انتشرت أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT وGoogle Gemini، بصورة هائلة خلال العامين الماضيين. وبينما نمت معدلات تبني هذه الأدوات بسرعة مذهلة، لا يزال أقل بكثير معروفًا عن مواقف الجمهور تجاه مدى موثوقية هذه الأنظمة.
منذ إطلاق ChatGPT في أواخر عام 2022، شهدت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي انتشارًا سريعًا. وتختلف التقديرات المتعلقة بمستويات استخدامها. فقد أظهر استطلاع حديث مدعوم من الاحتياطي الفيدرالي أن 55% من البالغين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما تشير مصادر أخرى إلى معدلات استخدام أقل. وتظهر أرقام مختبر «الذكاء الاصطناعي من أجل الصالح العام» التابع لشركة مايكروسوفت أن الاستخدام يقل عن 30% في الدنمارك، ويبلغ نحو 35% في المملكة المتحدة، ويتجاوز 60% في سنغافورة.
وعلى أي حال، فإن تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، التي توزع رقميًا وتتميز بانخفاض تكلفتها، كان أسرع بكثير من تبني التقنيات العامة للأغراض المتعددة في الماضي. فاستخدام الذكاء الاصطناعي يتقدم بسنوات مقارنة بمسارات التبني المبكر للإنترنت أو الحاسوب الشخصي، على سبيل المثال.
لكن على الرغم من سرعة تبني الناس لأدوات الذكاء الاصطناعي، فإن مشاعرهم تجاهها أكثر التباسًا. وتشير نتائج استطلاعات الرأي في مختلف أنحاء العالم إلى مزيج من القلق والحماس، مع انقسام واضح في المواقف بحسب البلد والعمر ومجال الاستخدام.
ويظهر استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث، وهو مؤسسة بحثية أمريكية، أن القلق يتفوق على الحماس في كل مكان تقريبًا. فقد أفاد المشاركون في جميع البلدان التي شملها الاستطلاع، باستثناءكوريا الجنوبية، بأنهم يشعرون بقلق أكبر من شعورهم بالحماس تجاه زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية. وتشمل المخاوف الشائعة تأثيراته في المهارات البشرية والوظائف والخصوصية، فضلًا عن انتشار المعلومات غير الدقيقة.
وتختلف المواقف تجاه الذكاء الاصطناعي بصورة واسعة بين البلدان. وتبرز الولايات المتحدة بوصفها واحدة من أكثر الدول تشككًا؛ إذ أفاد 50% من الأمريكيين بأنهم يشعرون بقلق أكبر من الحماس، مقابل 10% فقط يشعرون بحماس أكبر من القلق. وتتبعها بفارق بسيط دول أخرى ناطقة بالإنجليزية، وهو اتجاه أظهرته تحليلات أخرى أيضًا.
وعلى الطرف الآخر من الطيف تأتي كوريا الجنوبية والهند ونيجيريا. ويبدو أن ما يجمع بين «المتحمسين» للذكاء الاصطناعي أقل مما يجمع بين المتشككين فيه، إذ تختلف هذه البلدان من حيث مستويات الدخل والموقع الجغرافي والسياق السياسي.
لماذا تبدو بعض البلدان أكثر تفاؤلًا من غيرها؟
تتمثل إحدى العلاقات اللافتة في العلاقة مع مستوى الدخل. فالدول الأكثر ثراءً تبدو باستمرار أكثر تشاؤمًا بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي.
ففي استطلاع أجرته مؤسسة إبسوس لصالح مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025 التابع لجامعة ستانفورد، تتوقع كل دولة يقل فيها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عن 36 ألف دولار، أي ما يقارب مستوى ماليزيا أو تشيلي بعد تعديل الفروق في الأسعار المحلية، أن يحقق الذكاء الاصطناعي فوائد تفوق أضراره. وعلى النقيض من ذلك، تبدو البلدان الأكثر ثراءً، بما فيها الولايات المتحدة واقتصادات أوروبية مثل سويسرا وهولندا والنرويج، الأكثر حذرًا. وتمثل سنغافورة استثناءً لافتًا، فهي دولة ثرية وتبدي في الوقت نفسه تفاؤلًا قويًا تجاه الذكاء الاصطناعي.
وتتوافق العلاقة بين الدخل والذكاء الاصطناعي عبر تحليلات مستقلة. فقد خلصت دراسة حديثة عبر البلدان، شملت 14 ألف عامل في 31 دولة، إلى أن المستويات الأعلى من التنمية الاجتماعية والاقتصادية ترتبط بتوقعات أقل تفاؤلًا بشأن التأثير الاقتصادي للذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من صعوبة اختبار هذه التفسيرات، تطرح الدراسة عدة تفسيرات محتملة.
أولًا، القفز إلى الأمام بدلًا من الإحلال.
في البلدان منخفضة الدخل، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لتحديث الصناعات وتعويض فجوات المهارات. أما في البلدان الأكثر ثراءً، فتكون المخاوف من إحلال الذكاء الاصطناعي محل العمال أكثر حضورًا.
ثانيًا، التعرض للمخاطر والوعي بها.
يميل العاملون في البلدان الأكثر تقدمًا إلى امتلاك خبرة أكبر ومعرفة أوسع بتقنيات المعلومات، وهو ما قد يزيد وعيهم بالمخاطر.
ثالثًا، تركيبة المهارات.
