ينبغي أن يتمحور استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية حول تحقيق نتائج ذات معنى، بدلاً من استعراض أحدث التقنيات.
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قطاع الرعاية الصحية بسرعة غير مسبوقة. فقد تجاوز الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي المخصص للرعاية الصحية 18 مليار دولار في عام 2025، كما بدأت كبرى الأنظمة الصحية في تخصيص استثمارات ضخمة لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، لا يزال هناك غياب لفهم مشترك للنتائج التي ينبغي أن تحققها هذه الاستثمارات، وللفئات المعنية التي يجب أن تستفيد منها، وللمعايير التي ينبغي استخدامها لتقييمها.
تؤكد هذه الورقة البيضاء أن المشكلة لا تكمن في افتقار الأنظمة الصحية إلى الأدوات الفكرية اللازمة لتحديد القيمة، بل في أن اعتماد الذكاء الاصطناعي يجري بوتيرة أسرع من تطبيق هذه الأدوات. وبعبارة أخرى، لن يكون الفائزون في سباق الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة هم الأنظمة التي تمتلك التكنولوجيا الأكثر تطوراً، بل الأنظمة التي تنجح أولاً في تحديد النتائج المهمة للمرضى والمهنيين والأنظمة الصحية، وتسعى إلى تحقيقها، وتبني منظومة الحوكمة اللازمة لضمان الوصول إليها.
تسلط الورقة الضوء على اختلال هيكلي في الطريقة التي تقيّم بها الأنظمة الصحية الذكاء الاصطناعي حالياً. فالنتائج التي ثبتت بوضوح أكبر، والتي تتمثل عادةً في مكاسب الكفاءة مثل تقليص وقت التوثيق، وزيادة عدد الزيارات الطبية المنجزة، وتحسين تسجيل رموز الفوترة، هي النتائج الأقرب مباشرةً إلى التكنولوجيا نفسها.
أما ما إذا كانت هذه المكاسب تؤدي بالفعل إلى تحسين نتائج المرضى، أو الحد من أوجه عدم المساواة، أو ضمان استدامة تقديم الرعاية، فلا يزال غير خاضع للقياس إلى حد كبير.
وتحدد الورقة ما تصفه بأنه «انقلاب في مفهوم القيمة» في صميم الطريقة التي تعتمد بها الأنظمة الصحية الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من قياس ما يهم المرضى والمهنيين، تقيس الأنظمة ما يسهل على طبقة الحوكمة المسؤولة عن المشتريات تقييمه. ويحدد مفهوم قيمة الذكاء الاصطناعي أولئك الأبعد عن تحمّل نتائج استخدامه، بينما تصبح متطلبات الأدلة أقل صرامة كلما ارتفع مستوى سلطة اتخاذ القرار، وتعكس المؤشرات المستخدمة لتحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي «يعمل» أولويات الجهات التي تجري القياس، لا أولويات الأشخاص الذين يشملهم القياس.
استناداً إلى البحوث المكتبية، والمقابلات مع خبراء من قادة الأنظمة الصحية ومطوري التكنولوجيا وصانعي السياسات، وإلى الخبرات المشتركة لمبادرتي الرعاية القائمة على النتائج والتحول الرقمي للرعاية الصحية التابعتين للمنتدى الاقتصادي العالمي، إلى جانب وحدة الذكاء الاصطناعي والرقمنة في قسم الصحة بكلية لندن للاقتصاد، تقترح الورقة أربعة مبادئ لإعادة توجيه حوكمة الذكاء الاصطناعي نحو النتائج ذات المعنى:
- ينبغي تحديد النتائج ذات المعنى من القاعدة إلى القمة، من خلال مشاركة منظمة للمرضى والمهنيين العاملين في الخطوط الأمامية، ثم السعي إلى تحقيقها من القمة إلى القاعدة، عبر أطر المشتريات والمساءلة.
- ينبغي أن ينتقل التعاون بين القطاعين العام والخاص نحو المشاركة في وضع تعريفات للنتائج تكون ذات معنى سريري، وقابلة للتطبيق تجارياً، وجاهزة للاندماج ضمن أطر الحوكمة.
- يظل التطور التكنولوجي مهماً، لكنه يأتي في مرتبة ثانوية مقارنةً بأهمية السعي إلى تحقيق النتائج الصحيحة.
