تواجه قطاعات الأعمال أزمة صامتة ينساب شررها نحو المستقل؛ أزمة تعصف بالمؤسسات التي عزفت عن استقطاب الكفاءات الشابة في مستهل مسيرتها المهنية.
لقد ظل النقاش المحتدم حول الذكاء الاصطناعي وسوق العمل محصوراً في زاوية ضيقة، يتلخص سؤالها الأبرز في: ما هي الوظائف التي ستلتهمها الآلة؟ غير أن هذا التأطير السطحي يغفل قضية أعمق وأشد خطورة تتشكل معالمها اليوم داخل أروقة المؤسسات التي تحسب نفسها في طليعة التطور.
إننا نجهز على البنية التأسيسية التي تصنع القادة، ونفكك قواعد التنشئة المهنية، والأدهى من ذلك أننا نفعل ذلك دون رؤية أو خطة بديلة.
على مدى عقود طويلة، كانت المهارة القيادية تكتسب عبر المخالطة والممارسة التراكمية؛ فصياغة المسودات الأولى التي تخضع للتقليح والتحوير، والجلوس في اجتماعات معقدة قد يفوت المرء مغزاها في البداية، ومعاينة كيفية هندسة القرار عن قرب، واستيعاب ديناميكيات العمل عبر الملازمة اليومية، كل تلك المهام المخصصة للمبتدئين لم تكن مجرد ساعات عمل إنتاجية، بل كانت الميدان الذي تُصقل فيه الحكمة التنفيذية، والرحم الذي تولد منه المهارات القيادية.
غير أن الذكاء الاصطناعي يأتي اليوم ليقتطع هذه الطبقة التأسيسية من جذورها.
تشير بيانات شركة ريفيليو لابس لأبحاث سوق العمل إلى انخفاض فرص العمل المخصصة للمبتدئين في الولايات المتحدة بنسبة 35% منذ عام 2023، وهو ما يعادل تراجعاً يتجاوز 100الف فرصة عمل شهرياً. وفي استطلاع شمل قادة مؤسسات عالمية، أقر 41% منهم بإلغاء أو تقليص الوظائف المبتدئة خلال العام الماضي استناداً إلى كفاءة الذكاء الاصطناعي، في حين يتأهب 43% لخطوة مماثلة هذا العام. وعلى الجانب الآخر، يكشف مسح لجامعة جورجتاون أن زهاء 18.4 مليون موظف من ذوي الخبرة سيبتعدون عن سوق العمل بداعي التقاعد بحلول عام 2033، مقابل دخول13.8 مليون شاب فقط يحملون مؤهلات مكافئة.
تكشف هذه الأرقام عن حقيقة غائبة عن أذهان أطقم الإدارة العليا؛ مفادها أننا نهدم الجسور التي تعبر عليها الكفاءات الشابة، ونقطع الرافد الذي يغذي المؤسسات بقادة المستقبل في الوقت ذاته.
فخ الكفاءة اللحظية
إن المبررات الاقتصادية لتقليص الوظائف المبتدئة تبدو في ظاهرها منطقية؛ إذ يستطيع موظف خبير بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي تقديم إنتاجية كانت تتطلب في السابق فريقاً كاملاً. وفي ظل التقلبات الاقتصادية، يصعب التشكيك في أرقام التكاليف. لكن المؤسسات بذلك تجفف منايع مواهبها بيدها.
إن الموظف المبتدئ الذي يراه البعض اليوم عبئاً غير كفء هو في الغد المحرك الاستراتيجي، وحامل مشعل الثقافة المؤسسية، والذاكرة الحية للمكان. وإن المهام الأولية التي نسارع إلى أتمتتها، من بحث وتلخيص وصياغة وتنسيق، لم تكن مجرد أعباء إدارية، بل كانت جوهر التلمذة ومصنع الخبرة.
وفي هذا الصدد، يؤكد دونالد ثومبسون، المدير التنفيذي لمركز فاعلية المؤسسات ومؤلف كتاب دليل انخراط الموظفين، أن الحسابات السريعة لخفض التكاليف تخفي خاسراً كبيراً.
حيث يقول: إن المؤسسات التي تضحي بالوظائف المبتدئة كسباً لكفاءة عابرة توفرها التكنولوجيا تراهن رهان قيادة طويل الأجل دون أن تستوعب عواقبه. لا يمكنك استخدام الأتمتة لبناء دكة بدلاء جيدة؛ فالجيل القادم من التنفيذيين يتطلب بناءً وتربية مهنية، بينما تعكف معظم الشركات حالياً على تفكيك المنظومة التي تتكفل بهذا البناء.
