القائمة الرئيسية

كيف يمنحك الذكاء الاصطناعي وهم الإنجاز بينما يكبّل حركة مؤسستك؟

كيف يمنحك الذكاء الاصطناعي وهم الإنجاز بينما يكبّل حركة مؤسستك؟
ملخص المقال

يتناول المقال الوهم الذي قد تخلقه أدوات الذكاء الاصطناعي حول زيادة الإنتاجية داخل المؤسسات، مؤكداً أن تسريع إنجاز المهام لا يعني بالضرورة تحقيق نتائج أفضل على مستوى العمل ككل. ويوضح أن دمج الذكاء الاصطناعي في مسارات عمل غير فعالة يؤدي إلى تسريع الأخطاء وإعادة العمل بدلاً من تحسين الأداء، مستشهداً بدراسات أظهرت أن الشعور بالإنتاجية قد يتعارض مع الإنتاجية الفعلية. ويؤكد أن المؤسسات الناجحة هي التي تعيد تصميم مسارات العمل قبل إدخال الذكاء الاصطناعي، وتقيس أثره بمؤشرات مثل زمن إنجاز العملية بالكامل، وجودة المخرجات، ومعدلات إعادة العمل، والعائد التجاري، بدلاً من عدد المستخدمين أو حجم الاستخدام. ويختتم المقال بالتأكيد على أن تحقيق القيمة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي يعتمد على إعادة هندسة العمليات، ودمج التقنية في قلب سير العمل، وحماية وقت الخبراء، وتطبيق حوكمة فعالة تضمن أن تتحول مكاسب السرعة إلى مكاسب إنتاجية مستدامة.

إن إقحام أدوات الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل المتهالكة لا يداوي خللها، بل يعجّل بانهيارها على نطاق أوسع. هذا خط عملي يستهدف قياس المكاسب الحقيقية المتحققة، وتعرية الزخم الزائف الذي يخلب الألباب.

احذروا خدعة الإنتاجية السرابية؛ فمع اندفاع الموجة الأولى لتطبيق الذكاء الاصطناعي في قطاعات الأعمال، يتتابّع الموظفون في الإعراب عن شعورهم بطفاطة السرعة، وتنهال إشادات القيادات بزيادة المخرجات، وتتألق لوحات المتابعة باللون الأخضر دلالةً على الاتساع في الاستخدام. غير أن الحقيقة الغائبة في كثير من الأحيان هي أن المؤسسات لم تزداد إنتاجية، بل ازدادت حركةً ونشاطاً فحسب. وبين الفاعلية الحقيقية وكثرة الحركة بون شاسع، مرشح للاتساع ما لم يَعِد القادة ترتيب أوراقهم وطريقة تفكيرهم في كيفية دمج هذه التقنيات.

كشفت دراسة أجرتها مؤسسة ""ميتر"" عام ألفين وخمسة وعشرين عن واقع لافت؛ إذ توقع مطورون ذوو خبرة عالية أن يمنحهم الذكاء الاصطناعي دفعة في السرعة تعادل أربعاً وعشرين بالمئة، واستشعروا بالفعل زيادةً قاربت العشرين بالمئة عقب التطبيق. ولكن حين وُضعت أعمالهم تحت مجهر التوقيت الفعلي، تبين أنهم كانوا أبطأ بنسبة تسع عشرة بالمئة. والغريب أن مثل هذا التراجع لا يترك أثراً مالياً صريحاً يستثير انتباه الإدارات المالية في هيكل المؤسسة.

تُعرف هذه الظاهرة بأفضل صورة تحت اسم ""انحياز البداية المتقدمة""؛ فالذكاء الاصطناعي ببراعته الفائقة يمنح العاملين شعوراً مجازياً بالانطلاق، إذ يمحو رهبة الصفحة البيضاء في لحظات، ويسكب مسودة متدفقة في ثوانٍ معدودة، مما يعود على النفس براحة واضحة. بيد أن إنتاجية المؤسسات لا تُقاس بمدى سرعة إطلاق الشرر الأول للعمل، وإنما تُقاس بالزمن الذي يستغرقه المنتج النهائي عالي الجودة للوصول إلى منصة القرار، أو يد العميل، أو ملف المطالبة، أو عرض السعر، أو المريض، أو حيز الإصدار والتدشين. إن الذكاء الاصطناعي يختصر الجزء الظاهر الملموس من المهمة، لكنه يترك العمل الخفي الذي يليه دون مساس، والمتمثل في التمحيص، والتصحيح، والتوفيق بين البيانات، والحوكمة، والدفاع عن سلامة المخرج. وبينما ينتشي الموظف بشعور السرعة لبروز المسودة الأولى بين يديه، تغرق المؤسسة في بطء شديد ما إن تتلقى المنظومة تلك المسودة لدخول دوامات المراجعة والتعديل.