في حين عطلت موجات الأتمتة السابقة العمالة منخفضة المهارات، مثل العمالة في قطاع التصنيع، أدت موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أتمتة مهام خدمية أكثر شيوعًا في البلدان الأكثر تقدمًا.
كيف تختلف المواقف باختلاف الجنس والعمر؟
تختلف المواقف تجاه الذكاء الاصطناعي داخل البلدان نفسها أيضًا بصورة ملحوظة بحسب العمر. ففي كل بلد شمله استطلاع مركز بيو للأبحاث، كان البالغون الذين تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر أكثر ميلًا إلى التعبير عن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مقارنة بمن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا.
ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، يقول 46% ممن تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر إنهم يشعرون بقلق أكبر من الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ31% بين البالغين الأصغر سنًا. أما في اليونان، فتتسع الفجوة إلى أقصى حد، إذ أفاد 18% فقط ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا بأنهم يشعرون بقلق أكبر من الحماس، مقارنة بـ59% ممن تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر.
وتظهر الفروق بين الجنسين أيضًا بصورة شائعة. فالنساء يعبرن باستمرار عن مستويات أعلى من القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مقارنة بالرجال. ويجد استطلاع لمركز بيو للأبحاث أن النساء الأمريكيات أقل ميلًا إلى الإبلاغ عن تأثير إيجابي لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجتمع، بنسبة 42% مقابل 54% للرجال، كما أنهن أقل ارتياحًا تجاه كل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي شملها الاستطلاع، بدءًا من التشخيص الطبي وصولًا إلى المهام المنزلية.
وتعتمد المواقف تجاه الذكاء الاصطناعي أيضًا على كيفية استخدامه والمجال الذي يطبق فيه. فالناس أكثر استعدادًا للثقة بالذكاء الاصطناعي في التطبيقات الأقل حساسية، مثل الترفيه والاستجمام والضيافة، مقارنة بالقرارات المالية أو الصحية.
ويقول 15% فقط من الأمريكيين الذين شملهم استطلاع أجرته YouGov إنهم يثقون بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية، مقارنة بـ48% أجابوا بأن ثقتهم بها «ليست كبيرة» أو «منعدمة تمامًا».
وتظهر الفجوة بين الثقة وعدم الثقة، أي صافي الثقة الموضح أدناه، سلبية في كل فئة شملها الاستطلاع باستثناء الاستجمام والترفيه، حيث تتساوى الثقة وعدم الثقة تمامًا.
ولذلك، ربما لا يكون من المستغرب أن تحظى وسائل الإعلام القائمة على الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الموسيقى ومقاطع الفيديو القصيرة، بانتشار واسع، إذ تصدرت بعض الأعمال قوائم الاستماع والمشاهدة وتمكنت من خداع المستمعين.
ما الخطوة التالية؟
يتناقض الحذر العام وعدم الثقة بالذكاء الاصطناعي تناقضًا حادًا مع الحماس الظاهر في الأسواق المالية. ومن المتوقع أن تطرح شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة، بقيادة OpenAI وAnthropic، أسهمها للاكتتاب العام من خلال عمليات طرح عام أولي تقدر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات، بينما من المتوقع أن تنفق شركات التكنولوجيا العملاقة القائمة، إلى جانب شركات «البنية التحتية فائقة النطاق»، أكثر من 300 مليار دولار على تطوير الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
ويزداد التوتر بين التطور والانتشار السريعين لمنتجات الذكاء الاصطناعي، المدعومين بتعبئة ضخمة لرؤوس الأموال، وبين مشاعر عدم الثقة والقلق لدى الجمهور.
كما برز الذكاء الاصطناعي بوصفه نقطة انقسام في السياسة الغربية.
الولايات المتحدة.
دفع أعضاء في مجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي، بمن فيهم بيرني ساندرز وإدوارد ج. ماركي وإليزابيث وارن، باتجاه وقف مؤقت لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، تحالف سياسي يضم أطرافًا من توجهات مختلفة، من ستيف بانون إلى وارن، للتصدي للجهود الرامية إلى منع الولايات الأمريكية من تنظيم الذكاء الاصطناعي.
المملكة المتحدة.
سعت كل من حكومة حزب العمال الحالية والحكومات المحافظة السابقة إلى تشجيع تطوير الذكاء الاصطناعي، من خلال مبادرات لتسريع تطويره وإصلاحات تتعلق بالذكاء الاصطناعي وحقوق التأليف والنشر. وعلى النقيض من ذلك، اتخذ حزب الخضر نبرة أكثر حذرًا، وأعطى الأولوية لـ«قانون الحقوق الرقمية» في برنامجه الانتخابي الأخير.
الاتحاد الأوروبي.
على مستوى الاتحاد الأوروبي، تُرجم الحذر العام تجاه الذكاء الاصطناعي بصورة أوضح إلى تنظيم، من خلال نهج شامل على مستوى النظام بأكمله عبر «قانون الذكاء الاصطناعي» للاتحاد الأوروبي.
ولا يزال من غير الواضح أي هذه العوامل سيتغير أولًا: المواقف العامة تجاه الذكاء الاصطناعي، أم حجم الحماس في الأسواق، أم السياق السياسي المحيط بتوظيفه.
وسيحدد العامل الذي سيتراجع أولًا مستقبل أكثر التقنيات اضطرابًا التي ظهرت في عشرينيات القرن الحادي والعشرين، وكذلك الطريقة التي ستندمج بها هذه التكنولوجيا في الاقتصاد والمجتمع.
