والذي يحاولون زيادته من خلال التدريب
يعمل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي عن طريق قياس التغيرات الدقيقة في مستويات الأكسجين في الدم ضمن الجزء النشط من الدماغ. تقول كيمبرلي: "كلما كانت منطقة معينة في الدماغ أكثر نشاطاً، كلما استهلكت أكسجين الدم بدرجة أكبر. وهذا قياس غير مباشر للنشاط العصبي".
قبل أن يدخل مرضى كيمبرلي إلى ماسح الرنين المغناطيسي الوظيفي، تعمل معهم للوصول إلى بضع ذكريات إيجابية يحتاجون إلى التفكير فيها أثناء وجودهم داخل الجهاز. غالباً ما تكون الذكريات الإيجابية صعبة الاستحضار بالنسبة للمرضى المصابين باضطراب الاكتئاب الجسيم، خاصة وأنهم قد يعانون من تدني تقدير الذات. على سبيل المثال، المريض المكتئب الذي يمتلك ذكرى ليوم تخرجه يفترض أنها إيجابية، قد يظل يحمل رابطاً سلبياً مع هذه الذكرى إذا شعر أنه لم يستغل تعليمه بالشكل الأفضل منذ ذلك الحين.
بمجرد أن يستقر المرضى على بضع ذكريات إيجابية، يدخلون جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي، وتطلب منهم كيمبرلي استرجاع هذه الذكريات بين طيات أنفسهم، حيث لا يمكنهم التحدث أثناء وجودهم في الماسح لأن الصور ستصبح ضبابية. يقيس جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي النشاط في اللوزة الدماغية، مما يسمح لكيمبرلي وللمريض برؤية ما يحدث في أدمغتهم عندما يفكرون في عاطفة إيجابية.
توضح كيمبرلي: "من خلال التركيز على الجوانب الهامة والإيجابية بشكل خاص في ذكرياتهم، سيزداد استجابة اللوزة الدماغية لديهم". تتيح هذه العملية للمرضى معرفة الشعور الذي يتولد عندما تكون اللوزة الدماغية لديهم نشطة وتتفاعل مع العواطف الإيجابية، حتى يتمكنوا من العمل على تكرار ذلك بشكل أكبر.
تشرح كيمبرلي: "تسمح التغذية الراجعة العصبية للأفراد برؤية مدى نشاط أجزاء معينة من أدمغتهم في الوقت الفعلي بهدف تعليمهم كيفية التحكم فيها". ومن خلال تقديم تغذية راجعة فورية لمرضاها حول نشاط أدمغتهم، يمكن تدريبهم بمرور الوقت على تعلم السيطرة على ذلك النشاط وزيادة مشاعرهم الإيجابية.
لماذا يُعد جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي ضرورياً؟
تُعتبر استعاضة جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي لإشراك اللوزة الدماغية للمريض أمراً أساسياً في علاج كيمبرلي. تقول كيمبرلي: "إن مجرد طلب استرجاع الذكريات الإيجابية من مرضى الاكتئاب يجعلهم في الواقع أكثر اكتئاباً. فبالنسبة للمرضى المصابين باضطراب الاكتئاب الجسيم، لا تكون اللوزة الدماغية نشطة عندما يتعاملون مع المثيرات الإيجابية، وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تجعلهم يعانون من الاكتئاب. نحن نعتقد أن السر يكمن في تذكر الذكريات الإيجابية مع إشراك مناطق الدماغ الصحيحة وتفعيلها أمام أعين المرضى ليروها بأنفسهم".
ما هي العقبات التي واجهتها كيمبرلي؟
كانت إحدى المشكلات التي كان على كيمبرلي العمل ضدها هي التغذية الراجعة السلبية وعدم التصديق من جانب العلماء الآخرين. "في أول عرض تقديمي لي لهذا البحث، جاء إليّ أحدهم وقال إن هذا مجرد كلام مثل قصة بيتر بان، فكر في ذكريات سعيدة وسوف تطير".
