القائمة الرئيسية

لتعزيز الصمود المالي العالمي… لماذا لا نبدأ من الفصل الدراسي؟

لتعزيز الصمود المالي العالمي… لماذا لا نبدأ من الفصل الدراسي؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للتثقيف المالي داخل المدارس أن يتحول إلى أداة فعالة لبناء الصمود المالي على المدى الطويل، من خلال تحسين قرارات الاقتراض والادخار، وتقليل الاعتماد على الديون مرتفعة الفائدة، وتحقيق فوائد تمتد من الطلاب إلى المعلمين وأولياء الأمور، مقابل تكلفة محدودة وعائد اقتصادي يفوق أربعة أضعاف الاستثمار.

• تزداد الأنظمة المالية حول العالم تعقيداً ومخاطر، ما يجعل إدارة الأفراد لأموالهم أكثر صعوبة.

• تُظهر أبحاث جديدة أن التثقيف المالي في المدارس قادر على إعادة تشكيل السلوك المالي على المدى الطويل وتحقيق فوائد تمتد إلى مجتمعات بأكملها.

• يمثّل التثقيف المالي المدرسي وسيلة منخفضة التكلفة نسبياً لمساعدة الأفراد على إدارة أموالهم وتعزيز استقرار الاقتصاد الكلي على المدى الطويل.

أصبح المستهلكون في مختلف أنحاء العالم أقل استعداداً للتعامل مع الأنظمة المالية شديدة التعقيد والمخاطر المتزايدة في الأسواق. وفي مواجهة ذلك، تعمل أكثر من 70 دولة حالياً على تنفيذ استراتيجيات وطنية للتثقيف المالي أو تصميمها، وفقاً لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. ومع ذلك، لا تزال هناك شكوك بشأن العائد الحقيقي على الاستثمار في هذه البرامج.

قد يتعلم الطلاب مفاهيم مالية في المدرسة، ولكن هل يمكن أن تتلاشى هذه المعرفة بحلول الوقت الذي يصبحون فيه بالغين ويدخلون فعلياً إلى النظام المالي؟

غير أن الأدلة الحديثة تدحض هذه الشكوك. ففي دراسة رائدة، تابعتُ 60 ألف طالب في بيرو بين عامي 2016 و2023، ووجدت أن التثقيف المالي المدرسي لا يحقق نتائج فعالة على المدى القصير فحسب، بل يعيد أيضاً تشكيل السلوك المالي للأفراد بصورة جوهرية على المدى الطويل، ويُحدث آثاراً إيجابية واسعة تمتد إلى مختلف فئات المجتمع.

قوة التثقيف المالي في المدارس

يُعدّ نموذج تقديم التثقيف المالي عاملاً حاسماً في تحقيق مكاسب تعليمية ملموسة. وكما يُظهر بحثي، فإن توجيه التثقيف المالي إلى الشباب يعزز معارفهم بدرجة كبيرة. كما تكشف الدراسة عن عدد من النتائج الرئيسية الأخرى المتعلقة بالطرق الأكثر فعالية لتقديم هذا النوع من التعليم.

أولاً، يحقق الإدماج الإلزامي أفضل النتائج. فعندما يُدرج التثقيف المالي مباشرة ضمن اليوم الدراسي العادي، يكون تأثيره في تعلم الطلاب أكبر بنحو أربع مرات مقارنة بتقديمه في شكل برنامج اختياري بعد انتهاء الدوام المدرسي.

كما أن تدريس مبادئ التمويل الشخصي لا يفرض أي تنازل على حساب التحصيل الأكاديمي. فعندما يتلقى الطلاب تعليماً مالياً، لا تظهر أي آثار سلبية في تقدمهم الدراسي العام أو نتائجهم في الرياضيات أو تطلعاتهم إلى الالتحاق بالجامعة.

منطلق شامل لاكتساب المعرفة المالية

كما وثّقتُ في دراسة أخرى أجريتها، تتسم الآثار المباشرة للتثقيف المالي المدرسي بدرجة عالية من الشمول. فمكاسب التعلم على المدى القصير تشمل الطلاب من مختلف الأجناس والمستويات الاجتماعية والاقتصادية ومستويات الأداء الدراسي الأساسية.

ولا تؤدي هذه البرامج إلى توسيع أوجه عدم المساواة الموجودة أصلاً داخل الفصول الدراسية، كما أنها لا تترك الطلاب ذوي الأداء المنخفض متأخرين عن غيرهم في استيعاب المفاهيم المالية.

لكن الاختبار الحقيقي للتثقيف المالي يتمثل في معرفة ما إذا كان قادراً على تغيير سلوك الأفراد عندما يصبحون بالغين.

ومن خلال ربط بيانات الطلاب في المرحلة الثانوية بالسجلات الإدارية لمكاتب الائتمان التي تغطي السنوات السبع الممتدة حتى عام 2023، يُظهر بحثي أن الدروس المالية المبكرة قادرة على بناء صمود مالي دائم.

فبدلاً من الاكتفاء بحفظ الصيغ والقواعد، يمكن للطلاب تعلّم كيفية التعامل مع المعلومات المالية وتحليلها. ويمنحهم ذلك قدرة أكبر على اتخاذ قرارات مالية واقعية في مراحل لاحقة من حياتهم.

