لو كُتب لنموذج ""كلود"" (Claude) أن يتوقف عن العمل غداً، هل تتوقف عجلة الإنتاج في الشركات وتُصاب الأعمال بالفلج، أم يكتفي الموظفون بهز كتوفهم والبحث عن بدائل ميسورة؟
تتزين لوحات المتابعة في أروقة الشركات بالمؤشرات الخضراء، وتستعرض تقارير المراجعة الفصلية بيانياتٍ صاعدة لأعداد الاشتراكات ونشاط عمليات النشر. غير أن هذه الصورة البراقة تخفي تحتها تساؤلاً جوهرياً: هل الأدوات الأكثر انتشاراً هي بالفعل الأكثر جذوراً في البنية التشغيلية للمؤسسة؟ إن هذا الخيط الفاصل بين ""شغف الاستخدام"" و""عمق التمكين"" لا يتجلى إلا حين يطرح القادة هذا السؤال المفصلي: لو سُحبت هذه الأدوات فجأة، هل تنهار بيئة العمل أم يجد الموظفون حيلة أخرى لإنجاز المهام؟
خذ نموذج ""كلود"" نموذجاً للظاهرة؛ إذ تشير معطيات تقرير ""مينلو فينتشرز"" الصادر في ديسمبر 2025 إلى أن شركة ""أنثروبيك"" حازت نحو 40% من الإنفاق المؤسسي على النماذج اللغوية الضخمة، متقدمة على ""أوبن إيه آي"" التي استأثرت بـ 27%. وتعتمد على هذا النموذج نحو 70% من شركات قائمة ""فورتشن 100""، بينما أتاحته شركة ""ديلويت"" لأكثر من 470 ألفاً من كوادرها.
لكن هذه الأرقام المستقاة من تقارير المستشارين وتغطيات الصحافة تُبرز جانباً واحداً من المشهد، في ظل تكتم ""أنثروبيك"" على نشر بيانات الاعتماد المؤسسي الخاصة بها. ورغم أن الأرقام تعكس انتشاره الاستثنائي بأي معيار، إلا أن غياب الإفصاح عن معدلات الاحتفاظ بالمستخدمين، ومدى التغلغل في مسارات العمل، وسلوك الاستبدال، يجعل المشتري المؤسسي يتحرك في بيئة تنقصها الرؤية الشاملة.
وفي هذا الصدد، يرى ألاستير باترسون، الرئيس والشريك المؤسس لشركة ""هارمونيك سيكوريتي""، أن مقاييس مثل: عدد المقاعد المباشرة، وحجم الرموز المستهلكة (Tokens)، وعدد المستخدمين النشطين شهرياً، لا تعبر إلا عن مستوى الانتشار الظاهري، دون أن تعكس القيمة الفعلية المتحققة على الأرض.
ظاهرة ""الذكاء الاصطناعي الخفي"": الاعتماد الحقيقي يقع خارج الرقابة
تتجلى الدلالة الأعمق حين نلتفت إلى الوجه الآخر للعملة؛ فعندما يلجأ الموظفون إلى حساباتهم الشخصية لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، أظهرت أبحاث ""باترسون"" أن ثلثي هذا النشاط يُسخَّر لأغراض العمل المباشرة.
يتجاوز الموظفون البرمجيات المعتمدة رسمياً لإيجاد حلول عملية لمهامهم، وفي الوقت الذي تنشغل فيه الإدارات بقياس خطط النشر الرسمية، يكون الاعتماد الحقيقي قد ضرب جذوره في مساحات أخرى خارج حسابات المؤسسة. وهذا يعني بالضرورة أن الأدوات التي باتت شرياناً حقيقياً للعمل، ليست هي الأدوات التي تعتقد المؤسسات أنها تديرها وتسيطر عليها.
الفارق الجوهري: بين الاستخدام العابر والضرورة القصوى
ما الذي يحدث فعلياً حين تُسحب الأداة من أيدي الموظفين؟
يجيب داستين إنجل، الشريك المؤسس لشركة ""إليجانت ديسربشن"" والمستشار في استراتيجيات الذكاء الاصطناعي:
-
الاستخدام العابر: إذا أُزيلت الأداة واستطاع الموظفون إنجاز مهامهم بالطريقة ذاتها مع شعور طفيف بعدم الراحة، فنحن أمام استخدام هامشي.
-
الضرورة القصوى والتمكين الهيكلي: إذا أدى غياب الأداة إلى تراجع في معدلات الإنتاجية، أو انخفاض جودة المخرجات، أو أوجب إعادة توزيع لإدارة الوقت والموارد البشرية، فهنا تكمن الضرورة التي لا غنى عنها.
ومع ذلك، تعجز معظم المؤسسات عن قياس هذا الفارق؛ لأن القياس يتطلب ربط نشاط الذكاء الاصطناعي بالنتائج ومسارات العمل بدلاً من الاكتفاء بمراقبة عدادات الاستخدام. فالعدسات التي ترصد ""التمكين الهيكلي"" توجه نحو مستوى مسارات العمل لا المنصات، وتتتبع مؤشرات مثل:
-
زمن الدورة التشغيلية في عمليات محددة.
-
حجم حلقات المراجعة والتعديل.
-
معدلات إعادة العمل وتكرار عمليات التصعيد.
-
مدى إمكانية ربط المخرجات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالمصدر الأصلي بثقة.
ولأن هذه المقاييس لا تُتتبع بأسلوب منهجي في غالبية الشركات، فإن المشكلة تنتقل من كونها مجرد تقييم تقني لتصبح قضية حوكمة وإدارة.
