تتحدد حياتنا بناءً على القرارات التي نتخذها. القهوة أم الشاي؟ اللغة الإنجليزية أم الرياضيات؟ الجامعة أم التدريب المهني؟ نُمضي ساعات في التداول والمفاضلة بشأن بعض القرارات، فنزن الخيارات ونقلق حيال النتائج. بينما نتخذ قرارات أخرى في لحظة خاطفة عبر اتباع حدسنا والثقة بمشاعرنا الباطنية. يدرس البروفيسور رالف هيفنر من جامعة روتشستر بالولايات المتحدة الأمريكية كيفية تأثير توقعاتنا على طريقتنا في تفسير ما نلاحظه من العالم المحيط بنا، وكيف يطبع ذلك اتخاذ قراراتنا بالانحياز.
تحدث كعالم علوم معرفية
الغموض: صفة الشيء القابل للتفسير بطرق متعددة.
انحياز التأكيد: الميل إلى البحث عن المعلومات وتفسيرها بطريقة تدعم أفكارنا واعتقاداتنا الحالية، مع تجاهل أو استبعاد المعلومات التي تتضارب مع معتقداتنا.
المتغيرات المربكة: عوامل غير مرتبطة بالتجربة ولكن يمكن أن يكون لها تأثير غير مرغوب فيه.
الإدراك: العملية التي يجمع من خلالها أعضاء الحس المعلومات ويقوم الدماغ بفك رموزها وإدراك معناها.
انحياز الأسبقية: التأثر بشكل أكبر بالمعلومات التي نتلقتها في البداية، مثل الثقة بالانطباعات الأولى.
انحياز الحداثة: التأثر بشكل أكبر بالمعلومات التي نتلقاها في النهاية، مثل نسيان المعلومات المبكرة.
الانحياز الزمني: انحياز يؤثر على معتقداتنا واتخاذنا للقرارات بناءً على الترتيب الذي نتلقى به المعلومات. ويُعد كل من انحياز الأسبقية وانحياز الحداثة أشكالاً من الانحياز الزمني.
ما القرارات التي اتخذتها اليوم؟ من اللحظة التي نستيقظ فيها حتى اللحظة التي ننام فيها، نكون في حالة اتخاذ قرارات مستمرة. وفي حين يبدو بعضها غير مهم، يمكن لبعضها الآخر أن يغير مجرى الحياة.
يقول البروفيسور رالف هيفنر من جامعة روتشستر: يُعد اتخاذ القرار أحد أهم وظائف دماغنا. فنحن نبني القرارات على معلومات نجمعها من العالم الخارجي، لكن الطريقة التي نفسر بها هذه المعلومات يمكن أن تختلف باختلاف معتقداتنا الشخصية. ويهتم رالف بفهم كيفية تأثير هذه المعتقدات على إدراكنا واتخاذنا للقرارات.
ما العوامل التي تؤثر على اتخاذنا للقرارات؟
يقول رالف: لقد حدد مجال علم النفس طرقاً عديدة ينحاز من خلالها اتخاذ القرار لدى البشر. ويركز بحثي على الانحيازات الزمنية، حيث تُعامل المعلومات بشيء من الاختلاف بناءً على توقيت تلقيها.
على سبيل المثال، تخيل أنك تحاول التوصل إلى قرار بشأن مشاهدة فيلم ما بناءً على آراء أصدقائك فيه. قال الصديق الأول الذي سألته إنه كره الفيلم، بينما قال الصديق الثاني إنه أحبه جداً. قد تنحاز نحو الرأي الأول الذي سمعته وتصل إلى قرار بأن الفيلم لا يستحق المشاهدة. هذا هو انحياز الأسبقية. ومع ذلك، قد تتأثر بشكل أكبر بالتقييم الذي تلقيته أخيراً، وتتخذ قراراً برغبتك في مشاهدة الفيلم. هذا هو انحياز الحداثة.
انحياز الأسبقية
ُيعتبر انحياز الأسبقية مثالاً على نمط أوسع من الانحياز يسمى انحياز التأكيد. يقول رالف: نَميل إلى تفسير المعلومات الجديدة بأسلوب يتوافق مع معتقداتنا القائمة، حتى عندما لا تكونكذلك. وهذا أمر منطقي، فعند تفسير ما يقوله شخص ما، يمكن أن يكون من المفيد مراعاة ما تعلمته من التفاعلات السابقة.
تخيل أن شخصاً ما وصف فيلماً باستخدام كلمة مبهمة مثل "فريد". لتفسير ما إذا كانت هذه الكلمة المبهمة تُقصد بطريقة إيجابية أم سلبية، فمن المنطقي مراعاة ما إذا كانت الأوصاف السابقة إيجابية أو سلبية في الغالب. فإذا كانت الأوصاف السابقة إيجابية، فمن المرجح أن نفسر الكلمات المبهمة بطريقة إيجابية. أما إذا كانت الأوصاف السابقة سلبية، فمن المرجح أن نفسر الكلمات المبهمة على أنها سلبية أيضاً.
