القائمة الرئيسية

في بيئات العمل عالية الثقة: يقلُّ التنظير وتزداد الإنجازات

في بيئات العمل عالية الثقة: يقلُّ التنظير وتزداد الإنجازات
ملخص المقال

يركز المقال على أن الثقة المتراكمة والعِشرة المهنية داخل المؤسسات تختصر الوقت بين الاطلاع على المعلومات واتخاذ القرار؛ فعندما يثق أفراد الفريق ببعضهم وبنزاهة البيانات، لا يهدرون وقتهم في التشكيك في الأرقام ومصدرها، بل ينتقلون مباشرة إلى فهمها وتحليلها واتخاذ الإجراءات المناسبة. ويؤكد المقال أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته المتزايدة على جمع البيانات وتحليلها، لا يستطيع استيعاب السياق الإنساني والخبرة المتراكمة والعلاقات غير الرسمية التي تمنح المعلومات معناها الكامل، ولذلك ينبغي توظيفه لتعزيز العلاقات البشرية لا لاستبدالها. وتُبنى هذه البيئة عالية الثقة عبر التواصل الواضح والمتسق، وإتاحة مساحات للتواصل الإنساني، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتمكين التعاون، ومراعاة الاختلافات بين الأجيال وأساليب تواصلها؛ فكلما زاد رصيد الثقة والخبرة المشتركة، تراجع الجدل حول صحة المعلومات، وزادت سرعة التركيز على حل المشكلات وصناعة القرار والتنفيذ.

حين يسود المناخ المؤسسي روحُ الثقة المتبادلة بين أفراد فريق العمل، نتجاوز تلقائيًا مرحلة الاستغراق في مراجعة البيانات وتدقيق الشواهد الفردية، لننتقل مباشرة إلى مضمار صناعة القرار وسرعة التنفيذ. إن بناء رصيد تراكمي من العشرة والخبرة المتبادلة داخل المؤسسة هو ما يمنح فرق العمل القدرة على التفرغ لما هو آت.

تربطني بصديقتي المقربة علاقة ممتدة منذ أن كنا في الثانية عشرة من عمرنا. لو فاجأتني اليوم بحديثها عن جلسة مقهى جمعتها بالأمس مع نجم سينمائي مرموق، قد تتملكني الدهشة وربما أطرح عليها بعض الأسئلة الفضولية مثل: «كيف يفضل قهوته؟» أو «هل التقطتكم عدسات المصورين؟»، لكني لن أشكك مطلقًا في أصل القصة أو صحتها. والسبب في ذلك بسيط جداً؛ فلدينا مخزون ممتد من الثقة والشفافية البناءة عبر سنوات طويلة.

حين يمتلك المرء هذا النوع من العمق والتاريخ في علاقاته، تنشأ بين الأطراف لغة اختزال غير مكتوبة تتيح لهم التواصل بلمح البصر، وتتشكل ثقة ضمنية تتجاوز الشكوك السطحية لتركز فورًا على أصل الموضوع وأهميته.

وهذا العرف لا يختلف إطلاقًا في عالم المؤسسات؛ ورغم أن أحدًا من زملائي لم يفاجئني برعايته للقاءات مع مشاهير في المقاهي – مع الأسف –، إلا أننا نتشارك كمًا هائلًا من البيانات على شكل تقارير مفصلة وجداول ممتدة.

وبفضل تلك العشرة التنظيمية الممتدة والرصيد المتبادل، لا يتسلل إلينا الريب أو التشكيك بمجرد رؤية أرقام لا تتوافق مع توقعاتنا المسبقة، بل تتوجه استجابتنا الأولى نحو التسليم بنزاهة المخرجات ومصداقيتها؛ لا لشيء إلا لأننا نثق ثقة مطلقة بالجهة التي أعدتها.

وهكذا نصرف طاقتنا ونركز جهودنا على معالجة ما حدث بالفعل، بدلاً من إهدار الوقت في مهاترات الجدال حول صحة حدوثه من عدمه.

 

اللمسة البشرية تضيء عتمة الذكاء الاصطناعي

لو أُوكلت للذكاء الاصطناعي مهمة صياغة ملخص أسبوعي عن إنتاجيتي في العمل، لربما نجح في تقديم تقرير دقيق بنسبة ثمانين بالمائة؛ فالبريد الإلكتروني ومحاضر الاجتماعات تدون جزءًا كبيرًا من الحقيقة. غير أن هذا الذكاء العاجز لا يعلم شيئًا عن الحوارات العابرة التي تدور بين الزملاء في أروقة المكاتب، ولا يستوعب تقديرك البشري وحسك المهني عند تقييم تعديل قانوني جديد. إن هذا السياق تحديدًا، والخبرة الإنسانية المكتسبة، هما الركيزتان اللتان تكتمل بهما الصورة الكلية.

صحيح أن أدوات الذكاء الاصطناعي تشهد قفزات متسارعة في الدقة، وتعمل كيانات كبرى مثل "IBM" على وضع معايير قياسية موحدة لترسيخ موثوقية البيانات عبر مختلف القطاعات، إلا أن العنصر البشري يظل القيمة التي لا تُعوض؛ فالإنسان هو من يحلل المفاهيم، ويطرح الأسئلة الجوهرية، ويستحضر الذاكرة المؤسسية والتجارب الحياتية ليعطي الأرقام أبعادًا ومدلولات حقيقية.