- يجب أن تراعي أطر النتائج اختلاف السياقات، وأن تُصمم للعمل في البيئات التي تعاني من ندرة الموارد، وكذلك في البيئات التي تتمتع بوفرتها. وينبغي أن تعكس عملية التقييم حالات الاستخدام، ومستويات المخاطر، وبيئات التطبيق، والبدائل الواقعية المتاحة، بما في ذلك السياقات التي قد يكون فيها البديل هو الحصول على رعاية متأخرة أو محدودة أو عدم الحصول عليها على الإطلاق.
ولا يعني ذلك خفض معايير السلامة، بل ضمان تكييف متطلبات الأدلة، وإجراءات الحماية، ومسارات التصعيد، وآليات المراقبة مع طبيعة كل سياق، بدلاً من نقلها بالكامل من البيئات التي تتمتع بموارد جيدة وفرضها على جميع البيئات الأخرى.
إن عملية تحديد النتائج ذات المعنى للذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية وقياسها والسعي إلى تحقيقها ليست مجرد تمرين تقني، بل هي تحدٍ في مجال الحوكمة يتطلب تعاوناً عالمياً بين مختلف الأطراف المعنية.
المقدمة
يُقيَّم أداء الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية من حيث كفاءة النظام، بدلاً من الفوائد التي يصعب قياسها بالنسبة إلى المرضى والمهنيين.
يتسارع السباق نحو استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الأنظمة الصحية. فعلى المستوى العالمي، تجاوز الاستثمار في الذكاء الاصطناعي المخصص للرعاية الصحية 18 مليار دولار في عام 2025، وهو ما يمثل قرابة نصف إجمالي استثمارات رأس المال المغامر في قطاع الرعاية الصحية.
وتقدم الأنظمة الصحية وشركات التكنولوجيا والحكومات على التزامات استثمارية كبيرة، مدفوعةً بتوقعات مفادها أن الذكاء الاصطناعي سيخفض التكاليف، ويحسن جودة الرعاية، ويوسع نطاق عمل القوى العاملة الصحية التي تعاني بالفعل من ضغوط شديدة.
وهذه ليست ظاهرة جديدة. فقد ظهرت السجلات الصحية الإلكترونية مصحوبة بوعود بتحقيق كفاءة سلسة، كما وعدت نماذج الرعاية المتكاملة بتحسين التنسيق بما يحد من التجزؤ ويقلل التكاليف. وفي كل حالة، كانت التكنولوجيا تتقدم بسرعة تفوق سرعة تطوير هياكل الحوكمة اللازمة لتوجيهها.
ويمثل الذكاء الاصطناعي أحدث وأقوى تجسيد لهذا النمط. ففي عام 2022، أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً لعامة الناس، ما أدى إلى تسريع قطار الابتكار الذي ظل يكتسب زخماً على مدى سبعين عاماً.
لا يمكن إيقاف هذا القطار، ولا ينبغي إيقافه، لكنه يحتاج إلى توجيه. ولم يعد السؤال يتمثل في ما إذا كان ينبغي للأنظمة الصحية أن تصعد إليه، لأن معظمها فعل ذلك بالفعل. وإنما السؤال هو ما إذا كان القطار يسير على المسار الصحيح.
ستكون أنجح استراتيجيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة هي تلك التي تربط بين الكفاءة والاستدامة المالية والقدرة التنافسية، وبين تحقيق نتائج أفضل للمرضى والمهنيين والسكان. فعندما تتوافق هذه الأشكال المختلفة من القيمة، تتضاعف فوائد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وعندما لا تتوافق، تصبح النتيجة هي قياس ما يسهل قياسه، بدلاً من قياس ما يهم فعلاً.
تؤكد هذه الورقة البيضاء أن الفائزين في سباق الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة لن يكونوا أولئك الذين يمتلكون التكنولوجيا الأكثر تطوراً، بل الأنظمة التي تنجح أولاً في تحديد نتائج الذكاء الاصطناعي التي تهم المرضى والمهنيين والأنظمة الصحية، وتسعى إلى تحقيقها، وتبني منظومة الحوكمة اللازمة لضمان الوصول إليها.
وتحدد الورقة وجود انقلاب في مفهوم القيمة ضمن الطريقة التي تعتمد بها الأنظمة الصحية الذكاء الاصطناعي حالياً. فمن الطبيعي أن تنظر مختلف مستويات الحوكمة إلى القيمة من زوايا مختلفة؛ إذ تركز فرق الخطوط الأمامية على السلامة وسير العمل وتجربة المرضى، بينما يتعين على القيادات التنفيذية وفرق المشتريات أن تأخذ في الاعتبار أيضاً القدرة على تحمل التكاليف، وإمكانية التوسع، وأداء النظام.
