تعد مهارة ما وراء المعرفة مهارة تنمو وتتطور على مدار مرحلتي الطفولة والمراهقة. ومع نمو الأفراد، تتجه قدرتهم على التقييم الدقيق لمعارفهم والتصرف بناء على هذه التقييمات نحو التحسن. ومع ذلك، يجد بعض الطلاب صعوبة في عملية المراقبة والتحكم القائمة على ما وراء المعرفة، وهو ما يمكن أن يؤثر سلباً في قدرتهم على التعلم. وفي سويسرا، يجري فريق بحثي برئاسة البروفيسورة مارييت فان لون في جامعتي زيورخ وباسل تحريات حول الروابط بين مهارات ما وراء المعرفة لدى الطلاب وقدرتهم على التعلم. لماذا يبدو بعض الطلاب أفضل في التعلم من غيرهم؟ يشير التفكير التقليدي إلى وجود فروق في القدرات المعرفية، مثل الذكاء، أو الذاكرة، أو القدرة على معالجة المعلومات. غير أن إحدى المجموعات البحثية، بقيادة البروفيسورة مارييت فان لون، تتناول هذه المسألة من زاوية مختلفة عبر دراسة كيفية تأثير ما وراء المعرفة في قدرة الطلاب على التعلم.
ما المقصود بمهارة ما وراء المعرفة؟
تشرح مارييت ذلك بقولها إن ما وراء المعرفة مصطلح شامل يشير إلى القدرة على التأمل في عمليات التفكير والتعلم الخاصة بك وتنظيمها. وعلى وجه التحديد، يركز فريقي على كيفية مراقبة الأطفال والمراهقين لتعلمهم والتحكم فيه. وتشير المراقبة إلى قدرة الطالب على تقييم ما يعرفه وما لا يعرفه، في حين يشير التحكم إلى قدرته على اتخاذ إجراءات لتحسين تعليمه.
وتضيف مارييت قائلة إن الأمر يشبه إلى حد ما طريقة عمل منظم الحرارة الذي يحافظ على ثبات درجة الحرارة في الغرفة، إذ يحتاج منظم الحرارة إلى تقييم درجة الحرارة باستمرار، ثم بناء على تلك المراقبة، يتخذ إجراء معيناً مثل تدفئة الغرفة أو تبريدها. وهذه العملية، بمجرد تطورها، تحدث بشكل تلقائي. على سبيل المثال، وأنت تقرأ هذا المقال، قد تصادف فقرة لا تفهمها على الفور، فتتخذ قراراً بإعادة قراءتها، وتلك عملية مراقبة وتحكم تتجلى في واقع العمل.
كيف تتطور مهارة ما وراء المعرفة؟
توضح مارييت أن القدرات المتعلقة بما وراء المعرفة تتطور بشكل ملحوظ خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة. ومع كبر سن الأفراد، تكتسب قدرتهم على التقييم الدقيق لمعارفهم والتصرف بناء على هذه التقييمات طابعاً أكثر دقة وصقلاً.
ولكن الأطفال لا ينتمون ولا يتطورون بالمعدل نفسه، وينطبق الأمر ذاته على قدراتهم المتعلقة بما وراء المعرفة. وتقول مارييت إن بعض الطلاب أفضل في مراقبة المواضع التي يؤدون فيها بشكل جيد والمواضع التي يعانون فيها من ثغرات في معارفهم. فعلى سبيل المثال، أثناء تأدية مهمة قراءة، يستطيع هؤلاء الطلاب تقييم مدى فهمهم للمحتوى والعودة لإعادة قراءة الأجزاء التي لم يفهموها. وتتابع مارييت مبينة أن هناك طلاباً آخرين قد يمرون على المعلومات دون مراقبة مدى فهمهم لها، فهم ينجزون المهمة ولكن دون أن يطرحوا التساؤلات على أنفسهم أو يدركوا أخطاءهم.
يمكن لهذه القدرات المتعلقة بما وراء المعرفة أن تحدث تأثيراً هائلاً في قدرة الطالب على التعلم. وتشير مارييت إلى أنه قبل بضع سنوات، أوضح أحد التحليلات الشاملة أن العمليات المتعلقة بما وراء المعرفة لا تقل أهمية عن الذكاء عندما يتعلق الأمر بالتحصيل الأكاديمي. وتضيف قائلة إن نتائج أبحاثنا مع المراهقين تشير إلى نمط مماثل، فعلى الرغم من أن الذكاء مؤشر مهم للتنبؤ بالتعلم، فإن مهارات المراقبة والتحكم في ما وراء المعرفة تؤثر أيضاً في مدى جودة تعلم الطلاب وأدائهم الأكاديمي، إذ تقدم هذه المهارات مساهمة فريدة تتجاوز حدود الذكاء وتتفوق عليه.
كيف يدرس الفريق مهارة ما وراء المعرفة؟
تقول مارييت إن السؤال الرئيسي الذي نريد إجابته هو لماذا يبرع بعض الطلاب أكثر من غيرهم في المراقبة والتحكم؟ ولكننا نريد أيضاً الخوض في أبعاد أعمق من ذلك، فنحن نرغب في فهم المزيد عن مهارات ما وراء المعرفة وإجابة أسئلة بحثية متنوعة.
