القائمة الرئيسية

فك الشفرة: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على فك رموز اللغات القديمة؟

فك الشفرة: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على فك رموز اللغات القديمة؟
ملخص المقال

يتحدث المقال عن توظيف الذكاء الاصطناعي في محاولة فك رموز لغتي «الخطي أ» والإتروسكية، اللتين لا تزالان عصيتين على الفهم بسبب غياب قرينة مقارنة موثوقة، مثل نص ثنائي اللغة أو لغة معروفة ترتبط بهما. ويوضح أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تسريع تحليل المدونات النصية، واكتشاف الأنماط، واختبار الفرضيات البشرية على نطاق واسع، كما حدث في محاولة حديثة لربط «الخطي أ» بلغة سامية منقرضة، لكنه لا يستطيع بمفرده إثبات صحة هذه الفرضيات أو استنتاج المعنى من الأنماط الإحصائية، خصوصًا مع محدودية الأدلة المتاحة؛ إذ لا يتجاوز ما بقي من نصوص «الخطي أ» نحو 7500 علامة. لذلك، يظل الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتسريع البحث ومساعدة اللغويين، لكنه لا يغني عن وجود قرينة مقارنة حقيقية وعن المراجعة العلمية البشرية الصارمة للتمييز بين الاكتشافات الفعلية والمصادفات الإحصائية.

كل لغة قديمة أمكن فك رموزها حتى الآن احتاجت إلى قرينة ارتكاز تساعد الباحثين على تحديد دلالات رموزها وبنيتها اللغوية. وغالبًا ما تكون هذه القرينة نصًا ثنائي اللغة، مثل حجر رشيد، أو لغة معروفة تربطها بها صلة قرابية يمكن الاستناد إليها في المقارنة. أما «الخطي أ»، وهو نظام الكتابة الذي استخدمته حضارة مينوس في العصر البرونزي على جزيرة كريت اليونانية، فلا تتوافر فيه أي من هاتين الركيزتين.

ويُصنَّف «الخطي أ» بوصفه «لغة معزولة»، لأن أي صلة مؤكدة بينه وبين لغة معروفة، حية كانت أم ميتة، لم تثبت حتى الآن. ولهذا ظل يشكل تحديًا كبيرًا لعلماء اللغة والباحثين في الكتابات القديمة طوال القرن الماضي.

أما اللغة الإتروسكية، وهي لغة كانت مستخدمة في إيطاليا قبل صعود الإمبراطورية الرومانية، فلم يكن وضعها أفضل بكثير. فقد أمكن جمع حصيلة معجمية جزئية من نقوش جنائزية قصيرة، لكن نظامها النحوي ودلالاتها الأعمق ما زالا عصيين على الفهم الكامل لدى علماء اللغة.

وتنتمي اللغتان إلى النوع نفسه من الألغاز الذي بدأ الذكاء الاصطناعي يُستعان به في محاولة حله خلال السنوات الأخيرة، لا من خلال إحلاله محل علماء اللغة، وإنما من خلال تعزيز حدسهم وتسريع اختبار فرضياتهم. والسؤال هنا هو: هل يمتلك الذكاء الاصطناعي بالفعل فرصة لإتمام ما لم يتمكن قرن من الجهود البشرية من إنجازه؟

تكشف حالة حديثة عن جاذبية هذا النهج، كما تكشف في الوقت نفسه عن حدوده. ففي يونيو 2026، ادعى مهندس ذكاء اصطناعي عصامي وباحث هاوٍ في علم اللغة أنه حقق اختراقًا في دراسة «الخطي أ». وانطلق في ذلك من فرضية واحدة مفادها أن إحدى الكلمات المجهولة الواردة في نقش يتضمن صلاة ترجع اشتقاقيًا إلى جذر سامي يعني «يسكن» أو «يقطن».