الداء العضال: زرع التقنية في جَسَد مسارات عمل معطوبة

إن هذه الضريبة المرتفعة ليست عيباً أصيلاً في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل هي ثمرة طبيعية ومترتبة على إقحام تقنية حديثة في مسارات عمل قديمة لم يُعد أحد تصميمها. وهو الشائبة ذاتها التي وقعت فيها الشركات سابقاً عند تبني أتمتة العمليات، وتحليلات البيانات، ومبادرات التحول الرقمي. إن استزراع وكيل ذكاء اصطناعي إلى جوار عملية مفككة لا يمثل تحولاً حقيقياً، ولا تُعد الخوارزمية التي تستدعي واجهة برمجية نموذج تشغيل، كما أن مكتبة الأوامر لا تعني امتلاك قدرة مؤسسية.

عكفت شركة ماكينزي على قياس خمسين خاصية لمعرفة ما إذا كانت الشركات قد جصّلت تأثيراً مالياً حقيقياً في أرباحها جراء تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي، فكان الفارق الجوهري الأكبر والأوحد بين الرابحين والخاسرين هو إعادة تصميم مسارات العمل، ورغم ذلك، لم تُقدم على هذه الخطوة سوى خُمس الشركات تقريباً. إن أتمتة عملية معطوبة لا يصلح شيئاً من أركانها، بل يمنحها القدرة على الفشل بنسق أسرع وبحجم أكبر.

اجعل معيارك مسار العمل بأكمله لا المهمة المفردة

بات من أوجب الواجبات على القيادات نقل مقاييس النجاح من المؤشرات المضللة كعد المستخدمين ونسب استهلاك البيانات، إلى المكاسب الملموسة على أرض الواقع. إن بطاقة التقييم الجادة هي التي ترصد مسار العمل من بدايته إلى نهايته، مستهدفةً زمن الدورة الكلية من الاستلام حتى الإنجاز، ونسبة القبول من المرة الأولى دون حاجة لتعديلات جوهرية، ومعدل إعادة العمل، وسرعة اتخاذ القرار، والعبء الواقع على كاهل الخبراء في المراجعة، إلى جانب محصلة الأداء التجاري نفسها. وإن أقصر الطرق لكشف هذا التظاهر هو استبدال كل مقياس شكلي بالنتيجة الفعلية التي يدعي تمثيلها.

يجلي الجدول التالي أمثلة واضحة للتحول المطلوب في فلسفة قياس نتائج الذكاء الاصطناعي عبر القطاعات والوظائف المختلفة:

القطاع والوظيفة

المقاييس التي يجب التخلي عنها (توحي بالإنتاجية)

المقاييس التي يجب البدء بها (تحقق الإنتاجية)

اكتتاب التأمين

تلخيص الطلبات الواردة

زمن دورة تقديم العروض، ونسبة الارتباط، وتسرب الاكتتاب، ودقة اختيار المخاطر

الخدمات المصرفية والائتمان

صياغة المذكرات وملفات التعرف على العميل

زمن دورة الموافقة، ومعدل الاستثناءات، وعيوب الامتثال، وسرعة إدراج العملاء

العمليات الصحية

صياغة الملاحظات والموافقات المسبقة

انخفاض معدلات الرفض، والوقت المسترد للأطباء، ودقة الترميز، وسد فجوات الرعاية

هندسة البرمجيات

عدد أسطر البرمجة المولدة

الزمن الكلي لإكمال المشروع، ومعدل فشل التغيير، والعيوب في اختبارات القبول، وعبء المراجعة

الاستشارات والأعمال المعرفية

إعداد العروض التقديمية والملخصات

معدل تحويل المقترحات لعقود، وحصافة قرارات العملاء، وجودة الحلول المقدمة

خريطة طريق عملية لنهج جديد في قياس الإنتاجية

إن الشتان بين إدراك المشكلة وبين وضع نهج جديد تماماً لتقييم التحسينات التقنية وتطبيقها على أرض الواقع. وفي نهاية المطاف، فإن التحول الحقيقي للذكاء الاصطناعي في المؤسسات هو ثمرة عملية إدارة التغيير بقدر ما هو عملية إدماج للتقنية. والشركات التي نجحت في تصحيح المسار وحققت نتائج مشهودة، إنما بلغت ذلك عبر التزامها بست خطوات متكاملة:

أولاً: افحص العمل الذي يخالطه الذكاء الاصطناعي، وليس الأدوات ذاتها. قم برسم خريطة دقيقة للعمل الفعلي الذي تمسه التقنية، وتقصَّ الجهد المستتر خلف الكواليس من صياغة الأوامر، والتدقيق، والنسخ، والتعديل، والتصعيد، وإعادة الكرّة. إن كثرة المنصات والتراخيص المفعلة لا توفر أي دلالة عن حجم الإنتاجية الحقيقية.

ثانياً: صنّف حالات الاستخدام وتصرف مع كل حالة بحسبها. وزع الأعمال على أربع فئات، ووجه التمويل بناءً على هذا التصنيف:

  • تسريع مسار العمل: وهي المكاسب الحقيقية القابلة للتكرار والتحقق، فهذه تُوسع وتُصنع على نطاق مؤسسي.

  • الإنتاجية الشخصية: وهي النفع الموضعي المحصور، فهذه يُسمح بها وتُدار بحوكمة خفيفة.

