أظهرت دراسة أجرتها KPMG أن الموظفين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لا يتشابهون في طريقة تعاملهم معه. فقد صنّفتهم إلى ثلاث فئات: المُعزِّزون، والمفوِّضون، والمتدرِّبون. والمفارقة أن امتلاك مهارات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لم يكن العامل الذي يفسّر اختلاف مستويات الأداء بينهم.
تخيّل هذا المشهد.
يطلب مدير من أحد الموظفين الجدد أن يشرح توصية وردت في تقرير أعدّه.
يتوقف الموظف للحظة، ويحدّق في المستند أمامه. كم من هذا التحليل يعكس فهمه هو؟ وكم منه صاغه الذكاء الاصطناعي؟ وهل يستطيع الدفاع عن كل استنتاج ورد فيه دون أن يراجع التقرير مسبقًا؟
لم يعد هذا الموقف استثنائيًا، بل أصبح يتكرر يوميًا في بيئات العمل التي دخل إليها الذكاء الاصطناعي بقوة. وغالبًا ما يتركز النقاش حول تأثيره في الموظفين المبتدئين، لكن الواقع أن أثره يمتد إلى مختلف المستويات الوظيفية؛ من إعداد خطط المشاريع والتقارير، إلى العروض التي يقدمها كبار التنفيذيين أمام مجالس الإدارة.
المشكلة الحقيقية ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في صعوبة التمييز بين شخص استوعب الموضوع واستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع عمله، وآخر لم يفهمه أصلًا وترك الذكاء الاصطناعي يتولى التفكير نيابة عنه. ففي الحالتين قد يبدو الناتج النهائي متقنًا ومقنعًا.
لكن خلف هذا التشابه الظاهري يكمن فرق جوهري، يزداد أهمية مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل.
عندما يجعل الذكاء الاصطناعي العمل الضعيف يبدو احترافيًا
ليست هذه أول مرة تخفي فيها التكنولوجيا الفروق بين مستويات الكفاءة.
فقد غيّرت برامج التدقيق الإملائي، على سبيل المثال، الطريقة التي كان الناس يقيمون بها جودة الكتابة. ففي الماضي، كانت الأخطاء الإملائية الكثيرة توحي بأن الكاتب لم يراجع عمله أو لم يهتم به بما يكفي. أما اليوم، فقد اختفت هذه الإشارات تقريبًا.
لكن المشكلة لم تعد تتعلق باللغة أو الإملاء.
في السابق، إذا انتهى تقرير إلى توصية لا تنسجم مع التحليل الذي سبقها، كان من السهل استنتاج أن صاحبه لم يفكر في المشكلة حتى النهاية. أما اليوم، فإن الذكاء الاصطناعي قادر على ربط الأفكار وصياغتها بطريقة تبدو منطقية، حتى عندما يكون المنطق نفسه ضعيفًا أو مضطربًا.
وهذا ما يجعل اكتشاف الخلل أكثر صعوبة، خصوصًا في الأعمال التي يؤديها الموظفون في بداية مسيرتهم المهنية.
ماذا كشفت دراسة KPMG؟
لاختبار هذه الفكرة، أجرت KPMG بالتعاون مع كلية ماكومبس لإدارة الأعمال في جامعة تكساس بأوستن دراسة ميدانية شارك فيها 523 موظفًا في بداية حياتهم المهنية.
طُلب من المشاركين تنفيذ مهام تحاكي أعمال العملاء باستخدام وكيل ذكاء اصطناعي، بينما أُنجزت المهام نفسها بواسطة الذكاء الاصطناعي وحده، ليكون أداؤه معيارًا للمقارنة.
جاءت النتائج لافتة.
فقد تمكن نصف المشاركين تقريبًا من تحقيق نتائج أفضل من الذكاء الاصطناعي وحده، بينما جاء أداء ربعهم قريبًا جدًا من أدائه، أما الربع الأخير فقد كانت نتائجهم أسوأ من نتائج الذكاء الاصطناعي رغم امتلاكهم مستوى مماثلًا من المهارات الأساسية قبل بدء التجربة.
وقسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث فئات رئيسية.
أولًا: المُعزِّزون
تعامل أفراد هذه الفئة مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مساعدًا يحتاج إلى توجيه، لا بديلًا عن التفكير.
كانوا يحددون مسبقًا الأجزاء التي تتطلب حكمًا بشريًا، ويزوّدون النموذج بالسياق الخاص بالحالة، ثم يراجعون الناتج بعين ناقدة كما لو كانوا يراجعون عمل موظف جديد لم يكتسب ثقتهم الكاملة بعد. وعندما يجدون حاجة إلى تحسينات إضافية، يعيدون المهمة إلى الذكاء الاصطناعي بعد تعديل التوجيهات.
وكانت هذه الفئة صاحبة أفضل النتائج.
ثانيًا: المفوِّضون
على الرغم من أنهم حصلوا على أدنى تقييم في المهارات الأساسية، فإن ذلك لم يظهر بوضوح في جودة الأعمال التي قدموها.
فالسبب ببساطة أنهم تركوا الذكاء الاصطناعي ينجز المهمة كاملة، ثم اعتمدوا الناتج كما هو، مع أقل قدر ممكن من المراجعة أو التدخل.
لقد كان الحد الأدنى لجودة مخرجات الذكاء الاصطناعي كافيًا لإخفاء ضعفهم.
ثالثًا: المتدرِّبون
هذه الفئة هي الأكثر إثارة للاهتمام.
فلم تكن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بكسل كما فعل المفوضون، بل كانت تناقشه باستمرار وتعيد تعديل مخرجاته مرارًا.