وتكمن المشكلة في أن هذه الرؤى لم تُدمج بعد ضمن إطار متكامل. فالمؤشرات التشغيلية تهيمن لأنها الأسهل في القياس وإعداد التقارير بشأنها، بينما تحظى النتائج التي يصعب رصدها، مثل الثقة والإنصاف واستدامة القوى العاملة والفوائد طويلة الأجل للمرضى، بأهمية أقل بصورة منهجية.
ولا تتمثل المشكلة في أن المؤشرات التشغيلية خاطئة، بل في أنها تظل غير مكتملة ما لم ترتبط بنتائج أوسع نطاقاً. ونتيجة لذلك، يتشكل تعريف قيمة الذكاء الاصطناعي بصورة غير متناسبة على أيدي الجهات الأبعد عن تحمّل عواقب استخدامه.
تستند الأفكار الواردة في هذه الورقة إلى البحوث المكتبية، والمقابلات مع الخبراء، والخبرات المشتركة لمبادرتي الرعاية القائمة على النتائج والتحول الرقمي للرعاية الصحية التابعتين للمنتدى الاقتصادي العالمي، ووحدة الذكاء الاصطناعي والرقمنة في قسم الصحة بكلية لندن للاقتصاد.
وتقترح الورقة مساراً مستقبلياً يتم فيه تحديد النتائج ذات المعنى من القاعدة إلى القمة، ثم السعي إلى تحقيقها من القمة إلى القاعدة، وذلك من خلال تحديد الجوانب التي تغفلها الأطر الحالية، والكيفية التي يمكن بها تحسين هذه الأطر حتى تتمكن من رصد قيمة تقنيات الذكاء الاصطناعي وفائدتها داخل الأنظمة الصحية.
1. ما يُروَّج له في مقابل ما يُقاس فعلياً
قد لا يؤدي إدخال الذكاء الاصطناعي إلى قطاع الرعاية الصحية إلى تحقيق القدر المتوقع من القيمة، خاصةً في ظل غياب الوضوح بشأن النتائج التي ينبغي قياسها.
تستند المبررات الداعمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية عادةً إلى ركيزتين أساسيتين: خفض التكاليف وتحسين جودة الرعاية.
وفيما يتعلق بالتكاليف، بدأت أتمتة المهام الإدارية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالفعل في تحقيق عوائد قابلة للقياس. فقد حققت تقنيات التوثيق السريري الآلي القائمة على الاستماع المحيطي وحدها إيرادات بلغت 600 مليون دولار في عام 2025، مدفوعةً بالوعود المتمثلة في الحد من الاحتراق الوظيفي لدى المهنيين الصحيين واستعادة الوقت المخصص للعمل السريري.
أما في ما يتعلق بالجودة، فالطموحات أكبر بكثير. إذ يحتل الطب الدقيق، والتشخيص المبكر باستخدام التصوير الطبي وعلم الجينوم، ودعم القرارات السريرية في الوقت الفعلي، مكانة بارزة ضمن المبررات الاستثمارية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة.
وفي ظل ظروف خاضعة للرقابة، أثبتت أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرتها على تحقيق دقة تشخيصية تضاهي دقة الأطباء أو تتفوق عليها في فئات محددة من المهام، إلى جانب إمكانية تحقيق فوائد في سير العمل. غير أن الأدلة المستمدة من العالم الواقعي بشأن تحقق هذه المكاسب على مستوى الأنظمة الصحية بأكملها لا تزال محدودة.
ولا تخلو هذه الاستثمارات من المخاطر. فهناك مجموعة متزايدة من الأدلة التي تشير إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي في مسارات العمل السريرية قد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة لا تزال غير مفهومة جيداً، وقد تكون ضارة بصورة فعلية في بعض الحالات.
فقد وجدت دراسة رصدية شملت عدة مراكز أن أطباء التنظير الذين اعتادوا استخدام الذكاء الاصطناعي أثناء عمليات تنظير القولون سجلوا انخفاضاً ملحوظاً في قدرتهم على اكتشاف الأورام الغدية عندما عملوا من دون مساعدة الذكاء الاصطناعي.