وفي السياق ذاته، كشف تقرير صادر عن معهد الذكاء الاصطناعي في العمل بالتعاون مع باحثين من جامعات نوتردام وهارڤارد وكاليفورنيا، أن التقنيات الحديثة تمنح الموظفين شعوراً وهمياً بالإنتاجية المرتفعة في حين تتآكل مهاراتهم الأصيلة في خفاء. وتطلق الباحثة ريبيكا هيندز على هذه الظاهرة اسم وهم الخبرة، حيث تلتبي الأمور على الموظف فلا يعود مدركاً للحد الفاصل بين حصيلته المعرفية الذاتية وما تمليه عليه الآلة. وتغدو هذه الضبابية ذات أثر ممتد وشديد الخطورة على الكوادر الناشئة التي لم تمتلك بعد رصيداً صلباً من المهارات التأسيسية.
المكتسبات الغائبة مع تلاشي البدايات
ثمة حزمة من القدرات البشرية الرفيعة التي تعجز المحفزات الأوتوماتيكية عن إنتاجها. فالتعامل مع المناطق الأخلاقية الرمادية، وإدارة النزاعات الهيكلية، واستعادة الثقة المُهتزة، واحتواء الأزمات، والتمتع بالحضور القيادي، والملاحة في بحر العلاقات المعقدة، كلها ملكات تتطلب أمراً يتجاوز قدرات الآلة؛ ألا وهو المعايشة والتجربة المباشرة وما ينتج عنهما من حكمة وبعد نظر.
إن النضج القيادي يتشكل عبر الملاحظة، والشعور بعدم الراحة، والتصحيح المباشر، والتكرار. إنه ينبثق في تلك اللحظات الحرجة التي يجد فيها المرء نفسه مجبراً على تقديم التوصية دون امتلاك إجابة جاهزة، أو الدفاع عن وجهة نظره في مواجهة فريق من المشككين، أو الموازنة بين مصالح المكونات المختلفة. لا يوجد طريق مختصر للخبرة الحية، ولا يمكن التغاضي عن هذه المراحل.
وقد نبه المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أنه على الرغم من الجاذبية الظاهرة لتقليص التكاليف عبر الاستغناء عن صغار الموظفين، إلا أن المنظمات التي تسلك هذا المسار تخاطر ببطء التكيف التقني، وضعف خطط التعاقب الإداري، وانقطاع نقل المعرفة، وضمور الثقافات المؤسسية التي تفقد قدرتها على التجدد.
تلك هي الفاتورة الخفية التي تدفعها المؤسسات مقابل توفير رواتب اليوم: ضمور في الطاقات القيادية على مدى العقود القادمة.
الفجوة التوجيهية وتعميق الطبقية
إن التبعات التنموية لهذا التحول لا تؤثر على الجميع بالسوية، فالذكاء الاصطناعي يوسع الشقاق الطبقي بطرق تقتضي المكاشفة والشفافية.
إننا أمام ما يمكن تسميته بالفجوة التوجيهية، وهي الهوة المتسعة بين مهنيين يتطورون عبر التفاعل الإنساني والرعاية المباشرة والتوجيه، وبين آخرين يُكتفى بتقديم أدوات الذكاء الاصطناعي لهم كبديل عن هذا كله. على أحد الجانبين، نجد كوادر شابة تحظى برعاية عائلية أو شبكات علاقات أو بيئات عمل تستثمر في بنائهم كبشر، فتعلمهم كيف تدور عجلة التأثير، وكيف يفككون التعقيد التنفيذي، وكيف يفرضون حضورهم ومصداقيتهم. وعلى الجانب الآخر، يقبع موظفون تُسند إليهم مسارات عمل مؤتمتة عالية السرعة لكنها مجردة من السياق الإنساني الذي يحول الممارسة الروتينية إلى خبرة حقيقية.
لم تكن هذه التفاوتات وليدة الذكاء الاصطناعي؛ إذ إن فرس التوجيه والمعايشة كانت موزعة بغير كفاية أصلاً. فالشاب الذي ينشأ في كنف والد يشغل منصباً مالياً رفيعاً يتشرَّب التفكير القيادي على مائدة الطعام، بينما كان غيره يعتمد على بيئة العمل لترميم هذا النقص. ومن هنا كانت الوظيفة رقم 1، بما تتيحه من توجيه، بمثابة الميزان الذي يحقق تكافؤ الفرص.