على سبيل المثال، يرغب فريق مارييت في معرفة ما إذا كانت المراقبة والتحكم مهارات يمكن تطبيقها بالطريقة نفسها عبر مهام مختلفة، سواء كانت القراءة، أو الرياضيات، أو تعلم لغة ما، أم إن هذه المهارات مرتبطة بمهام محددة. كما يرغبون في تقصي العلاقة بين هاتين المهاراتين، لمعرفة ما إذا كانت المراقبة والتحكم مهارات منفصلة حقاً، أم إنهما جزءان لمهارة شاملة واحدة.
ومع وضع هذه الأسئلة في الحسبان، تتعاون مارييت وفريقها مع المدارس لإجراء أبحاثهم. وتوضح مارييت قائلة إن أبحاثنا تعتمد على علم النفس المعرفي، ولكن بدلاً من العمل في المختبر، نُجري أبحاثنا داخل البيئات المدرسية. فنحن نطلب من الطلاب إكمال مهمة تعليمية ونطلب منهم تقييم مدى تأكدهم من صحة إجاباتهم ومدى احتمال احتفاظهم بالمعلومات.
كما يسجل الفريق الأجزاء التي يركز عليها الطلاب في المهمة والعناصر التي يعودون إليها لتحسين تعلمهم. وتذكر مارييت أنهم ينظمون مسابقات يحصل فيها الطلاب على نقاط للإجابات الصحيحة وتُخصم منهم نقاط للإجابات الخاطئة، وعند تقييم ما وراء المعرفة بهذه الطريقة، فإن ذلك يشجع الطلاب على التأمل الدقيق في مدى صحة إجاباتهم.
في العديد من تجارب علم النفس المعرفي، يتعين على المشاركين إكمال المهام تحت قيود زمنية ودون فرصة لإعادة النظر في إجاباتهم. لكن مارييت وفريقها يتبعون أسلوباً مختلفاً قليلاً. وتوضح مارييت قائلة إننا نجمع بين التجارب المضبوبة والبحث في التعلم الموجه ذاتياً، حيث يمكن للطلاب أخذ زمام تعلمهم بأيديهم. وفي مهامنا، يمكن للطلاب أن يقرروا بأنفسهم المقدار الزمني الذي يقضونه في كل عنصر، والتأمل في تعلمهم، وقضاء وقت في إعادة الدراسة لتحسين إجاباتهم. وبهذا المعنى، فإن هذا الأسلوب ألقرب بكثير إلى البيئة المدرسية الفعلية، حيث لا يكون التعلم مجرد حدث يقع لمرة واحدة، بل هو عملية مستمرة وقابلة للتكيف.
ما الذي اكتشفه الفريق؟
تقول مارييت إننا وجدنا في دراسة حديثة أن معظم الأطفال يمتلكون مهارات مناسبة لأعمارهم وتتطور مع مرور الوقت. ومع ذلك، كانت هناك مجموعة صغيرة من الطلاب المتأخرين في تطور ما وراء المعرفة والذين واجهوا صعوبة في تقييم تعلمهم الذاتي واتخاذ الإجراءات اللاحقة لتحسينه. والملاحظ أنه مع تطور ما وراء المعرفة لدى الطلاب الآخرين بمرور الوقت، واجهت هذه المجموعة صعوبة كبيرة في التحسن.
أدت هذه النتائج إلى طرح العديد من الأسئلة الإضافية التي ترغب مارييت وفريقها في إجابتها. وتساءلت مارييت قائلة: هل يبدي بعض الأطفال صعوبات مستمرة في تطور ما وراء المعرفة؟ وهل هذا شيء يمكننا تحديده وتشخيصه بدقة؟ وكيف يمكننا رصد الأطفال الذين يحتاجون إلى الدعم بدقة؟ ونحن نجد إجابات في أبحاثنا، ولكن عندما نصل إليها، تظهر لدينا دائماً أسئلة جديدة.
ويرز سؤال واحد على وجه الخصوص يفرض نفسه فوراً: ما الذي يمكن للمعلمين فعله لدعم الطلاب الذين يعانون من صعوبات في ما وراء المعرفة؟
نصائح للمعلمين
تقول مارييت إن أبحاثنا تركز على العمليات الفردية للمراقبة والتحكم في ما وراء المعرفة. ولكن بالطبع، يتشكل تعلم الطلاب بفعل عوامل عديدة، بما في ذلك الثقافة المدرسية وإدارة الفصل الدراسي. وتعتمد هذه المقترحات على أبحاث ما وراء المعرفة وقد تساعدك في التفكير في كيفية دعم الطلاب الذين لا تزال قدراتهم في ما وراء المعرفة قيد التطور.