ويمثل ذلك أول دليل سريري مستمد من العالم الواقعي على تراجع المهارات في الممارسة الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وحتى عندما يتلقى الأطباء تدريباً رسمياً في مجال الإلمام بالذكاء الاصطناعي، يستمر ما يُعرف بانحياز الأتمتة. فقد أظهرت تجربة سريرية عشوائية أن المهنيين الصحيين الذين أكملوا برنامجاً للتدريب على الذكاء الاصطناعي مدته عشرون ساعة ظلوا عرضةً للاعتماد المفرط على النتائج التي يولدها الذكاء الاصطناعي.
وإذا أدى الاستخدام الروتيني للذكاء الاصطناعي إلى إضعاف القدرات السريرية المستقلة، فقد تخلق التكنولوجيا شكلاً من أشكال التبعية التي تقوض التحسينات في الجودة التي صُممت أصلاً لتحقيقها.
ولا تقتصر المخاطر على المهني الصحي بمفرده. فقد أصبحت ضرورة تدريب المهنيين الصحيين على العمل بفاعلية مع الذكاء الاصطناعي أمراً معترفاً به، كما بدأ توافق الآراء يتبلور بشأن الكفاءات الأساسية المطلوبة.
ومع ذلك، لا يزال الدمج الهيكلي للتدريب على الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الطبية غير متسق. كما أن الموارد اللازمة لتطوير مهارات القوى العاملة الصحية الحالية ليست متاحة في جميع المراكز الطبية أو لجميع فئات المهنيين.
وتؤدي هذه المخاطر إلى توسيع الفجوة بين مؤسسات الرعاية الصحية ذات الموارد الجيدة والمؤسسات ذات الموارد المحدودة، وهو ما ينعكس لاحقاً على جودة رعاية المرضى عندما تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة غير ملائمة، أو عندما يُتجنب استخدامها في الحالات التي يمكن أن تكون فيها مفيدة.
وتتفاقم هذه الفوارق في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث تعاني البنية الأساسية للتعليم الطبي أصلاً من ضغوط كبيرة.
وتكمن وراء هذه المخاطر الفردية مشكلة هيكلية أوسع. إذ تواجه الأنظمة الصحية ما وصفه خبراء الاقتصاد منذ زمن طويل بأنه «مفارقة الإنتاجية»، وهي الفجوة بين الاستثمارات التكنولوجية الواضحة والمكاسب القابلة للقياس في الإنتاجية.
وقد ظهر هذا المصطلح استناداً إلى الملاحظة التي تفيد بأن عصر الحاسوب كان ظاهراً في كل مكان، باستثناء إحصاءات الإنتاجية، وهو ما وصف فشل الاستثمارات في تكنولوجيا المعلومات في التحول إلى نمو اقتصادي إجمالي.
وبعد مرور قرابة أربعة عقود، يتكرر النمط نفسه. فعلى الرغم من الحماس الواسع للذكاء الاصطناعي داخل الشركات، لا تنعكس التقييمات الإيجابية على مستوى القيادات في بيانات الإنتاجية العامة.
ولا تقتصر أهمية ذلك بالنسبة إلى قطاع الرعاية الصحية على الجانب النظري. فقد طُرح احتمال أن تعتمد خطط القوى العاملة الصحية طويلة الأجل على افتراضات متفائلة بشأن المكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، رغم أن هذه المكاسب لم تثبت بعد.
وتوضح تجربة السجلات الصحية الإلكترونية كيف قد تتحول الوعود بتحسين الكفاءة في الواقع إلى زيادة أعباء التوثيق، بدلاً من تقليل حجم العمل.
كما أكدت تحليلات متخصصة أن الادعاءات المتعلقة بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين الرعاية يجب أن تكون مدعومة بأدلة مناسبة.
وتجادل هذه الورقة بأن المفارقة لا تمثل في الأساس مشكلة تكنولوجية، بل مشكلة تتعلق بالنتائج. إذ يجري استثمار عشرات المليارات من الدولارات في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، من دون وجود فهم مشترك للنتائج التي ينبغي أن يحققها هذا الاستثمار، وللفئات المعنية التي ستتأثر به، وللمعايير التي يجب استخدامها في التقييم.
ومع ذلك، فإن اللبنات الأساسية اللازمة لبناء هذا الفهم موجودة بالفعل. فقد حددت أعمال حديثة قائمة على بناء توافق في الآراء العوامل الرئيسية المؤثرة في خلق القيمة من التكنولوجيا الصحية عبر الأوساط الأكاديمية، والصناعة، وممثلي المرضى، وصناعة السياسات، والجهات التنظيمية للرعاية الصحية.