لكن المشكلة أنها ركزت على تحسين الأسلوب والصياغة والنبرة، بدلًا من معالجة الخلل التحليلي في جوهر العمل. وفي بعض الحالات دفعت الذكاء الاصطناعي إلى إنتاج نتائج أسوأ من إجابته الأولى.
ورغم أن مهاراتهم الأساسية كانت مماثلة تقريبًا لمهارات فئة المعززين، فإن أداءهم جاء في ذيل الترتيب.
وهذا يقود إلى نتيجة مهمة: مجرد تعديل مخرجات الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة أن الشخص أحسن استخدامها.
فأفضل المشاركين عدّلوا المخرجات بطريقة عززت جودة التفكير، بينما عدّلها الأسوأ أداءً بطريقة أضعفتها.
كلما ارتفع المنصب... قلّت الرقابة
قد يبدو أن هذه المشكلة تخص الموظفين الجدد فقط، لكن استطلاعًا أجرته SHRM وشمل 5875 موظفًا في الولايات المتحدة يرسم صورة مختلفة.
فقد تبين أن المديرين والتنفيذيين يمررون نحو 63% من أعمالهم عبر الذكاء الاصطناعي، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 34% لدى الموظفين الأفراد.
والأكثر إثارة أن المديرين أنفسهم كانوا الأكثر وصفًا لمخرجاتهم المدعومة بالذكاء الاصطناعي بأنها "رديئة" أو "مليئة بالحشو".
وعندما تعارضت توصيات الذكاء الاصطناعي مع حكمهم الشخصي، قال أكثر من نصفهم إنهم يرجحون رأي الذكاء الاصطناعي، في حين لم تتجاوز هذه النسبة 32% لدى الموظفين الأفراد.
بمعنى آخر، فإن أكثر الفئات اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، وأكثرها اعترافًا بضعف بعض مخرجاته، هي نفسها الأقل خضوعًا للمراجعة داخل المؤسسة.
ولهذا ترى KPMG أن القضية لا تخص الموظفين المبتدئين وحدهم، بل تمس القوى العاملة بأكملها، ولذلك يمتد برنامجها التدريبي من الموظفين الجدد حتى مستوى الشركاء.
أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
التدريب مهم، لكنه لا يكفي.
فالمديرون المخضرمون يجيدون عادة تقييم جودة المنتج النهائي، لكنهم لا يستطيعون بسهولة معرفة كيف وصل صاحبه إليه.
لطالما كان تقييم الموظفين اعتمادًا على النتيجة النهائية وحدها وسيلة ناقصة، لكن الذكاء الاصطناعي جعل هذا القصور أكثر وضوحًا.
فكلما ارتفع المستوى الوظيفي، أصبح تتبع طريقة التفكير أصعب.
الموظف الجديد يترك خلفه مؤشرات كثيرة يمكن الاستناد إليها؛ أعمالًا سابقة، وملاحظات متراكمة من مديره، ومسارًا واضحًا لتطوره.
أما المدير التنفيذي، فلا تتوافر مثل هذه المؤشرات.
وغالبًا ما يُفترض أن العمل المصقول يعكس تلقائيًا عقلًا تحليليًا قويًا، بينما لا يملك كثيرون القدرة أو الجرأة على مراجعة المنطق الذي بُني عليه.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما نعلم أن أقل من نصف المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي تمتلك سياسات واضحة تنظم استخدامه، وحتى عندما توجد هذه السياسات، فإن مخالفتها غالبًا لا تتجاوز عقوبتها توجيه إنذار.
ما الذي ينبغي أن تقيسه المؤسسات؟
إذا كانت السياسات وحدها غير كافية، وإذا كان التدريب لا يحل المشكلة بالكامل، فما البديل؟
تشير نتائج KPMG إلى أن الفارق الحقيقي لا يكمن فيما يعرفه الموظف، بل فيما يفعله بهذه المعرفة عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي.
ولهذا فإن قوائم التحقق التقليدية لن تكون مجدية.
فالسؤال: "هل راجعت مخرجات الذكاء الاصطناعي؟" لا يميز بين من راجعها بوعي، ومن عبث بها دون فهم.
أما السؤال الذي يكشف الحقيقة فهو أبسط من ذلك بكثير.
اختر استنتاجًا واحدًا، أو رقمًا، أو فقرة من التقرير، ثم اطلب من صاحبها أن يشرح، دون تحضير أو ملاحظات، كيف توصّل إليها.
لماذا اختار هذا التحليل؟
ولماذا استبعد البدائل الأخرى؟
ولماذا بنى توصيته على هذا المنطق تحديدًا؟
هنا يظهر الفرق الحقيقي.
فالمُعزِّز يستطيع الدفاع عن منطقه لأنه هو من اتخذ القرار.
أما المفوِّض، فيصمت لأنه لم يقم بالتفكير أصلًا.
في حين ينشغل المتدرِّب بالدفاع عن الصياغة والأسلوب وانسيابية اللغة، بينما يعجز عن الدفاع عن المنطق الذي يقوم عليه التحليل.
هذا النوع من الحوار يكشف مستوى الفهم الحقيقي، دون الحاجة إلى تتبع سجل التعديلات أو مراجعة تاريخ تحرير المستند.
والأهم أنه يصلح لتقييم الجميع، من الموظف المبتدئ إلى الرئيس التنفيذي.
وربما تكون هذه هي النقطة التي ينبغي أن تبدأ منها المؤسسات في إعادة التفكير في كيفية تقييم الأداء في عصر الذكاء الاصطناعي.