تحديد الطلاب الذين يعانون من صعوبات
تشير الأدلة الحالية إلى أن المعلمين لا يقدرون دائماً مهارات المراقبة والتحكم لدى طلابهم بشكل دقيق. وتقول مارييت إنه في حين أن المعلمين قادرون على تحديد الطلاب الذين يتمتعون بمهارات جيدة في ما وراء المعرفة، فإنهم يجدون صعوبة أكبر في أغلب الأحيان في رصد أولئك الذين يعانون من صعوبات. وقد وجدت الدراسات أن هذا يرجع في كثير من الأحيان إلى أن المعلمين يحكمون على قدرات طلابهم بناء على معلومات لا دلالة لها بشكل مباشر على مهارات ما وراء المعرفة لديهم.
على سبيل المثال، يستند بعض المعلمين في هذه الأحكام إلى مدى نشاط الطالب في الفصل، أو مدى اندماجه في المهام التعليمية، أو مدى جودة درجاته. وتذكر مارييت أن الجنس والفرعية العرقية يبدوان مؤشرين يلعبان دوراً أيضاً، إذ يميل المعلمون إلى التقليل من قدرات البنين بدرجة أكبر قليلاً من البنات، فضلاً عن الطلاب المنتمين إلى خلفيات الأقليات.
وتقترح مارييت أن أفضل طريقة لتقييم قدرات طلابك في ما وراء المعرفة هي ملاحظة مدى جودة تقييمهم لأعمالهم الخاصة. وتقول مارييت إن مجرد طلبك من الطلاب وضع درجات لإجاباتهم الخاصة يمكن أن يمنحك الكثير من المعلومات حول مدى جودة قدرتهم على التمييز بين الأخطاء والإجابات الصحيحة. ومن المهم للطلاب أن يكونوا قادرين على تحديد أخطائهم، ولكن من المهم بالقدر نفسه بالنسبة لهم إدراك المواضع التي قدموا فيها إجابات صحيحة، إذ قد يفقدون الثقة والدافعية إذا اعتقدوا أنهم يرتكبون الأخطاء دائماً.
توفير فرص للممارسة
تؤكد مارييت على أهمية خلق فرص لطلابك لممارسة مهارات المراقبة والتحكم لديهم. وقد وجدت بعض الأبحاث أن المعلمين يميلون إلى تقديم فرص أقل للطلاب ذوي الأداء المنخفض لممارسة التعلم الموجه ذاتياً، مما قد يمنعهم من تحسين مهارات المراقبة والتحكم لديهم. ومن الضروري دعم التطور القائم على ما وراء المعرفة لدى جميع الطلاب.
وقد ثبت أن بعض التدخلات المحددة تحسن من عملية المراقبة لدى الطلاب. وعلى الرغم من أن هذه الأدلة تأتي في الغالب من تجارب في بيئات مضبوبة بدلاً من البيئات الفصلية، فإن هذه التدخلات تقدم نقطة بداية قائمة على أسس نظرية.
فعلى سبيل المثال، في التعلم الذي يستهدف الاسترجاع، يمكن أن يكون استخدام التقييم المؤجل والتقييم الذاتي فعالاً. اطلب من طلابك تقييم مدى تذكرهم لكل عنصر بعد فترة تأخير قصيرة، بدلاً من التقييم المباشر بعد الدراسة فوراً. وسيسمح لهم ذلك بتحديد المعلومات التي تعلموها والتي لم يتعلموها بشكل أكثر دقة.
وتوضح مارييت أنه عندما يستهدف التعلم الفهم الاستيعابي، فقد تكون مهام التوليد أكثر الفاعلية. واطلب من طلابك إنشاء ملخصات، أو خرائط مفاهيم، أو مخططات بيانية بعد فترة قصيرة من دراسة المعلومات. ويمكن لهذه المهام أن تساعد الطلاب على اكتساب رؤى حول مدى فهمهم للمفاهيم وعلاقاتها ببعضها البعض.
خلق فرص لتقديم التغذية الراجعة
تعد التغذية الراجعة واحدة من أكثر المؤثرات الفعالة في كل من المراقبة والتحكم. وتقول مارييت إن الطلاب الأصغر سناً يستفيدون أكثر من التغذية الراجعة الفورية والصريحة والمحددة، بينما يمكن للطلاب الأكبر سناً الاستفادة من التغذية الراجعة المنسقة في شكل أسئلة تأملية. وإن حث الأطفال على التفكير في كيفية تناولهم لمهمة ما، والستراتيجيات التي استخدموها، وكيفية وصولهم إلى استنتاجاتهم، يدعم قدرتهم على مراقبة تعلمهم.
كما يظهر أن التدريب الصريح للطلاب على استخدام ستراتيجيات التحكم أمر فعال أيضاً. وتختتم مارييت بقولها إن تعليم الطلاب الدراسة بشكل ستراتيجي، مثل قضائهم وقتاً أطول في العناصر الصعبة وتجاهل المعلومات غير الصلة، يمكن أن يساعدهم على اتخاذ قرارات تحكم أفضل وتحقيق نتائج تعلم أفضل. وعلى الرغم من الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث القائمة على الفصول الدراسية حول عمليات التحكم، فإن فريقنا البحثي يتقصى هذا الموضوع بفاعلية ويجيب عن أسئلة جديدة.
