القائمة الرئيسية

كيف يستنير عقل الطفل؟ اللغز يكمن في كبار يشاركونه شغف القراءة ورعاية فروضه

كيف يستنير عقل الطفل؟ اللغز يكمن في كبار يشاركونه شغف القراءة ورعاية فروضه
ملخص المقال

تكشف الدراسة أن ضعف التحصيل الدراسي المبكر في غانا لا يرتبط فقط بجودة المدارس أو محدودية الموارد، بل يتأثر بدرجة أكبر بالبيئة المنزلية ومشاركة أولياء الأمور في تعليم أطفالهم. فاستنادًا إلى بيانات أكثر من 3,700 طفل، وجدت الدراسة أن القراءة مع الأطفال، ومساعدتهم في الواجبات، والتفاعل اليومي معهم يرفع أداءهم الأكاديمي بصورة ملحوظة، حتى في الأسر ذات الدخل المحدود، بينما لم يكن لشكل الأسرة (وجود الوالدين معًا أو أحدهما فقط) تأثير مباشر بعد احتساب عوامل الدعم المنزلي. وتخلص الدراسة إلى أن تعزيز دور الأسرة في التعلم المبكر يمثل وسيلة فعالة ومنخفضة التكلفة لتحسين مخرجات التعليم، مما يستدعي أن تمتد السياسات التعليمية إلى تمكين الأسر وتزويدها بإرشادات عملية لدعم تعلم الأطفال داخل المنزل، إلى جانب تطوير المدارس.

تفيض مدارس غانا كل عام بآلاف الأطفال الذين يخطون خطواتهم الأولى نحو معارج التعليم النظامي، والأمل يملؤهم بمستقبل واعد. غير أن الواقع يصدم الكثيرين منهم، إذ يجدون صعوبة بالغة في السيطرة على مبادئ القراءة وأساسيات الحساب خلال سنوات دراستهم الأولى.

ولعلك تعجب إذ تعلم أن ستة من كل عشرة طلاب في الصف الرابع الابتدائي في غانا لا يمتلكون المهارات الأساسية في مادة الرياضيات، بينما يعجز نصفهم تقريباً عن استيعاب مفاهيم اللغة الإنجليزية كما ينبغي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تلاميذ هذا الصف هم أولئك الذين يقضون سنتهم الرابعة في المضمار الابتدائي، وغالباً ما ناهزت أعمارهم العاشرة.

وانطلاقاً من موقعنا كباحثين ينقبون عما يعين هؤلاء النشء على جني ثمار العلم بشكل أفضل في غانا، أردنا الغوص في جانب مسكوت عنه وركن طالما غفلت عنه الأبصار، ألا وهو المأوى والبيت. وتسلط دراستنا هذه ضوءاً جديداً على الأهمية البالغة للموارد المتاحة بين جدران المنزل، وحجم الرعاية التي يقدمها أولياء الأمور، فضلاً عن طبيعة البناء الأسري واحتوائه للطفل.

وقد انتهينا إلى نتيجة مفادها أن صغار السن يقطعون شوطاً بعيداً في مضمار النجاح المدرسي متى ما وجدوا من يدعمهم ويأخذ بأيديهم في المنزل بفاعلية وشغف، حتى وإن كانت تلك الأسر تعيش في كفاف وتفتقر إلى الموارد. وتفتح هذه النتائج باباً من الأمل مفاده أن النهوض بآفات التعليم في البيئات الفقيرة لا يستلزم بالضرورة ضخ أموال طائلة أو استثمارات مكلفة.

إن سنوات العمر الأولى هي المنسج الذي تُغزل فيه شخصية الطفل وقدراته؛ فكل مهارة يكتسبها في مرحلة الروضة أو في مطالع دراسته الابتدائية تصبح اللبنة الصلبة التي يستند إليها بناؤه المعرفي المستقبلي. أما أولئك الذين يتعثرون في هذه المرحلة، فغالباً ما يجدون مشقة بالغة وحسرة في تدارك ما فاتهم وترميم ما انكسر في سنواتهم اللاحقة.