وأثبتت هذه الأعمال أن محددات القيمة تتجاوز بكثير النتائج السريرية المباشرة، لتشمل التأثيرات الأوسع في الأنظمة الصحية ووجهات نظر مختلف أصحاب المصلحة.
ولا تتمثل المشكلة في أن الأنظمة الصحية تفتقر إلى الأدوات الفكرية اللازمة لتحديد القيمة، بل في أن اعتماد الذكاء الاصطناعي يجري بوتيرة أسرع من تطبيق تلك الأدوات.
2. الأدلة على تأثيرات الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية
عند تقييم استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، ينبغي أخذ السياق والتأثير في الاعتبار إلى جانب الكفاءة.
تتوسع قاعدة الأدلة المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية بسرعة، لكنها تتطور بصورة غير متوازنة. فقد تراكمت أدلة قوية على مكاسب الكفاءة في عدد محدود من حالات استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن بعض التخصصات الطبية، في حين لا تزال الأدلة المتعلقة بتأثيره في نتائج المرضى، وصحة السكان، والإنصاف محدودة.
وهذا التفاوت ليس عرضياً، بل يعكس الجوانب التي اختار هذا المجال قياسها.
2. الأدلة على تأثيرات الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية
عند تقييم استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، ينبغي أخذ السياق والتأثير في الاعتبار إلى جانب الكفاءة.
تتوسع قاعدة الأدلة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية بسرعة، لكنها تتطور بصورة غير متوازنة. فقد تراكمت أدلة قوية على مكاسب الكفاءة في عدد محدود من حالات استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن بعض التخصصات الطبية، في حين لا تزال الأدلة المتعلقة بتأثيره في نتائج المرضى وصحة السكان والإنصاف محدودة. وهذا التفاوت ليس عرضياً، بل يعكس الجوانب التي اختار هذا المجال قياسها.
2.1 الأتمتة والكفاءة
تتمحور أقوى مجموعة من الأدلة حول أتمتة المهام الإدارية وتحسين كفاءة سير العمل. وقد أصبحت أدوات التدوين السريري المحيطي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي تُنشئ الوثائق السريرية انطلاقاً من المحادثات بين المرضى والمهنيين الصحيين، أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشاراً في قطاع الرعاية الصحية.
ووجدت دراسة حديثة شملت خمسة أنظمة صحية أكاديمية في الولايات المتحدة أن اعتماد أدوات التدوين المحيطي المدعومة بالذكاء الاصطناعي ارتبط بانخفاض ملموس في الوقت المخصص للتوثيق، وزيادة محدودة في العدد الأسبوعي للمرضى الذين يزورون الأطباء.
وكان انخفاض الوقت المستغرق أكثر وضوحاً لدى الطبيبات، والممارسين الصحيين المتقدمين، والمهنيين الصحيين المقيمين، والعاملين في الرعاية الأولية. وتتوافق هذه النتائج مع أدلة سابقة أظهرت انخفاض أعباء التوثيق، وفي بعض الدراسات، انخفاض مستويات الاحتراق الوظيفي.
ويستخدم الآن ما يقرب من ثلثي الأنظمة الصحية الأمريكية التي تعتمد السجلات الصحية الإلكترونية التابعة لشركة البرمجيات الطبية الأمريكية «إبيك سيستمز» أدوات التدوين المحيطي المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
لم تسعَ جميع الأنظمة الصحية إلى تحقيق الأهداف نفسها باستخدام التكنولوجيا ذاتها، كما يوضح المربع الثاني في القسم الثالث. فقد طبقت «كايزر بيرماننتي»، وهي واحدة من أكبر الأنظمة الصحية المتكاملة في الولايات المتحدة، أدوات التدوين المحيطي على نطاق يشمل 25 ألف مهني صحي.
واتخذ النظام قراراً مقصوداً بتقديم الأداة باعتبارها وسيلة لتحسين رفاه المهنيين الصحيين، لا لزيادة الإنتاجية. وجاء القرار من القاعدة إلى القمة، إذ طالب الأطباء والمهنيون الصحيون بصورة واضحة ومتواصلة بأداة تقلل العبء الإداري وتتيح لهم استعادة وقت لحياتهم الشخصية ولرعاية المرضى.