ثم استخدم نصوصًا برمجية أنشأها بمساعدة الذكاء الاصطناعي لاختبار هذا النمط الصوتي في ضوء بقية المدونة النصية المعروفة للخطي أ. ووفقًا لما أُفيد، تمكن من إسناد قيم صوتية إلى 40 علامة، وأعد معجمًا يضم 408 كلمات، ورأى في ذلك دليلًا على أن الخطي أ يمثل لغة سامية منقرضة، أي لغة تنتمي إلى الأسرة اللغوية التي تضم لغات مثل العبرية والآرامية.

الحاجة إلى الإبداع

من المهم هنا التمييز بدقة بين ما فعله الذكاء الاصطناعي وما لم يفعله. فالذكاء الاصطناعي لم يأت بالفرضية الأصلية، وإنما جاء بها المهندس.

كان دور الذكاء الاصطناعي أقرب إلى دور المساعد البحثي. فقد استطاع أن يختبر فرضية بشرية بسرعة، وأن يجري مقارنات بينها وبين آلاف العلامات والرموز، وهي مهمة كان يمكن أن تستغرق من الباحث البشري أشهرًا إذا أُجريت يدويًا. وهذا النمط من توزيع الأدوار هو ما يستحق الاهتمام في الوقت الراهن، أكثر بكثير من أي ادعاء منفرد لا يزال موضع مراجعة وتدقيق.

فأين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم مساعدة حقيقية، وأين يصطدم بحدوده؟

تتمثل إحدى نقاط قوته الواضحة في قدرته على اختبار الأنماط على نطاق واسع. فهو يستطيع التحقق، خلال دقائق بدلًا من سنوات، مما إذا كانت فرضية تتعلق بعلامة أو كلمة واحدة تصمد عند اختبارها على مدونة نصية كاملة. كما يستطيع رصد التتابعات المتكررة التي قد لا تلتقطها العين البشرية، والمساعدة في استعادة النقوش المتضررة أو المجتزأة من خلال التنبؤ بالعلامات المفقودة التي يُرجح أنها كانت موجودة فيها.

كما يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ عملية مختلفة تُعرف باسم «النقل بين اللغات»، حيث يستطيع نموذج دُرِّب على لغة معروفة أن يستنبط أحيانًا أنماطًا من لغة مجهولة تربطها بها صلة وثيقة. ويشبه ذلك إلى حد ما الطريقة التي تساعد بها معرفة اللغة الإسبانية على استنتاج بعض الأنماط في اللغة البرتغالية.

وقد استخدم الباحثون هذا النوع من المقاربة بالفعل بنجاح في دراسة نظم كتابة مثل الأوغاريتية، حيث تكون الأسرة اللغوية معروفة. والأوغاريتية لغة سامية منقرضة كانت مستخدمة خلال أواخر العصر البرونزي، في الفترة الممتدة تقريبًا من عام 1300 إلى عام 1190 قبل الميلاد، في مدينة أوغاريت الساحلية القديمة، الواقعة في المنطقة التي تُعرف اليوم بسوريا.

لكن ثمة حدًا جوهريًا لهذه القدرة: فالمطابقة الإحصائية للأنماط لا تستطيع أن تستنبط المعنى من فراغ. إنها تحتاج إلى قرينة ارتكاز، سواء كانت أسرة لغوية معروفة أو نصًا ثنائي اللغة، تساعدها على التمييز بين الأنماط ذات الدلالة والأنماط التي ليست سوى مصادفات إحصائية.

وتكمن صعوبة الخطي أ والإتروسكية تحديدًا في غياب قرينة الارتكاز هذه أو عدم اكتمالها. ولا يمكن لأي مقدار من القدرة الحاسوبية، مهما بلغ، أن يبتكر مثل هذه القرينة من العدم.

