القائمة الرئيسية

كيف يغير الذكاء الاصطناعي مهنة المحاماة؟

كيف يغير الذكاء الاصطناعي مهنة المحاماة؟
ملخص المقال

يتحدث المقال عن الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي التوليدي في إعادة تشكيل مهنة المحاماة، التي ظلت تاريخياً أقل تأثراً بالتكنولوجيا بسبب اعتمادها الكبير على اللغة والاستدلال القانوني؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع صياغة المستندات ومراجعتها، والبحث في السوابق والتشريعات، بل والمساعدة في بناء الحجج والاستشارات القانونية بعد تدريبه على بيانات متخصصة، كما يمكن أن يسهم في خفض تكلفة الخدمات القانونية وتوسيع الوصول إلى العدالة. لكن هذه الإمكانات تصطدم بتحديات خطيرة، أبرزها الهلوسة واختلاق السوابق، ونقص المعلومات، وعدم اتساق الإجابات، واختلاف القوانين بين الأنظمة القضائية، ما يجعل الاعتماد عليه دون مراجعة بشرية أمراً محفوفاً بالمخاطر. ويخلص المقال إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أداة قوية لزيادة كفاءة المحامين، لكنه لا يلغي الحاجة إلى خبرتهم وحكمهم المهني، خصوصاً في القرارات القانونية التي تتطلب دقة ومسؤولية عالية.

كان المحامون بطيئين أداءً في تبني التكنولوجيا عبر التاريخ، حيث ظلت الممارسات داخل قاعات المحاكم على حالها إلى حد كبير لعدة قرون. غير أن وصول الذكاء الاصطناعي التوليدي يتأهب لتغيير كل ذلك.

إن الوظائف الجوهرية لممارسة المحامين، المتمثلة في تقديم الاستشارات القانونية وتمثيل الموكلين أمام المحاكم، تجد جذورها العميقة في اللغة الطبيعية، لا سيما في الفرع المتخصص المعروف باللغة القانونية.

تاريخياً، تفوقت أجهزة الكمبيوتر في معالجة البيانات الرقمية ولكنها واجهت صعوبة في فهم ظلال اللغة البشرية ودقائقها. ويعد هذا أحد الأسباب الرئيسية وراء التحول المحدود نسبياً الذي شهدته مهنة المحاماة مقارنة بالعديد من القطاعات الأخرى. فعلى سبيل المقارنة، تنفذ أجهزة الكمبيوتر في القطاع المالي خوارزميات تداول معقدة بدقة وسرعة، بينما تساعد الأنظمة الروبوتية في المجال الطبي على إجراء عمليات جراحية معقدة.

ما هو الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

مثل وصول برنامج تشات جي بي تي (ChatGPT)، الذي طورته شركة أوبن إيه آي (OpenAI) في عام 2022، نقطة تحول مفصلية سلطت الضوء على الذكاء الاصطناعي التوليدي.

يشمل الذكاء الاصطناعي التوليدي فئة من أنظمة الذكاء الاصطناعي المصممة لإنشاء محتوى جديد، مثل النصوص والصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو، عن طريق التعلم من البيانات المتاحة. وتعمل هذه النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) من خلال التنبؤ بالعنصر التالي في تسلسل معين، مما يتيح لها إنتاج مخرجات مترابطة ومناسبة للسياق.

وما يميز الذكاء الاصطناعي التوليدي عن تقنيات الذكاء الاصطناعي التقليدية هو قدرته الاستثنائية على تنفيذ المهام المعرفية باللغة الطبيعية. وتحمل هذه القدرة تداعيات عميقة على مهنة المحاماة التي تعتمد اعتماداً كبيراً على اللغة في أداء مهام مثل صياغة المستندات، وإجراء البحوث القانونية، تقديم الاستشارات المعقدة.

مع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإنه قد يغير المشهد العام لممارسة المحاماة جذرياً. فضلاً عن ذلك، يمتلك هذا الذكاء القدرة على تعزيز فرص الوصول إلى العدالة.

غالباً ما تكون الخدمات القانونية مكلفة وخارج نطاق قدرة العديد من الأفراد. ويمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تقديم استشارات قانونية أساسية ومساعدة للذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الخدمات القانونية التقليدية.