واختارت «كايزر بيرماننتي» عدم تحويل الوقت الموفر إلى مواعيد إضافية، كما جعلت استخدام الأداة اختيارياً بدلاً من أن يكون إلزامياً. وأسفر ذلك عن تحول جذري في مواقف المهنيين الصحيين تجاه الذكاء الاصطناعي، من شك عميق إلى تبنٍّ نشط، لأن القوى العاملة أدركت أن الأداة طُبقت لخدمة مصالحها، لا باعتبارها آلية لزيادة عدد المرضى أو حجم العمل.
أما الوفورات الزمنية نفسها، التي بلغ متوسطها نحو 15 دقيقة يومياً، فكانت متفاوتة ومن الصعب تحويلها بصورة موثوقة إلى قدرة استيعابية إضافية. ومع ذلك، فإن الثقة التي تولدت عن هذا التطبيق لتقنيات الذكاء الاصطناعي هي التي تمنح القبول الاجتماعي والمؤسسي لتطبيق حالة الاستخدام التالية، ثم التي تليها.
وعلى العكس من ذلك، يمكن لتجربة أولى سلبية أن تقلل بصورة كبيرة استعداد القوى العاملة لتقبّل تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأن تخلق عائقاً كبيراً أمام تطبيقها.
وتوصل عدد من الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات لإعداد هذه الورقة البيضاء إلى رؤية متقاربة مفادها أن المنتجات التي تكتسب ثقة القوى العاملة بأسرع وقت هي تلك المصممة لتصبح أدوات لا غنى عنها، وليس لمجرد الامتثال للمتطلبات.
وهي أدوات تندمج في مسارات العمل السريري بدرجة تجعل المهنيين الصحيين يختارون استخدامها لأنهم لا يستطيعون تصور العمل من دونها. ومن هذا المنظور، لا تمثل الثقة شرطاً مسبقاً لاعتماد التكنولوجيا، بل نتيجة تنشأ عن إثبات فائدتها عملياً.
تتعلق مجموعة ثانية من الأدلة بدعم القرارات التشخيصية وفرز المرضى. فقد وجد تقييم واقعي استباقي لأداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتقييم الأعراض، جرى تطبيقها في أكبر شبكة خاصة للرعاية الصحية في البرتغال، أن الأداة ارتبطت بتقليل حالة عدم اليقين لدى المرضى، وإحداث تحولات ملموسة في سلوكهم عند طلب الرعاية باتجاه مسارات علاجية أكثر ملاءمة.
وفي مجال تصوير الثدي بالأشعة، قارنت دراسة محاكاة استعادية سبع استراتيجيات لدمج الذكاء الاصطناعي في برامج الفحص، ووجدت أن دمجه يمكن أن يحسن المؤشرات على مستوى البرنامج، بما في ذلك معدلات اكتشاف السرطان ومعدلات النتائج الإيجابية الكاذبة، مع تقليل عبء العمل الواقع على اختصاصيي الأشعة.
وفي الرعاية الأولية، أظهر نظام لدعم القرارات السريرية قائم على النماذج اللغوية الكبيرة والمخصص لإدارة تعدد الأمراض المزمنة، قدرة محتملة على دعم الرعاية الشخصية للمرضى الذين يعانون من حالات صحية معقدة.
وفي مجال التصوير بالرنين المغناطيسي، أسهمت تقنيات التقاط الصور المسرّعة بالذكاء الاصطناعي في تقليل أوقات الفحص بنسبة تتراوح بين 60% و70%، مع الحفاظ على جودة الصور التشخيصية.
ولا يمكن رصد قيمة هذا التسريع من خلال مؤشرات نتائج المرضى الفردية، لأن جودة الصورة على مستوى الفرد تظل مماثلة وليست أفضل. وإنما تظهر القيمة على مستوى السكان، حيث يمكن للمرضى الذين كانوا ينتظرون أسابيع لإجراء الفحص، وربما يتعرضون لأضرار بسبب التأخير، الحصول عليه خلال أيام.
وهذا التمييز بين القيمة على المستوى الفردي والقيمة على مستوى السكان هو بالضبط ما تواجه أطر التقييم الحالية صعوبة في استيعابه.
2.2 تقييم نتائج الذكاء الاصطناعي
لا يمكن اعتبار هذه النتائج ثانوية، لأن العبء الإداري يمثل أحد الأسباب الرئيسية للاحتراق الوظيفي لدى المهنيين الصحيين، كما أن أوجه القصور في فرز الحالات التشخيصية تفرض تكاليف حقيقية على المرضى والأنظمة الصحية.