ما المقصود بالعشرة والخبرة التراكمية في المؤسسات؟

ليست المؤسسات ذات التراكمية العميقة هي بالضرورة تلك التي امتد عمرها في السوق لعقود طويلة، وإن كان عنصر الوقت الممتد معًا من العوامل المؤثرة طرديًا.

المعيار الحقيقي يستند إلى سلوك الأفراد داخل المنظومة؛ حيث يتلقون طروحات زملائهم بقبول واستيعاب، ثم يتجهون سريعًا نحو رسم خطوات المستقبل. إنهم يمتلكون الشفرة الخاصة التي تعفيهم من الغرق في التفاصيل السطحية للبيانات، ليغوصوا فورًا في التحليل العميق وصناعة القرار.

وعلى العكس من ذلك تمامًا، نجد المؤسسات التي تفتقر لهذه العشرة والتراكمية، إذ يغلب على موظفيها التشكيك في التقارير وخوض معارك متواصلة ضد الأرقام، مما يرسخ بيئة قائمة على ذهنية «نحن في مواجهة هم» — سواء بين القواعد والإدارة العليا، أو عبر افتعال صراعات جانبية بين الأقسام والتنظيمات المختلفة.

كيف نبني بيئة عمل تتمتع بالعشرة والتراكمية؟

ليس مستغربًا أن تؤكد دراسات مؤسسة "Capgemini" على أن الشركات المتقدمة في معالجة البيانات واستغلالها هي ذاتها التي «تستثمر بقوة في ترسيخ ثقافة تعاونية تجعل من البيانات محورًا لها». وفيما يلي إضاءات من واقع الممارسات الناجحة في المؤسسات الأصيلة:

 

  • صياغة قواعد واضحة وشفافة للتواصل: كما ورد عن شركة "Microsoft"، فإن «الاستمرارية والاتساق عبر الزمن هما أصل بناء الثقة». لذا وقبل مشاركتي في أي اجتماع قيادي، أحرص أولاً على إطلاع الأطراف المعنية على المسودات والتقارير التي سأعرضها. لقد أضحى هذا الإجراء متوقعًا لدى بقية القيادات، كما منحهم المساحة لطرح استفساراتهم ومناقشتها معي بوضوح قبل انعقاد الاجتماع. لقد اعهاد الفريق على هذه الدورة التنسيقية، وأصبحوا أكثر ألفة مع المصطلحات واللغة المستخدمة في تقاريري.
  • توفير مساحة للتواصل الإنساني بانتظام: حين أجدول اجتماعًا مدته نصف ساعة، نخصص الدقائق العشر الأولى للحديث المتبادل عن شؤون الحياة، أو آخر الكتب التي قرأناها، أو مستجدات أمورنا الشخصية. وكما أشرت في مقال سابق: «مع استمرار الذكاء الاصطناعي في إثارة حالة من الشك وعدم اليقين لدى العاملين، يتوجب على القادة استقطاع مساحات أكبر للتقارب مع موظفيهم». وفي غمرة سعي الجميع ونشاطهم لرفع الكفاءة والإنتاجية، يبقى التواصل والتآلف كبشر يمتلكون اهتمامات وحياة خاصة خارج أسوار العمل ضرورة ملحة؛ فهذه التآلفات الصغيرة في بناء العلاقات غالبًا ما ترترك أثرًا عميقًا ومضاعفًا على كل مسارات عملنا.
  • تطويع الذكاء الاصطناعي لتمكين العلاقات لا لنسخها: حتى وأنا من أشد الداعين إلى دمج وكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن الهياكل التنظيمية، ما زلت موقنًا بأن هذه التقنيات أُوجدت لتدعم علاقاتنا البشرية لا لتستبدلها. يرفع الذكاء الاصطناعي من معدلات إنتاجيتنا وكفاءتنا، لكنه يفتقر إلى الرعاية والاهتمام الإنساني؛ فهو لن يسألك عن أحوال أسرتك ولن يقدم لك كوب قهوة. وكما أظهر استطلاع أجرته "IBM" للرؤساء التنفيذيين بأن «نجاح الذكاء الاصطناعي مرهون بمدى تبني العنصر البشري له وليس بالتكنولوجيا في حد ذاتها»، يتوجب أن يظل الكادر البشري وعلاقاته الإنسانية في صدارة الأولويات.
  • استيعاب الفروق والتنوع بين الأجيال: لا تقتصر التباينات بين الأجيال على مدى تقبلهم للتقنية وكيفية التعامل معها، بل تمتد لتلقي بظلالها على أساليب التواصل اليومية. أظهرت إحدى الإحصائيات أن «خمسين بالمائة من أبناء الجيلين الأخيرين يشعرون بوطأة عدم الراحة عند إجراء المكالمات الهاتفية في بيئات العمل الرسمية». وحيث إن التراكمية المؤسسية تتغذى على العلاقات ونقاط التماس المباشرة، فإن محاولة التجسير بين الأجيال تتطلب قدرًا العاطفة والمرونة لتكييف أسلوب التواصل بما يناسب طبيعة الفئة المستهدفة.

في المرة القادمة التي يشاركك فيها زميل تقريرًا يحمل بيانات تخالف توقعاتك، توقف لتتأمل طبيعة رد فعلك: إذا كانت أواصر الثقة والعشرة بينكما متينة، فستقضي الأوقات التالية في طرح استفسارات موضوعية لتفكيك الأرقام وفهمها، دون أن يخطر ببالك لحظة واحدة التشكيك في مصداقية ما يقدمه ذلك الزميل. وتلك بالتحديد هي القيمة العظمى للتراكمية والعشرة المؤسسية.

المصدر

مقالات ذات صلة