بعبارة أخرى، الانطباعات الأولى لها أهمية بالغة. وسواء كانت إيجابية أم سلبية، يمكنها التأثير على كيفية تفسيرنا للمعلومات الغامضة.
ومع ذلك، فإن قوة التأثير تختلف باختلاف الكلمات المستخدمة. فكلما كانت الكلمات أقل غموضاً، ضعف هذا التأثير. تخيل أن عدة أشخاص وصفوا الفيلم باستخدام كلمات إيجابية وسلبية على حد سواء مثل "مذهل" و"رائع" و"سيئ" و"مروع". وبما أنه من الواضح ما تعنيه كل كلمة، فإن تأثير توقعاتنا يغدو أضعف. ومع ذلك، يظل هناك غموض حول ما إذا كان الفيلم يستحق المشاهدة، على الرغم من حقيقة أن لا أحد من هذه الكلمات مبهم في حد ذاته. وهنا ينشأ الغموض من كون الآراء متناقضة فيما بينها.
وفي حين أن تأثير الأسبقية كان معروفاً منذ فترة طويلة، لم تكن هناك نظرية قبل أعمال رالف قادرة على التنبؤ بمدى قوته في حالة أو تجربة معينة.
كيف يدرس رالف هذه الانحيازات؟
على الرغم من أن الأمثلة المذكورة أعلاه تستخدم اللغة لشرح الانحيازات المختلفة، إلا أن بحث رالف يركز على اتخاذ القرارات الإدراكية، حيث لا تعتمد القرارات على الآراء، بل على معلومات إدراكية مباشرة، مثل الصور على الشاشة أو الأصوات الصادرة من سماعات الرأس. وهو يدرس هذا في المختبر عبر تجارب متنوعة تقيم قدرات المشاركين على تفسير المعلومات الجديدة والبحث عنها.
وكما يمكن لكلمات مثل "فريد" أن تكون مبهمة، صمم رالف بعض الظروف التجريبية لتكون مبهمة أيضاً. وفي هذه الظروف، تكون الصور ضبابية والأصوات خافتة. وصُممت ظروف أخرى لتطابق معلومات واضحة ولكنها متناقضة، أي مثل "مذهل ورائع وسيئ ومروع". وفي هذه الظروف، تكون الصور والأصوات واضحة، ولكن يتم تبديلها وخلطها بسرعة، بحيث يكون الانطباع العام مبهماً.
يقول رالف: من خلال دراسة هذه الانحيازات في المختبر، نتمكن من القضاء على المتغيرات المربكة، وتكرار التجارب مرات عديدة، ودراسة مصادر الانحيازات وطبيعتها بدقة متناهية.
ماذا تظهر لنا تجارب رالف؟
يوضح رالف: عندما تكون أجزاء المعلومات الملاحظة لدينا واضحة ولكن متناقضة، نكون أقل عرضة للانحياز مقارنة بما إذا كانت الملاحظات ضعيفة أو مبهمة ولكنها متسقة. وعندما قُدمت للمشاركين في تجارب رالف معلومات إدراكية مبهمة، كانوا أكثر عرضة للانحياز للأسبقية. ومع ذلك، عندما كانت المعلومات الإدراكية واضحة، حتى لو كانت متناقضة، كان المشاركون أكثر عرضة لإظهار انحياز الحداثة، أو عدم إظهار أي انحياز على الإطلاق.
ويوضح رالف أيضاً: يظهر بحثنا أنه في الحالات التي تكون فيها انحيازات التأكيد، مثل انحياز الأسبقية، قوية، نكون أكثر عرضة للثقة الزائدة في قراراتنا. بعبارة أخرى، عندما تكون المعلومات الإدراكية مبهمة، نكون أكثر ميلاً لتفضيل المعلومات التي تدعم معتقداتنا الخاصة والاطمئنان المفرط للقرارات التي نتخذها.
لماذا يُعد دراسة كيفية اتخاذ البشر للقرارات أمراً مهماً؟
يقول رالف: السبب الرئيسي لاتخاذنا القرارات هو التمييز بين الأفعال المختلفة. في الواقع، إن السبب الوحيد لاقتنائنا جهازاً حسياً وقدرة على إدراك الأشياء هو في النهاية اتخاذ قرارات أفضل بشأن ما يجب فعله تالياً. ودراسة كيفية عمل عملية اتخاذ القرار هذه أمر حيوي لفهم المزيد عن الدماغ البشري.