وفي الآونة الأخيرة، أصدرت المحاكم في نيوزيلندا وولاية كوينزلاند الأسترالية إرشادات لتوجيه المتقاضين الذين يمثلون أنفسهم حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل صحيح وأخلاقي.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي مساعدة المحامين؟

قبل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، كانت هناك بالفعل العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساند المحامين، مثل برامج مراجعة المستندات، وأدوات الاكتشاف الإلكتروني، وتطبيقات الترميز التنبؤي.

ويتمثل الفارق الجوهري بين هذه التقنيات التقليدية والذكاء الاصطناعي التوليدي في قدرة الأخير على فهم اللغة الطبيعية وإنشائها بشكل يشبه المحامي المبتدئ. وبناءً على ذلك، تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تنفيذ مجموعة أوسع من المهام بكفاءة ودقة أعلى مقارنة بسابقاتها.

وفيما يلي ثلاثة أمثلة على القدرات المتقدمة للذكاء الاصطناعي التوليدي.

صياغة المستندات ومراجعتها

يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تحسين عملية صياغة المستندات القانونية ومراجعتها بشكل كبير، وهي مهام تتطلب غالباً عملاً مكرراً ودقيقاً. وتستطيع أدوات مثل سبيربوك (Spellbook) وجورو (Juro) إنتاج مسودات أولية بناءً على نماذج محددة مسبقاً ومتطلبات خاصة بالموكلين، مما يتيح للمحامين التركيز على الجوانب الأكثر تعقيداً واستراتيجية في العقود.

البحوث القانونية

تعد البحوث القانونية من أكثر المجالات التي شهدت تأثيراً كبيراً للذكاء الاصطناعي التوليدي في مهنة المحاماة. وتاريخياً، كانت هذه العملية تستهلك وقتاً طويلاً يشمل مراجعة كميات هائلة من السوابق القضائية، والقوانين، والأدبيات القانونية.

ورغم أن محركات البحث تسهم في تسريع هذه العملية، إلا أنها تعتمد على البحث بالكلمات المفتاحية، مما ينتج عنه غالباً نتائج غير ذات صلة. ويسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي في تبسيط هذه العملية عبر التحليل السريع لمجموعات البيانات الكبيرة، وتحديد السوابق ذات الصلة، تلخيص النقاط الرئيسية.

ولا يقتصر هذا على توفير الوقت فحسب، بل يضمن أيضاً وصول المشتغلين بالقانون إلى المعلومات الأكثر أهمية، مما يعزز جودة المشورة القانونية. على سبيل المثال، تقدم المنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل وستلو إيدج (Westlaw Edge)وليكسيس بلس (Lexis+) اقتراحات بحثية تنبؤية وتحليلات متقدمة، مما يقلل الوقت الذي يقضيه المحامون في مهام البحث.

تقديم الاستشارات

فيما يتعلق بتبني الذكاء الاصطناعي في مجال القانون، يعد الهدف الأسمى هو تقديم الاستشارات، أي قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج استشارات وحجج معقدة ودقيقة بالطريقة ذاتها التي يقوم بها محامٍ خبير.

وفي كثير من الأحيان، لا يمكن العثور على مثل هذه الاستشارات والحجج بسهولة في المواد المتاحة، ويضطر المحامون إلى الاعتماد على خبراتهم ورؤاهم الخاصة لبناء حجج مبتكرة ومقنعة.

وتتمثل إحدى الطرق لتحويل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى خبير قانوني حقيقي في التدريب المخصص، المعروف أيضاً بالضبيط الدقيق.

ويتضمن الضبط الدقيق لبرنامج ذكاء اصطناعي عام ليصبح خبيراً قانونياً عدة خطوات رئيسية: تحديد مهام قانونية محددة، وجمع بيانات مكثفة خاصة بالمجال، وتكييف النموذج ليتعامل مع التفكير المنطقي القانوني المعقد.

وتضمن هذه العملية قدرة برنامج الذكاء الاصطناعي على فهم المحتوى القانوني ذات الصلة وإنشائه. فعلى سبيل المثال، تعاونت منصة هارفي (Harvey) للذكاء الاصطناعي التوليدي مع شركة أوبن إيه آي لإنشاء نموذج ذكاء اصطناعي مدرب خصيصاً على السوابق القضائية.

وخلال عملية التدريب، جمعت منصة هارفي وأوبن إيه آي كميات هائلة من بيانات السوابق القضائية وصقلتا قدرة النموذج على تنفيذ مهام مثل تحليل سيناريوهات التقاضي المعقدة. وبذلك، عززت هارفي كفاءة الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى مخرجات فضلها المشتغلون بالقانون بأغلبية ساحقة لدقتها وعمقها.

