عادة ما تقترن القرارات المتعلقة برفع أسعار الفائدة بزيادة معدلات البطالة في الاقتصاد؛ فعندما يتقلص الطلب الاستهلاكي وتغدو تكاليف الاستثمار أكثر إرهاقاً، تتراجع الشركات عن فتح فرص عمل جديدة، مما يضع الباحثين عن عمل في مواجهة منافسة محتدمة على شغل عدد محدود من الوظائف المتاحة، وينتهي المطاف بارتفاع نسبة البطالة.
غير أن الاقتصاد البريطاني شذّ عن هذا المسار التقليدي في الآونة الأخيرة؛ ففي الفترة من ديسمبر 2021 إلى أغسطس 2023، رفع بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي من 0.25% إلى 5.25%، واستقر الفائدة عند هذا المستوى حتى يوليو 2024، قبل أن يتجه البنك إلى خفضه ليصل إلى 4.75% في أوائل ديسمبر.
وفي المقابل، سجلت معدلات البطالة انخفاضاً هائلاً وصل إلى مستويات قياسية؛ فقد بلغت النسبة 4.2% في الأشهر الثلاثة المنتهية في ديسمبر 2021، هابطة من أعلى مستوياتها أثناء الجائحة البالغة 5.3% في بداية ذلك العام. وواصل المعدل هبوطه حتى بلغ 3.6% في يوليو 2022، وهو أدنى مستوى تسجله البلاد منذ عام 1974.
وفي الوقت ذاته، تراجعت أعداد الوظائف الشاغرة من ذروتها البالغة 1.30 مليون في مايو 2022 إلى 0.87 مليون في يوليو 2024. ويكشف هذا التتبع الزمني أن انخفاض البطالة وتراجع الفرص الشاغرة جرا بالتوازي مع رفع الفائدة، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة العلاقات المركبة التي تربط الوظائف الشاغرة بالبطالة والتضخم.
منحنى بيفريدج وحركة إعادة توزيع الوظائف عقب الجائحة
تعتمد الأدبيات الاقتصادية على منحنى بيفريدج لشرح العلاقة العكسية المقترنة بين معدل الوظائف الشاغرة ومعدل البطالة. فعندما يتراجع عدد الوظائف المتاحة، تشتد المنافسة بين العاطلين للحصول عليها، مما يزيد من صعوبة التأهيل والالتحاق بالعمل، ويفضي بالضرورة إلى ارتفاع معدل البطالة.
وقد شهدت المرحلة التي أعقبت الجائحة موجة استقالات واسعة عُرفت باعتزال العمل الكبير أو الاستقالة الكبرى؛ حيث أدى تراكم الوظائف الشاغرة وتأجيل التوظيف أثناء الإغلاقات إلى طفرة كبيرة في الفرص المعروضة أواخر عام 2021. واستغل العمال هذه الوفرة للانتقال نحو وظائف بظروف أفضل وأجور أعلى.
وتسببت هذه الحركة الشديدة في إزاحة منحنى بيفريدج نحو الخارج؛ وهو ما يعني أنه عند أي مستوى محدد من الوظائف الشاغرة، أصبح الاقتصاد يسجل معدل بطالة أعلى مقارنة بالفترات السابقة. وتفسر هذه المزاحمة العالية سبب استغراق العاطلين وقتاً أطول للالتحاق بأعمال جديدة رغم كثرة الفرص الشاغرة المعروضة حينها.
منحنى فيليبس والضغوط المتزايدة على الأجور والتضخم
يربط منحنى فيليبس بين معدل البطالة ومعدل نمو الأجور؛ حيث يفترض النموذج أنه كلما تراجعت البطالة وندر العرض في سوق العمل، اضطرت الشركات إلى رفع الأجور لاستقطاب الكفاءات المطلوبة والاحتفاظ بها.
وعلى الرغم من أن نمو الأجور يمثل مكسباً مباشراً للعمال، إلا أنه يشكل من منظور السياسة النقدية دافعاً للضغوط التضخمية. فالشركات تعمد إلى نقل عبء تكاليف العمالة المرتفعة إلى المستهلكين عبر رفع أسعار المنتجات والخدمات، مما يغذي التضخم في الاقتصاد ككل.
وقد أوضحت لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا أن المعدل الطبيعي للبطالة غير المؤدي إلى تسارع التضخم قد ارتفع في السنوات الأخيرة. ويشير ارتفاع هذا المعدل التوازني إلى أن مستويات البطالة المنخفضة التي لوحظت بعد الجائحة كانت متوافقة مع نمو أسرع للأجور.
يضاف إلى ذلك وجود تأثير التعويض، حيث يطالب العمال بأجور أعلى لتعويض الخسائر السابقة في القوة الشرائية الناتجة عن التضخم. وقد ساعدت القوة التفاوضية العالية للعمال في أسواق العمل الشديدة الشح على تحويل هذه المطالب إلى زيادات فعلية في الأجور، مما أطال أمد الضغوط التضخمية.
آفاق السياسة النقدية والمسار المستقبلي للتوازن
تشير أحدث البيانات الاقتصادي إلى أن منحنى بيفريدج بدأ يعود تقريباً إلى موقعه الصريح الذي كان عليه قبل الجائحة. وبناء على ذلك، فإن الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لمواجهة التضخم قد يحدث تأثيراً عكسياً أكثر حدة على معدل البطالة مع استمرار هبوط الوظائف الشاغرة.
وبطبيعة الحال، يعتمد مسار التضخم والنمو على كفّتي السياسة النقدية والسياسة المالية المتمثلة في الضرائب والإنفاق. ومن المتوقع أن تؤدي السياسات المعلنة في الميزانية الأخيرة للحكومة إلى تحفيز النمو في المدى القريب، مما قد يعقد مهمة السياسة النقدية في السيطرة على الأسواق.
وهذا يعني أن المنهج الحذر الذي يتبعه بنك إنجلترا سيمثل كابحاً أكثر قوة للتضخم وللناتج الاقتصادي في المستقبل القريب، لا سيما مع إعادة تشكل العلاقة الوثيقة والتقليدية بين الوظائف الشاغرة ومعدلات البطالة.