البيت: النبع الأول للمعرفة

في الدول نامية الاقتصاد، تتجه بوصلة النقاشات التعليمية دوماً نحو تجهيزات المدارس وكفاءة الكوادر التدريسية. غير أن الحقيقة الساطعة هي أن المعرفة لا تبدأ مع جرس الفسحة ولا تنتهي عند حدود الفصول الدراسية. فقد أثبتت الدراسات أن رحلة الاستكشاف تسبق دخول الطفل إلى المدرسة بزمن طويل، وأن القائمين على رعايته في البيت هم معلموه الأوائل والأقوى أثراً في تشكيل وعيه.

ومن هنا، تغدو البيئة المنزلية، بما تشتمل عليه من أنشطة يقضي بها الطفل وقته بعد ساعات الدراسة، وطرق مساندة الأهل له، حجرة الزاوية في مسيرته الفكرية.

على أن القائمين على رعاية الأطفال لا يدركون في كثير من الأحيان مدى عمق الأثر الذي يمكنهم إحداثه في مسار أبنائهم، ولا سيما إذا كانت حظوظهم هم أنفسهم من التعليم محدودة أو متواضعة.

وهذا ما يفسر ضآلة مشاركة الوالدين وضعف انخراطهم في المسيرة التعليمية المبكرة داخل غانا حتى وقتنا هذا.

بين البيت والمدرسة في أرض غانا

استندت دراستنا إلى تقصي بيانات ثلاثة آلاف وسبعمائة واثنين وأربعين طفلاً تراوحت أعمارهم بين أربع وثماني سنوات، ممن ينتمون لمراحل الروضة الأولى وحتى الصف الأول الابتدائي. وقد جرى اختيار هؤلاء التلاميذ من بين اثنتين وستين مدرسة توزعت بين القطاعين العام والخاص في إقليمي أكرا الكبرى والإقليم الأوسط.

وقد سلطنا المجهر على عوامل منزلية عدة، من بينها الثروة المعرفية والتكنولوجية المتوفرة في البيت مثل الكتب، والألعاب التعليمية، والأجهزة الرقمية، إلى جانب مستوى تفاعل الأهل كأن يقرؤوا مع أبنائهم أو يمدوا لهم يد العون في حل الواجبات، وصولاً إلى طبيعة التشكيل الأسري وما إذا كان الطفل يعيش بين أحضان والديه معاً.

ولتقييم المستوى الأكاديمي للطلاب، استعننا بكراسات كشفية صُممت خصيصاً لتناسب كل مرحلة عمرية وتتسق تماماً مع المناهج المعتمدة من هيئة التعليم في غانا. وشملت الاختبارات مهارات القرائية، والحساب، والتفكير المنطقي بما يلائم المستويات الثلاثة على النحو الآتي:

تمارين الملاءمة والتطابق البسيطة، مثل الربط بين الأشكال، والحروف، والحيوانات، وأنصاف الصور، وذلك لطلاب الروضة الأولى.

مهارات التنسيق، والتعداد، واكتشاف الأنماط، واستبعاد العناصر الغريبة، لطلاب الروضة الثانية.

عزف على أوتار الملاءمة، والحساب الأساسي، والتمتع بتمييز الأشكال، وتركيب الكلمات، وترتيب تسلسل الصور، والتفرقة بين الكائنات الحية والجمادات، وتلوين المساحات بحسب الأرقام، وذلك بالنسبة لطلاب الصف الأول الابتدائي.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن نجد الأطفال المنحدرين من بيئات منزلية أثرى بالموارد متفوقين أكاديمياً؛ إذ إن البيئة التي تزخر بالكتب والألعاب والتقنيات تفتح للطفل آفاقاً أرحب للملاحظة والتعلم.

لكن المثير في الأمر أن سلوك القائمين على الرعاية وما يفعلونه داخل البيت كان يمتلك بصمة أعظم وأشد تأثيراً على تحصيل الأطفال.