ومع ذلك، تكشف الأدلة بمجملها عن نمط واضح: فالنتائج التي أُثبتت بصورة أكثر إقناعاً هي النتائج الأقرب مباشرةً إلى التكنولوجيا نفسها، مثل الوقت الموفر، وتقليل عدد النقرات، وإعادة جدولة الزيارات، وتحسين تسجيل رموز الفوترة.
أما ما لا يزال غير مقاس إلى حد كبير، فهو ما إذا كانت هذه المكاسب المباشرة تؤدي إلى النتائج التي أُنشئت الأنظمة الصحية من أجل تحقيقها، وهي تحسين صحة المرضى، والحد من أوجه عدم المساواة، وضمان استدامة الرعاية.
وتمتد فجوة القياس عبر المكان والزمن معاً. فأطر النتائج الحالية تركز بصورة مفرطة على المعاملات المنفصلة، إذ ترتبط بمراحل محددة من الرعاية، وحجم الأنشطة، والتكاليف قصيرة الأجل.
وكما أشار أحد ممثلي قطاع الصناعة الذين أُجريت معهم مقابلات، إذا تمكن الذكاء الاصطناعي من التنبؤ بخطر إصابة مريض بالرجفان الأذيني من خلال تخطيط كهربية القلب، ثم ساعد على التدخل لمنع حدوثه، فإن الحالة التي جرى تفاديها لن تتحول أبداً إلى نتيجة سريرية يمكن قياسها.
وبذلك يبقى العبء طويل الأجل الذي جرى تجنبه، سواء بالنسبة إلى النظام الصحي أو الفرد أو المجتمع، خارج نطاق التقييم بالكامل.
ولا يقتصر عدم التوافق على ما يجري قياسه، بل يمتد أيضاً إلى ما يمكن قياسه ضمن الأطر الحالية. فقد صُممت منهجيات تقييم التكنولوجيا الصحية لمنتجات تعود فوائدها بصورة أساسية على المرضى الأفراد. أما تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعود فوائدها على سير العمل أو السكان أو استدامة النظام، فلا تنسجم مع هذه المنهجيات.
وكما أشار أحد المشاركين في مقابلات هذه الورقة البيضاء، يصعب في كثير من الأحيان رصد قيمة أدوات الذكاء الاصطناعي التي تسهم في فحص السكان، لأن هياكل الميزانيات والمشتريات الحالية لا تزال تتمحور حول شراء خدمات رعاية المرضى وتقديرها، بدلاً من التركيز على صحة السكان.
وإذا أتاح أحد منتجات الذكاء الاصطناعي وقتاً إضافياً للمهني الصحي ليقضيه مع المريض، فينبغي أن يتمكن النظام الصحي من إسناد قيمة مرتبطة بالمريض إلى ذلك الوقت، ومكافأة المنتج وفقاً لذلك، لكن أنظمة تقييم القيمة الحالية لا تسمح بذلك.
يرتبط جزء من المشكلة بالطريقة التي يُصاغ بها السؤال. إذ تتعامل نسبة كبيرة من النقاشات الحالية حول التقييم مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تكنولوجيا يجب تقييمها بمعزل عن غيرها، بينما قد يكون من الأنسب فهمه باعتباره شكلاً من أشكال الابتكار في تقديم الخدمات.
وبناءً على ذلك، لا يحتاج تقييم الذكاء الاصطناعي إلى البدء من الصفر. فقد راكم قطاع الرعاية الصحية خبرة تمتد لعقود في تقييم الأدوار المهنية الجديدة، مثل الممرضين الممارسين ومساعدي المهنيين الصحيين، وفي تقييم عمليات إعادة تصميم الخدمات، والتحولات في الحوكمة السريرية.
وغالباً لا يكون النظام الآخر المدعوم بالذكاء الاصطناعي هو المقارنة الأقرب لأي تطبيق معين، بل يكون التغيير في الخدمة الذي يقوده البشر ويشبه ذلك التطبيق بصورة أكبر.
وتكتسب إعادة صياغة المسألة بهذه الطريقة أهمية لأنها تحول سؤال التقييم من: «ما مدى دقة الذكاء الاصطناعي؟» إلى: «ماذا كان سيحدث لو لم نستخدم الذكاء الاصطناعي؟».