وتكشف هذه الأدلة طويلة المدى عن عدة تحولات منهجية في السلوك نتيجة للتثقيف المالي:

الطلاب الذين تلقوا تعليماً مالياً اتخذوا قرارات مختلفة بشأن الاقتراض عندما أصبحوا بالغين، إذ ابتعدوا بصورة استراتيجية عن الديون المتجددة مرتفعة الفائدة، مثل ديون بطاقات الائتمان، واتجهوا نحو القروض الشخصية المنظمة ذات الآجال المحددة.

ورغم عدم تسجيل تغيرات كبيرة في احتمال امتلاك ديون متأخرة السداد أو ديون مشطوبة، أظهرت الدراسة أدلة على انخفاض التكاليف الشهرية للديون المتجددة التي كان هؤلاء الطلاب يتحملونها.

وخلال الصدمات الاقتصادية الكلية التي رافقت جائحة كوفيد-19، قلّل هؤلاء المشاركون أيضاً اعتمادهم على بطاقات الائتمان بدرجة ملحوظة، ما ساعدهم على تجنب الوقوع في فخاخ الديون مرتفعة الفائدة.

الفجوة السلوكية في أثر التثقيف المالي

يكشف بحثي أيضاً أنه رغم كون مكاسب المعرفة موحدة وعادلة بين مختلف الطلاب داخل الفصل الدراسي، فإن هذه المكاسب لا تتحول بالضرورة إلى تغيرات سلوكية على المدى الطويل.

فعلى مدار السنوات السبع التي تابعتُ خلالها الطلاب السابقين بعد دخولهم مرحلة البلوغ، تركزت التحولات الإيجابية في السلوك الائتماني والقدرة على الوصول إلى الائتمان بدرجة كبيرة لدى الطلاب الذين كانت مستويات أدائهم الأكاديمي الأساسية أعلى.

وبينما أتاح التثقيف المالي لهؤلاء الطلاب بناء مستوى أساسي من الفهم المالي يشمل الجميع، كان الطلاب الأعلى تحصيلاً أكثر قدرة على تحويل هذا التعليم إلى مزايا مالية وائتمانية واضحة ومستدامة في حياتهم كبالغين.

الأثر المضاعف للتثقيف المالي

من الحجج القوية الأخرى المؤيدة للتثقيف المالي المدرسي أنه يولّد فوائد غير مباشرة تمتد إلى الآباء والمعلمين على حد سواء.

يُظهر بحثي أن التثقيف المالي في المدارس أدى إلى زيادة الثقافة المالية لدى المعلمين بدرجة أكبر من الزيادة المسجلة لدى الطلاب أنفسهم، وهو ما انعكس في ارتفاع احتمال ادخارهم بمقدار 8.7 نقاط مئوية.

كما سجل المعلمون زيادة متوسطة تجاوزت 500 دولار في أرصدة مدخراتهم الشخصية عند انتهاء برنامج التثقيف المالي.

ويمكن للمعرفة أيضاً أن تنتقل من الأطفال إلى آبائهم، ما يوفر «مدخلاً خلفياً» يسمح للتثقيف المالي بالانتشار عبر مختلف مستويات الهرم الاقتصادي.

فعندما شارك طلاب ينتمون إلى أسر ذات وضع اجتماعي واقتصادي منخفض في البرنامج، انخفض احتمال تعثر أحد الوالدين في سداد ديونه بنسبة 26%، وارتفعت درجته الائتمانية بنسبة 5% مقارنة بالمجموعة التي لم تشارك في البرنامج.

وكان هذا الأثر المتوارث بين الأجيال قوياً بصورة خاصة في الأسر التي شاركت فيها طالبات، إذ سجلت هذه الأسر انخفاضاً بنسبة 28% في حالات التأخر الائتماني لدى الآباء.

الجدوى الاقتصادية للتثقيف المالي

تبلغ تكلفة توسيع نطاق هذا البرنامج المدرسي 4.80 دولارات لكل طالب. ومن خلال متابعة هؤلاء الطلاب خلال مرحلة البلوغ على مدى عشر سنوات، يُظهر البحث أن هذا الاستثمار يمكن أن يحقق فوائد مالية مباشرة بقيمة 21.24 دولاراً لكل مشارك.

ويعني ذلك أن كل دولار يُستثمر في البرنامج يحقق أكثر من أربعة دولارات من القيمة الاقتصادية للمجتمع.

إضافة إلى ذلك، يسترد البرنامج تكاليفه بسرعة، إذ يصل إلى نقطة التعادل خلال 1.75 سنة فقط من بدء الشباب مشاركتهم الفعلية في سوق الائتمان الرسمي.

والأهم من ذلك أن هذه المؤشرات الاقتصادية لا تمثل سوى الحد الأدنى للعائد الحقيقي على الاستثمار في البرنامج.

فلو شمل التحليل المكاسب الاقتصادية الكبيرة المذكورة سابقاً، ومنها زيادة المدخرات الشخصية للمعلمين بآلاف الدولارات، وانخفاض حالات تعثر الآباء في سداد القروض بنسبة 26%، لكانت النسبة الحقيقية للفوائد إلى التكاليف، وكذلك صافي القيمة الحالية للبرنامج، أعلى بدرجة هائلة.

يمثّل التثقيف المالي في المدارس تدخلاً منخفض التكلفة يمكنه إحداث تغيرات سلوكية كبيرة تستمر طوال حياة الطلاب. كما يمكن أن يشكل آلية عالية الكفاءة وقادرة على تمويل نفسها، بما يدعم استقرار الاقتصاد الكلي على المدى الطويل.

المصدر

مقالات ذات صلة