ويقترح ""إنجل"" اختباراً عملياً: اختر من 5 إلى 10 مسارات عمل تؤثر مباشرة في الإيرادات، أو إدارة المخاطر، أو تجربة العملاء، ثم أوقف استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فيها لفترة محددة وقس الفارق. إن اختباراً كهذا كفيلٌ بكشف المساحات التي يمثل فيها الذكاء الاصطناعي ركيزة بنيوية، وتلك التي لا يعدو فيها كونه مجرد تسهيل مريح، فضلاً عن كشفه لمدى مرونة المؤسسة تجاه تغير النماذج أم أنها باتت أسيرة لنمط تشغيلي مرتبط بأداة بعينها.
زمن المهمة: معيار رقمي لقياس عمق الاندماج
يقدم تحليل البيانات المتعلقة بالوقت المستغرق في تنفيذ المهام مؤشراً عملياً للوصول إلى الإجابة ذاتها.
أظهرت البحوث التي أجرتها ""هارمونيك سيكوريتي"" أن الأدوات التي تحظى بأعلى مستويات التفاعل — مقاسة بالوقت المستغرق في Task Execution بدلاً من مجرد عدد مرات فتح التطبيق — هي الأكثر ترسيخاً في هيكل العمل. على سبيل المثال:
-
سجل تطبيق Perplexity للمؤسسات متوسط زمن قارب 12 دقيقة لكل مهمة.
-
سجل Claude للمؤسسات متوسط زمن يتجاوز 10 دقائق (تحديداً 10 دقائق و46 ثانية).
-
سجل Gemini Pro متوسط زمن قدره 5 دقائق ونصف.
|
الأداة المؤسسية |
متوسط زمن المهمة الواحدة |
دلالة نمط الاستخدام |
|
Perplexity |
~ 12 دقيقة |
معالجة معقدة ودمج عميق في سياق العمل |
|
Claude |
10 دقائق و 46 ثانية |
مؤشر قوي على الضرورة القصوى والاندماج الهيكلي |
|
Gemini Pro |
5 دقائق ونصف |
استعلامات سريعة وبحث مباشر |
إن أوقات المهام القصيرة تشير إلى أداة تُطلب للاستعلامات السريعة والاستكشاف المباشر، بينما يدل الاستغراق الأطول على التعامل مع مهام مركبة يصعب تكرارها يدويًا، مما يعني اندماج الأداة في صلب العمليات المباشرة (وإن كان يحتمل أحياناً بطئاً في استجابة النظام نفسه).
إضافة إلى ذلك، تكشف التقسيمات الإدارية تفاصيل لا تقل أهمية؛ إذ يوضح ""باترسون"" أن ما تفضله قطاعات التسويق قد لا يناسب الشؤون القانونية، والمؤسسات التي تتجاهل هذه الفروق الدقيقة تفقد قدرتها على فهم بيئتها التشغيلية بدقة.
ويبقى المتوسط الذي سجله نموذج ""كلود"" كأقرب قرينة متاحة على التمكين والضرورة، رغم كونه خاضعاً لتقديرات أطراف خارجية ولا يعكس بيانات رسمية من ""أنثروبيك"". وبناءً عليه، يظل ما يجري خلف أبواب الشركات مغلفاً بالغموض: هل يتسبب إيقاف ""كلود"" في كسر مسارات العمل أم يمر كإزعاج عابر؟ وهو غموض يمتد ليشمل كافة مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي الذين يحجبون هذه البيانات بدورهم.
التكلفة الخفية: عبء الرقابة البشرية على الوكلاء المستقلين
تتمثل إحدى العوائق الكبرى التي تعجز النماذج التقليدية عن قياسها في تكلفة الرقابة البشرية المرافقة للأنظمة القائمة على الوكلاء الذكيين (AI Agents).
إن عملية الإشراف تتطلب وجود مراجع يمتلك من المعرفة ما يكفي لاكتشاف الأخطاء الضمنية في المخرجات، وتدريباً مستمراً لصقل تلك المهارة، وزامناً مخصصاً للمراجعة؛ وهي تكاليف تتجاهلها دراسات الجدوى الأولية في أغلب الأحيان.
وفي هذا الصدد، يعلق جيسون دودز، مدير إدارة المعلومات والتكنولوجيا في شركة ""هاي سبرينج"":
""نادراً ما تظهر التكلفة الإجمالية الحقيقية في الحسابات المبدئية، وهذا الإغفال تحديداً هو المطب الذي تنهار عنده معظم نماذج حساب عائد الاستثمار (ROI).""
إن ما يبدو في الظاهر كأنه توفير في الموارد، ليس في واقع الأمر إلا إعادة توزيع للجهد البشري؛ فالعملية التي كانت تستغرق 10 ساعات من العمل البشري لا تتحول إلى عملية مجانية بمجرد دخول الذكاء الاصطناعي، بل تنتقل إلى صيغة أخرى تشمل: التقييم البشري، معالجة الاستثناءات، والتحقق من جودة النتائج. ويضيف ""دودز"": ""إذا أجرينا تقييماً صادقاً وموضوعياً للتأثير، فإن أرقام الإنتاجية ستستقر عند مستويات أصغر بكثير، لكنها تظل منطقية وممكنة الدفاع عنها.""
ينطبق الأمر ذاته على التكاليف التشغيلية المرافقة؛ فعمليات الربط برمجياً، وإدارة الأذونات، والصيانة المستمرة، هي مصاريف متكررة لا تُدرج في الحسابات الأولية. وبدون الاعتماد على نموذج شامل لحساب ""التكلفة الإجمالية للملكية"" (TCO) يمتد لعدة سنوات ويغطي هذه التفاصيل الهيكلية، فإن أرقام عائد الاستثمار المعروضة لا تعدو كونها ضرباً من الخيال المالي.