ما هي التحديات؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي القدرة على تحويل القطاع القانوني، لكنه يأتي مع قيود بارزة.

تتمثل إحدى العيوب الحادة في النماذج اللغوية الكبيرة في الهلوسة. وعلى وجه الخصوص، يمكن لنموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي إنتاج نص يبدو موثوقاً ولكنه يتبين أنه غير صحيح من حيث الوقائع. ويعد هذا أمراً بالغ الخطورة في السياقات القانونية التي تعد الدقة فيها عنصراً حاسماً.

في عام 2023، قدم محامٍ أمريكي مذكرة قانونية كتبها بمساعدة تشات جي بي تي. وتضمنت المذكرة استشهادات بعدة قضايا بدت وكأنها تقدم سوابق تدعم موقف موكله، لكنها في الواقع لم تكن موجودة مطلقاً، بل كانت من اختلاق تشات جي بي تي.

وتتمثل مشكلة أخرى في عدم الملاءمة أو النقص، حيث تفشل الاستجابات التي ينتجها نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في معالجة استفسار المستخدم بشكل صحيح أو تقصر عن تقديم الاستشهادات القضائية المناسبة. وبطبيعة الحال، فإن هذه الإجابات إما أن تكون بلا فائدة للمستخدم أو تتطلب منه إضافة الاستشهادات يدوياً قبل إمكانية استخدامها في المحكمة.

وقد اقترحت طرق مختلفة لمعالجة هذه المشكلات. وتسمى إحدى هذه الطرق "التوليد المُعزَّز بالاسترجاع" (RAG). وبموجب هذا النهج، تضاف قاعدة معرفية (مثل مجموعة من المستندات القانونية) إلى نموذج الذكاء الاصطناعي، ليقوم أولاً بالبحث واسترجاع المعلومات ذات الصلة من قاعدة المعرفة قبل إنشاء الإجابة.

وتظهر دراسة حديثة أن التوليد المعزز بالاسترجاع يقدم حلاً غير مرضٍ لمشكلات الهلوسة والنقص (ماجيش وآخرون، 2024). ورغم أنه يقلل من الهلوسة، إلا أن مستواً كبيراً منها يظل قائماً. أما بالنسبة للنقص، فإن أداء نماذج التوليد المعزز بالاسترجاع يكون أسوأ مقارنة بالنموذج العام.

وتكمن مشكلة أخرى في الذكاء الاصطناعي التوليدي في انعدام الاتساق في إجاباته. على سبيل المثال، إذا سألت تشات جي بي تي عما إذا كان الرقم 9.11 أكبر من 9.9، فقد يجيب بأن 9.11 أكبر (وهو خطأ واضح ومكشوف في حد ذاته). ولكن الأثر المثير للقلق بنفس القدر هو أنه إذا سألت تشات جي بي تي مرة أخرى، فقد يعطيك إجابة مختلفة قائلاً إن 9.11 أصغر من 9.9.

ويربك هذا النوع من عدم الاتساق المستخدمين ويقوض الثقة في موثوقية النموذج. وقد حدد الباحثون عدة أسباب محتملة لهذا السلوك، أبرزها أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تنتج الإجابات بناءً على الطبيعة الاحتمالية لبيانات تدريبها، مما قد يؤدي إلى تباين في الإجابات، لا سيما للاستفسارات الغامضة أو المعقدة.

أخيراً، يفرض المجال القانوني تحدياً عملياً فريداً عندما يتعلق الأمر بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. فخلافاً للعديد من مجالات المعرفة الأخرى، يتسم القانون بخصوصية النطاق القضائي، حيث تمتلك كل دولة مجموعتها الخاصة من التشريعات والسوابق القضائية.

ونتيجة لذلك، فإن الذكاء الاصطناعي المدرب على قوانين نطاق قضائي معين لن يكون مفيداً للغاية في نطاق آخر. وعلى النقيض من ذلك، فإن الطبيب أو المستشار المالي القائم على الذكاء الاصطناعي والمدرب على بيانات في دولة ما يمكن نشره بسهولة في مكان آخر. وتؤدي عملية تدريب نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بنطاقات قضائية محددة إلى زيادة التكاليف والوقت.

المصدر

مقالات ذات صلة