شُح الأدلة

لو توفرت مدونة نصية كبيرة بما يكفي، فقد يتمكن نموذج للذكاء الاصطناعي، من الناحية النظرية، من اكتساب قدر من الكفاءة يسمح له بإجراء محادثة مع متحدث بالمينوسية أو الإتروسكية، وفقًا للأنماط الإحصائية التي تعلمها النموذج نفسه. وهذا يعني أنه قد يتمكن من التعرف على التتابعات المتكررة للكلمات وغيرها من الوحدات البنيوية للغة، ثم إعادة توظيف هذه العناصر في سياقات مختلفة، بما قد ينتج محاكاة لمحادثة محدودة، على الأقل على المستوى الظاهري.

لكن نظام الذكاء الاصطناعي سيظل عاجزًا عن تقديم ترجمة يمكن للباحث البشري الوثوق بها، لأن اكتساب الطلاقة النمطية واكتساب المعنى ليسا شيئًا واحدًا في هذه الحالة. فقد يتعلم النموذج أي العلامات تتعاقب مع غيرها، وأي الكلمات تميل إلى الظهور معًا، من دون أن يعرف على الإطلاق إلى ماذا تشير هذه العلامات أو الكلمات في العالم الحقيقي.

وهذا هو أحد أسباب صعوبة التحقق من أي استنتاج مدعوم بالذكاء الاصطناعي بشأن هذه اللغات، وهي مشكلة تتجاوز أي حالة منفردة. ففي الظروف المعتادة، يمكن اختبار ترجمة أو تفسير مقترح بمقارنته بالمتحدثين الأصليين، أو بنصوص أخرى، أو بما تراكم من إجماع علمي لدى المتخصصين على مدى عقود. لكن لا يتوافر شيء من ذلك في حالة لغة لم تُفك رموزها بالفعل. وباستثناء امتلاك آلة للزمن، لا توجد وسيلة مباشرة للتحقق من النتيجة.

وتزيد المدونات النصية المحدودة الباقية من تعقيد المشكلة. فإجمالي ما بقي من مدونة الخطي أ لا يتجاوز نحو 7500 علامة، وهو عدد قليل إلى درجة يمكن معها عرض هذه البيانات كلها على شاشة واحدة. ومع هذا القدر المحدود من البيانات، تستطيع أي فرضية تقريبًا العثور على تطابقات متناثرة يمكن استخدامها لدعمها.

ولهذا السبب تعتمد الادعاءات في هذا المجال اعتمادًا كبيرًا على الفحص المستقل من جانب المتخصصين وعلى التحكيم العلمي، بدلًا من الاعتماد على درجات الثقة الإحصائية. ولهذا السبب أيضًا فإن القول إن «الذكاء الاصطناعي اكتشف نمطًا» يختلف اختلافًا جوهريًا عن القول إن «الذكاء الاصطناعي اكتشف المعنى الصحيح»، مع أن الانتقال من الادعاء الأول إلى الثاني قد يبدو سهلًا ومغريًا.

ولا يعني أي من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يمثل طريقًا مسدودًا في دراسة هذه اللغات. بل على العكس تمامًا، فهو أداة حقيقية لتسريع البحث، إذ يستطيع اختزال سنوات من المقارنات اليدوية بين النصوص والعلامات إلى دقائق معدودة، كما يتيح لعدد أكبر من الباحثين خوض غمار هذه المسائل، وهو أمر لم تكن الموارد المؤسسية المتاحة في السابق تسمح به على هذا النطاق.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يلغي العنصرين اللذين ظل فك رموز اللغات يعتمد عليهما منذ بدايات هذا الحقل. أولهما وجود قرينة مقارنة حقيقية يمكن الاستناد إليها. وثانيهما إخضاع النتائج لمراجعة بشرية صارمة تميز بين الاكتشاف الحقيقي والمصادفة التي تبدو مقنعة.

وإلى أن تظهر إحدى هاتين الركيزتين في حالة الخطي أ أو الإتروسكية، سيظل دور الذكاء الاصطناعي في فك رموز اللغات على ما هو عليه اليوم: مساعدًا بالغ السرعة في حل لغز بالغ القِدم، وبالغ الإنسانية.

المصدر

مقالات ذات صلة