تضع التوصيات الصادرة عن الاستراتيجية الوطنية للغذاء مساراً نحو خيارات أكثر صحة وأقل إضراراً بالبيئة.
تعد الأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي المسبب الأكبر للإصابة بالأمراض والوفيات التي يمكن الوقاية منها في المملكة المتحدة. وعلى سبيل المثال، يُتوقع أن تكلف رعاية مرض السكري من النوع 2، وهو أحد الأمراض الناتجة عن سوء التغذية، هيئة الخدمات الصحية الوطنية بحلول عام 2035 مبالغ تفوق ما يُنفق حالياً على علاج جميع أنواع السرطان.
لكن معدلات السمنة ليست متساوية في جميع أنحاء البلاد، بل تنتشر بدرجة أكبر في المناطق الأكثر حرماناً. فالأطفال الذين يعيشون في المناطق الأكثر فقراً في المملكة المتحدة معرضون للإصابة بالسمنة بنسبة تتجاوز ضعف احتمال إصابة نظرائهم في المناطق الأقل حرماناً. إن السمنة وما يرافقها من سوء تغذية يمكن أن تحدا من الفرص المستقبلية للأطفال، ولا سيما أولئك القادمين من خلفيات محرومة. وفي الواقع، قدر الباحثون أن التكاليف الاجتماعية الإجمالية للسمنة في المملكة المتحدة بلغت ما يصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020.
إن البيئة الغذائية، والتي تتمثل في الطريقة التي نصنع بها الأطعمة وكيفية اتخاذنا للقرارات بشأن ما نأكله، تصيبنا بالأمراض. كما يشكل النظام الغذائي سبباً رئيسياً لإزالة الغابات، والجفاف، وتلوث المياه، وفقدان التنوع البيولوجي، وتغير المناخ.
ومن الصعب حث السياسيين على اتخاذ إجراءات لمواجهة هذه القضايا الكبرى؛ إذ يمثل إصلاح اللوائح التنظيمية الخاصة واستخدام الأراضي وسياسات الزراعة حقل ألغام سياسي. يضاف إلى ذلك أن الناس يتفاعلون أحياناً بشكل سلبي مع ما يرونه تدخلاً مفرطاً من الدولة وصايتها على حرياتهم الشخصية، لأن اتخاذ القرار بشأن ما نأكله يُعد في جوهره قراراً فردياً خالصاً. كما أن الطعام يمثل جزءاً مهماً من حياة معظم الناس، ليس فقط بسبب المغذيات التي يوفرها، بل لأنه يمثل المحور الأساسي لجزء كبير من الحياة الأسرية وتفاعلاتنا الاجتماعية مع الآخرين. تتشكل تفضيلاتنا وطريقة تعاملنا مع الطعام في مرحلة مبكرة من الحياة وتكون لها في كثير من الأحيان جذور ثقافية قوية. فما الذي يدعونا إذن للرغبة في أن تخبرنا الحكومة بما ينبغي وما لا ينبغي أن نأكله؟
ما هو الحل؟
لقد وُجد منذ فترة طويلة إدراك بأن هناك حاجة إلى نطاق واسع من الإصلاحات السياساتية لمعالجة هذه القضايا. ولهذا السبب، قامت الحكومة المحافظة في عام 2019 بتكليف هنري ديمبلبي، وهو الشريك المؤسس لسلسلة مطاعم ليون ورابطة المطاعم المستدامة، بقيادة مراجعة مستقلة للمساعدة في صياغة استراتيجية وطنية شاملة للغذاء.
تضمنت هذه الاستراتيجية الطموحة، التي قُدمت في عام 2021، 14 توصية محددة تهدف إلى خلق حوافز للشركات لإنتاج أطعمة أكثر صحة وأفضل للبيئة. وتشمل المقترحات فرض ضرائب على السكر والملح، ومتطلبات الإبلاغ الإلزامية، وتوسيع نطاق برنامج يستهدف تحسين النظام الغذائي للأسر ذات الدخل المنخفض، وتقديم الوجبات المدرسية المجانية، ومخطط البداية الصحية، والبرامج ذات الصلة.
كما تقترح الاستراتيجية مجموعة من اللوائح التنظيمية للاستفادة الأمثل من أراضينا، وتوجيه الاستثمار في الابتكار، واستخدام قواعد الشراء العام لتشجيع إنتاج وبيع وشراء الأطعمة الصحية والمستدامة. والأهم من ذلك أن هذه التوصيات تضع معالجة الفقر الغذائي في صدارة الأولويات.
في مقالين سابقين لمرصد الاقتصاد، ناقشنا كيف يمكن توسيع نطاق السياسات لتقليل الفقر الغذائي بين الأطفال، والأسباب التي تجعلنا نرى العديد من الأسر الأكثر فقراً تستهلك أنظمة غذائية أقل قيمة غذائية. وكما ورد في المقال الثاني، فإنه في حين أن المحدد الرئيسي لعدم الأمن الغذائي هو انخفاض الدخل، فإن البحوث تشير إلى أن العوامل المرتبطة به تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.
تظهر البحوث أن الفقراء يكونون أقل قدرة ليس بسبب سمات أصلية فيهم، بل لأن سياق الفقر ذاته يفرض عبئاً ويعيق القدرة الإدراكية على اتخاذ خيارات غذائية أكثر صحة وفقاً لدراسة ماني وآخرين عام 2013. وبعبارة أخرى، فإن النتائج لا تتعلق بالأشخاص الفقراء بذاتهم، بل بأي أشخاص يجدون أنفسهم في حالة فقر. وبناءً على ذلك، فإن انتشال الناس من الفقر سيؤدي بشكل مباشر إلى اتخاذ قرارات أفضل.
ترك هنري ديمبلبي دوره في وزارة البيئة والأغذية والشؤون الريفية بعد نشر الاستراتيجية الوطنية للغذاء، وذلك كي يتمكن جزئياً من التحدث بحرية أكبر. يقدم كتابه الحديث بعنوان "جائع" غوصاً أعمق وأكثر متعة في هذه القضايا، كما يقدم مخططاً متماسكاً ومتفائلاً لكيفية بناء نظام غذائي أفضل.