ويوضح رالف: إن فهم كيفية اتخاذ الأفراد للقرارات، وما يحد من قدرتنا أو يمكننا من اتخاذ قرارات جيدة، أمر مهم أيضاً لفهم اتخاذنا للقرارات بشكل جماعي. وهذا صحيح بشكل خاص في السياق السياسي، عندما تجتمع مجموعات كبيرة من الناس لاتخاذ قرارات مجتمعية واقتصادية مهمة. ويضيف رالف: سيكون من المثير للاهتمام دراسة الظروف التي تعزز أو تخفف من انحياز التأكيد في هذا السياق. فالقرارات السياسية تمتلك القوة لتغيير العالم، لذا فإن فهم كيفية تأثرها بالانحيازات يمكن أن يكون له أثر بالغ.
عن العلوم المعرفية
تستكشف العلوم المعرفية تعقيدات العقل البشري وتتفحص كيفية إدراكنا للعالم من حولنا، مع دراسة موضوعات تشمل الذاكرة، واتخاذ القرار، والانتباه، والتفكير المنطقي، واللغة.
يقول رالف: تُعد العلوم المعرفية مجالا متداخل التخصصات في جوهره، حيث توفر العديد من فرص البحث الممتعة عند نقطة الالتقاء بين الاقتصاد السلوكي، والعلوم السياسية، وعلم النفس، وعلم الأعصاب، والذكاء الاصطناعي. إن هذا الجمع بين الموضوعات والتعاون مع الزملاء الآخرين يمكن أن يجعل العلوم المعرفية مجالاً مثيراً للعمل فيه، وممتلئاً بالتعقيد والتحدي والتحفيز. كما يوفر فرصاً للتعلم حول مجموعة واسعة من الموضوعات والتجريب في مجالات قد ترغب في التخصص فيها مع تقدم مسيرتك المهنية.
كثير من العمل في العلوم المعرفية يجري في المختبرات بمشاركة متطوعين من البشر، ويمكن أن يشمل تقنيات مثل مراقبة نشاط الدماغ أو حركة العين أثناء قيامهم بمهام أو الإجابة عن أسئلة. ويمكن للعلوم المعرفية أن تتضمن في كثير من الأحيان إنشاء نماذج محوسبة واستخدام التعلم الآلي لتمكين الذكاء الاصطناعي من محاكاة عمليات التفكير البشري.
بالنسبة لرالف، يوفر العمل في العلوم المعرفية عدداً من المكافآت. يقول رالف بحماس: إن تجربة اكتساب رؤى جديدة وإحراز تقدم نحو الإجابة عن أسئلة ممتعة، وتطوير النماذج أو تصميم تجارب جديدة، والعمل مع زملائي والطلاب وباحثي ما بعد الدكتوراه هي أفضل أجزاء وظيفتي.
ومع ذلك، فإن العلوم المعرفية تأتي مع تحديات. فالبحث في العلوم المعرفية ينطوي غالباً على تصميم تجارب باستخدام مشاركين من البشر، وأحياناً من الحيوانات. ويمكن أن يثير هذا قضايا أخلاقية تتضمن التفكير في الخصوصية والموافقة، وكيفية إجراء البحث بطريقة مسؤولة ومحترمة ومراعية.
إن مواكبة التطورات في استخدام التقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وتقنيات تصوير الأعصاب ولغات البرمجة أمر مثير ومنصة انطلاق ممتازة لمسارات مهنية خارج الأوساط الأكاديمية.
المسار من المدرسة إلى العلوم المعرفية
في المدرسة، ادرس مواد مرتبطة بالعلوم المعرفية تشمل الأحياء، والرياضيات، وعلوم الحاسوب، وعلم النفس. إن التعرف على البرمجة سيمنحك الثقة عندما يتعلق الأمر ببرمجة التجارب، كما أن التعلم عن الإحصاء والبيانات سيساعد في تحليل النتائج.
إن استكشاف موضوعات أخرى تشمل علم الأعصاب، والذكاء الاصطناعي، واللغويات، والفلسفة، والانثروبولوجيا سيعمق فهمك للعقل البشري وكيفية عمله. يقول رالف: ابحث عن مشاريع ممتعة للقيام بها.
ابحث عن أشخاص يشاركونك التفكير نفسه، وعن مسابقات أو معارض علمية لتقديم عملك. فكر في تجارب يمكنك إجراؤها لمعرفة المزيد عن العقل البشري واستكشاف موضوعات مثل الذاكرة البشرية، واتخاذ القرار، والانتباه، والإدراك.
أهم نصائح رالف
- جد مجالات في الحياة تشعر بالشغف تجاهها وتكون جيداً فيها، وابحث عن مشاريع ممتعة للقيام بها.
- عند محاولة الاختيار بين مجالين أو اتجاهين للمتابعة، اتجه نحو الاتجاه الأكثر اعتماداً على التحليل الكمي.