فقد أظهرت النتائج أن الأطفال الذين حظوا برفقاء يقرؤون معهم أو يشاركونهم حل الواجبات المدرسية قد حققوا نتائج أعلى بنسبة تسعة بالمائة في الاختبارات مقارنة بأقرانهم الذين افتقروا لهذا التفاعل الأسرى، وذلك بعد ضبط كافة المتغيرات الأخرى كالعمر، والمرحلة الدراسية، وحجم الموارد المنزلية. ويعود هذا الفارق إلى أن هذا الاحتكاك اليومي يبعث النشاط في عقل الطفل ويوفر له فرصة ذهبية لتطبيق ما يتلقاه في مدرسته.

كما بدا جلياً أن تلاميذ الصف الأول الابتدائي قد أظهروا تفوقاً ملموساً على أطفال الروضة، وكانت اتساعات الفروق بين المراحل الدراسية في أوجها لدى الأطفال الذين وجدوا أهلاً ينخرطون بجدية في تفاصيل رحلتهم التعليمية.

ولقد تبين أن القراءة مع الأطفال تترك أثراً بالغ العمق في مرحلة الروضة تحديداً، في حين أن المزج بين قراءة القصص والمساعدة في حل التكليفات المدرسية شكّل القوة الضاربة والداعم الأكبر لأداء الطلاب عند وصولهم إلى الصف الأول الابتدائي.

ولم تقف مشاركة الأهل عند هذا الحد، بل كانت هي المفتاح الذي يفسر سر تفوق أطفال الأسر الميسورة، وهي الجسر الذي ردم الفجوة الكائنة بين المنازل الغنية بمواردها وتلك التي تعاني العوز. وهذا يحمل في طياته بشرى مفادها أن التفاعل الإيجابي لأولياء الأمور قادر على تعويض النقص في الموارد وتحفيز التعلم حتى في أكثر البيئات شحاً.

هل تؤثر هيكلية الأسرة ونوعها؟

ساد انطباع لفترات طويلة بأن الأطفال الذين ينشؤون في أسر يتولى أسرها معيل واحد هم أكثر عرضة للتراجع الأكاديمي. بيد أن دراستنا أثبتت عدم وجود أي رابط مباشر بين شكل الأسرة والأداء الدراسي للطفل. فالأطفال الذين عاشوا مع كلا الوالدين، أو مع أحدهما، أو ضمن ترتيبات معيشية أخرى، أظهروا مستويات تقارب كاملة بمجرد تحييد الموارد المنزلية ومدى انخراط الأهل في العملية التعليمية.

وفي مناطق إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تؤدي العائلة الممتدة دوراً حيوياً في تنشئة الأطفال؛ إذ غالباً ما يتدخل الأجداد، والعمات، والأخوال، وحتى الإخوة الكبار لسد الفراغ المعرفي وتوجيه الطفل في حال غياب أحد الوالدين.

ما الذي يعنيه هذا لصناع القرار وواضعي السياسات؟

إن الخطط والبرامج التي تستهدف النهوض بالتعليم المبكر يجب ألا تحصر رؤيتها بين جدران المدارس فحسب، بل ينبغي لها أن تمتد لتزود الأسر بآليات وتوجيهات عملية تمكنهم من إدارة البيئة التعليمية المنزلية بكفاءة.

وهذه التدخلات لا تتطلب ميزانيات ضخمة، بل يكفي تشجيع الأسر على توجيه فرد قادر داخل البيت ليتولى القراءة مع الطفل، ومحاورته حول يومه الدراسي، ومتابعة واجباته، ليشعر الطفل بعظمة ما يفعل.

إن المبادرات التي تمنح الأسر أدوات القيادة لتكون جزءاً أصيلاً من رحلة نمو أبنائها، كفيلة بأن تغرس ثماراً طيبة يستمر أكلها سنوات طويلة، وتنعكس بالخير والازدهار على الأطفال والمدارس والمجتمع برُمته.

المصدر

 

مقالات ذات صلة