غير أن التكنولوجيا الحديثة جاءت لتسرع هذا الانقسام. فقد أظهرت أبحاث حديثة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك تراجع رغبة الشركات في استقطاب الموظفين المفتقرين للخبرة ممن يصعب توجيههم بفاعلية، وهي ديناميكية تستبعد الفئات الأشد احتياجاً إلى القرب التنموي. وستستمر مؤسسات النخبة في تقديم برامج تلمذة مهيكلة، بينما تتكفل العائلات الميسورة بتوفير شبكات العلاقات والتدريب التي تعجز الخوارزميات عن محاكاتها. أما أبناء الجيل 1 من المهنيين، والمواهب الناشئة من البيئات غير الممثلة، ومَن يفتقرون إلى العلاقات، فقد كان مكان العمل بالنسبة لهم هو الملاذ الوحيد للنمو. وحين تتآكل هذه المسارات، لن يكون بمقدور الذكاء الاصطناعي أن يلعب دور المعلم والموجه.
إن المحصلة النهائية، إن تُركت هذه المسألة دون معالجة، هي تشكل اقتصاد قيادي من طرازين: فئة محدودة تتطور بالرعاية الإنسانية المباشرة، وطبقة واسعة تُدار بالأنظمة الأوتوماتيكية، وهو ما يشكل خطراً محققاً على بيئات الأعمال والمجتمع برمتها.
السؤال القيادي الغائب
تستغرق معظم المؤسسات في البحث عن كيفية استغلال الذكاء الاصطناعي لرفع سرعة العمل وتخفيض النفقات، وهو تساؤل مشروع. بيد أن السؤال الأهم والأجدر بالاطراح يتعلق بكيفية بناء جيل القادة القادم في عالم تتوارى منه فرص التعلم بالمعايشة والملاحظة الضمنية.
تاريخياً، كانت المهارة تنبت تلقائياً من قلب احتكاك الموظف بتحديات العمل ويومياته، حيث اكتسب الناس قدراتهم لأن طبيعة المهام فرضت عليهم ذلك. أما اليوم، فيتحتم على المؤسسات استبدال هذا النضج العفوي بصناعة تنموية مقصودة ومصممة بعناية.
إن الشركات التي تبادر إلى تشييد أنظمة واعية للتدريب والتوجيه، وصقل الحكمة التنفيذية، وتوفير فرص الاحتكاك الإداري، هي التي ستستأثر بصناعة الجيل القادم من القادة الاستثنائيين. أما المؤسسات التي تنظر إلى التكنولوجيا كأداة لتقليص الأعداد دون استثمار يوازيها في تنمية المهارات البشرية، فستجد نفسها في نهاية المطاف أمام هياكل تتسم بالكفاءة التشغيلية لكنها فارغة فكرياً، وفي أشد اللحظات التي يحتاج فيها السوق إلى اتساع المدارك، والتفكير النقدي، والرؤية الاستراتيجية.
ليس هذا الموقف حسماً ضد التكنولوجيا أو إنكاراً لقيمتها التحويلية العظيمة، بل هو دعوة للموازنة الصارمة بين أمرين: السرعة الفائقة التي يمنحها الذكاء الاصطناعي، والبناء البشري الأصيل الذي لا يمكن التنازل عنه أو استبداله.
إن الذكاء الاصطناعي وُجد لتسريع التنفيذ، أما بناء الإنسان فهو عملية تتطلب التخطيط والتصميم.
إذا كنت تقود فريق عمل، فابدأ هذا الأسبوع بتدشين حوار 1 مختلف؛ حوار لا يهدف إلى توزيع المهام أو متابعة الإنجاز، بل إلى تشريح آلية التفكير وفلسفة القرار. شارك مرؤوسيك أسباب اتخاذ خيار معين، والتنازلات التي كانت مطروحة، والمخاوف التي كانت تؤرقك من الوقوع في الخطأ. ذلك هو المفهوم الحقيقي للتوجيه في عصر الذكاء الاصطناعي، وهو أحد أهم الاستثمارات التي يمكن لقائد أن يصنعها اليوم.