ومع ذلك، حافظت كيمبرلي على حافزها بل وقبلت هذه الاستعارة وتأقلمت معها. توضح كيمبرلي: "في قصة بيتر بان، إذا فكرت في أفكار سعيدة وقزت من النافذة، فسوف تسقط. ولن تتصل بالقدرة على الطيران إلا بعد أن يُرش عليك غبار الجنيات السحري. وكما قلت، إذا طلبت من مرضى الاكتئاب مجرد تذكر ذكريات إيجابية، فسوف يشعرون بوضع أسوأ. إن تذكر الذكريات الإيجابية أثناء إشراك اللوزة الدماغية هو ما يتيح للأفراد الاستفادة من ذكرياتهم. إن التغذية الراجعة العصبية للوزة الدماغية هي بمثابة غبار الجنيات السحري بالنسبة للدماغ".
إلى أين يمكن أن يتجه هذا البحث مستقبلاً؟
تتمثل خطوات كيمبرلي القادمة في إجراء تجارب سريرية واسعة النطاق حيث يمكنها مقارنة التغذية الراجعة العصبية بالعلاجات المتاحة الأخرى مثل مضادات الاكتئاب والعلاج النفسي والكيتامين. وتقول: "نريد أن نظهر مدى كفاءة هذا التدخل بالمقارنة مع العلاجات الأخرى وتحديد المرضى الذين قد يعمل معهم هذا العلاج بأفضل شكل ممكن".
عن الطب النفسي العصبي
وفقاً للجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، فإن الطب النفسي هو الفرع الطبي الذي يركز على تشخيص الاضطرابات النفسية والعاطفية والسلوكية وعلاجها والوقاية منها. وسوف يعاني ما يقرب من واحد من كل عشرين بالغاً في العالم من الاكتئاب في حياتهم، وسوف يواجه واحد من كل خمسة بالغين في الولايات المتحدة شكل من أشكال الاضطراب النفسي. ونتيجة لذلك، فإن اختيار العمل في الطب النفسي يمكن أن يتيح لك تحقيق تحسينات كبيرة في حياة الناس، سواء من خلال المساعدة في تقديم العلاجات الحالية أو تمهيد الطريق لتقنيات جديدة وريادية.
الطب النفسي العصبي هو فرع فرعي من الطب النفسي يركز على دور الدماغ في ظهور الاضطرابات النفسية والتعافي منها.
يخلط العديد من الناس بين الأطباء النفسيين والأخصائيين النفسيين، لكنهما مهنتان مختلفان تماماً. الأطباء النفسيون هم متخصصون أطباء يمكنهم وصف الأدوية وتقديم مجموعة من العلاجات للاضطرابات النفسية المعقدة، بينما يقدم الأخصائيون النفسيون العلاج النفسي القائم على المحادثة ولا يشترط أن يكونوا أطباء بشريين.
ما الذي تجده كيمبرلي مجزياً في العمل بالطب النفسي؟
"نحن نستخدم بالفعل ما تعلمناه من عقود من أبحاث التصوير العصبي في أسباب الاكتئاب لتطوير علاج جديد. إن لبحثي القدرة على تغيير حياة الناس للأفضل، وهذا أمر مجزٍ للغاية".
ما هي الفرص البحثية التي ستكون متاحة للجيل القادم من الأطباء النفسيين؟
تقول كيمبرلي: "يتجه هذا المجال نحو نهج علاجية أكثر طابعاً شخصياً. فبدلاً من تطبيق نهج موحد يناسب الجميع في العلاج، سننظر في المستقبل إلى خصائص الأفراد لتحديد العلاج الذي سيعمل بأفضل طريقة معهم. ويشمل ذلك الخصائص العصبية، أو اختيار العلاج بناءً على كيفية عمل أدمغتهم الفردية".