  • وهم الإنتاجية: وهي التي تمنح شعوراً بالسرعة لكنها تخلق عثرات ومشاكل لاحقة، فهذه تُعاد صياغتها أو تُوقف.

  • العمل صافي السلبية: وهو الذي يولد الضجيج ويكثر التعديلات، فهذا يُقضى عليه فوراً.

ثالثاً: اصنع التقنية في قلب مسار العمل لا على هامشه. إذا كان الموظف مضطراً لمغادرة نظامه الأصلي لنقل البيانات إلى نموذج تقني ثم نسخ مخرجاته وإعادتها لمكانها، فأنت لم تبنِ إنتاجية، بل أوجدت ذكاءً اصطناعياً قائماً على التنقل بين الشاشات. اجعل التقنية مدمجة في نظام المطالبات، أو منصة الاكتتاب، أو السجلات الصحية، أو خطوط تطوير البرمجيات، أو قوائم إنجاز المهام.

رابعاً: تتبع إعادة العمل بحزم شديد. راقب معدلات تصحيح المخرجات، ومن يقيمها، وبأي تكلفة، وتعرف على الأوامر والنماذج والمستخدمين الذين يتسببون في القدر الأكبر من العثرات؛ إذ إن ساحة إعادة العمل هي المحك الحقيقي الذي يُختبر فيه ادعاء الإنتاجية، وهو الموقع الذي غالباً ما تتهاوى فيه تلك الادعاءات.

خامساً: صُن طاقات الخبراء وحصن أوقاتهم. لا تسمح للذكاء الاصطناعي بأن يحول كبار الموظفين إلى فريق لتنظيف وتعديل مخرجات المبتدئين المعتمدة على الآلة. اجعل مراجعة الخبراء محصورة في الحالات الاستثنائية، والقرارات ذات الأثر البالغ، ومسارات بناء القدرات. وإذا تسبب الذكاء الاصطناعي في زيادة عبء المراجعة على الخبراء، فاعلم أن نموذج التشغيل لديك قد اعتراه الخلل.

سادساً: احتفظ بقائمة صارمة للأعمال المحظورة. حظر استخدام الذكاء الاصطناعي في المهام النادرة، أو غامضة الأبعاد، أو ذات التبعات القانونية الشديدة، أو التي يستحيل التحقق منها بسرعة. إن الاستخدامات الخاطئة تلتهم الأموال وتبدد الثقة، وترميم الثقة بعد ضياعها أبهظ كلفةً بكثير.

الملامح الفاصلة بين التوفيق والإخفاق

إن المؤسسات التي تسير في الطريق الصحيح هي التي تجعل معيارها النتائج الحقيقية لا أرقام الاستخدام.

ويتجلى النموذج الناجح في بنك الكومنولث الأسترالي، الذي أعاد بناء مسارات عمل الخدمات ومكافحة الاحتيال مستنداً إلى الذكاء الاصطناعي، فحصد تقليصاً لخسائر الاحتيال للنصف تقريباً، وهبوطاً في حجم اتصالات مراكز الخدمة بنسبة أربعين بالمئة مقارنة بالعام السابق.

أما النموذج التحذيري فيتمثل في شركة ""كلارنا""، التي اندفعت بقوة ونهم نحو أتمتة خدمة العملاء، وحققت أرقاماً قياسية في السرعة والأحجام، لتستدرك في عام ألفين وخمسة وعشرين بمعاناة حقيقية جراء تقليص العنصر البشري بأكثر مما ينبغي، حيث شهدت تراجع الجودة مما اضطرها لإعادة توظيف الكوادر البشرية. لقد جودت هذه الشركة المقاييس الظاهرة أمام عينيها، وغفلت عن المقاييس الأشد أهمية وتأثيراً. إن القياس على مستوى مسار العمل الكلي يعني العناية بالجودة بالقدر نفسه الذي تُعنى به بحجم الإنتاج.

إن الميزة التنافسية القادمة في مضمار الذكاء الاصطناعي لن تقتصر على تزويد الجميع بقدرات الوكلاء الذكيين، بل ستنبع من المعرفة الدقيقة بالمواضع التي يرفع فيها الذكاء الاصطناعي معدل الإنتاج الفعلي، والمواضع التي لا يجاوز فيها منح الشعور بالتقدم، والمواضع التي يتسبب فيها بخفاء في إبطاء المنظومة برمتها.

ولن يكون الفائزون هم الأكثر امتلاكاً للأوامر أو المشاريع التجريبية أو فرسان الذكاء الاصطناعي، بل أولئك الذين يعيدون هندسة العمل، ويصلون التقنية بسياق المؤسسة، ويقيسون المخرجات المقبولة لا المخرجات المولدة، ويحمون طاقات الخبراء الثمينة، ويديرون حوكمة العمليات في زمن تشغيلها الفعلي.

إن الحقيقة المرة تمكمن في أن الذكاء الاصطناعي لديك قد يمنح موظفيك شعوراً كاذباً بالإنتاجية بينما هو يكبّل حركتهم ويتباطأ بهم، وما لم تعمد إلى قياس مسار العمل بأكمله، فلن تملك القدرة على التمييز بين الحقيقتين.

المصدر

مقالات ذات صلة