ويحمل سؤال تحديد البديل المقارن بعداً إضافياً تتجاهله قاعدة الأدلة الحالية إلى حد كبير. ويبحث المربع الأول ما يحدث عندما لا يكون البديل المقارن نظاماً صحياً غير مثالي، بل انعدام النظام الصحي أو الرعاية بالكامل.
ينبغي تقييم أدوات أتمتة الأعمال المكتبية وفقاً لمؤشرات وقت القوى العاملة وكفاءة النظام، بينما تتطلب أدوات دعم القرار السريري قاعدة أدلة مختلفة جذرياً ترتكز على السلامة ونتائج المرضى.
وينطبق سؤال البديل المقارن أيضاً على تقييم السلامة. وكما أشار أحد المشاركين في المقابلات، يقيس هذا المجال بصورة روتينية معدلات هلوسة الذكاء الاصطناعي وحوادث السلامة المرتبطة به، من دون مقارنتها بمعدلات الأخطاء البشرية الأساسية في الممارسة المعتادة.
ويعني غياب أي مقارنة منهجية مع الرعاية القياسية أنه لا يوجد خط أساس متفق عليه للأداء البشري يمكن استخدامه للحكم على الذكاء الاصطناعي.
وهذا التفاوت ليس اعتباطياً، إذ تتسامح الأنظمة الصحية مع معدل معين من الأخطاء البشرية لأن البشر يعملون ضمن أنظمة للمساءلة المهنية تشمل التراخيص والحوكمة السريرية والمسؤولية القانونية عن أخطاء الممارسة الطبية.
أما الذكاء الاصطناعي فيعمل خارج هذه الهياكل. وقد رأت دراسات حديثة أن الإشراف البشري داخل الحلقة لا يؤدي في الوقت الحالي سوى دور رمزي في طمأنة المستخدمين، بدلاً من توفير حماية فعلية، بسبب ضغوط الوقت، وانحياز الأتمتة، والقيود الهرمية التي يعمل الأطباء في ظلها.
ولا يُعد إخضاع الذكاء الاصطناعي لمعايير أعلى من تلك المفروضة على المهنيين الصحيين أمراً غير منطقي، نظراً إلى إمكانية انتشار الأخطاء على نطاق واسع، ولأن الذكاء الاصطناعي لن يعرف تلقائياً الأخطاء التي ينبغي أن يتعلم منها أو كيفية التعلم منها.
ومع ذلك، إذا خضعت أدوات التشخيص بالذكاء الاصطناعي لهذا المعيار الأعلى، فمن المرجح اكتشاف عدد أكبر من الحالات الحقيقية، أي الأشخاص المصابين فعلاً بالمرض، بدلاً من الاقتصار على الحالات الإيجابية الكاذبة.
وسواء عُدّت هذه الزيادة في الإنتاجية مكسباً أو عبئاً، فإن ذلك يعتمد على هيكل الحوافز المحيط بها. فالتحسن السريري نفسه قد يُسجل بوصفه إيراداً في أحد نماذج الدفع، وبوصفه تكلفة في نموذج آخر.
وينبغي أن يتبع إطار التقييم طبيعة التطبيق، لا طبيعة التكنولوجيا. ومن الناحية التنظيمية، سيكون من الضروري تصميم نسبة متوازنة بين المخاطر والفوائد تحدد مقدار عدم اليقين الذي تكون الأنظمة الصحية مستعدة لقبوله عند استخدام حلول الذكاء الاصطناعي، وهو نوع من المعايرة لم تحاول الأطر الحالية وضعه بعد.
المربع 1: عندما يكون البديل المقارن هو انعدام الرعاية
ترتكز قاعدة الأدلة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بصورة شبه كاملة على الأنظمة الصحية في البلدان مرتفعة الدخل، حيث يُقيّم الذكاء الاصطناعي مقارنةً بمعيار قائم للرعاية: هل يضاهي دقة اختصاصي الأشعة أو يتفوق عليها؟ هل يحقق كفاءة مماثلة لكفاءة موظف بشري متخصص في الترميز الطبي؟ هل يضاهي حكم طبيب حاضر؟
وفي هذه الحالات، يكون البديل المقارن خدمة قائمة وفعالة، وإن كانت غير مثالية. غير أن هذا التصور لا ينطبق على نسبة كبيرة من سكان العالم.
فهناك مناطق تمثل فيها وصلة عبر الأقمار الصناعية وهاتف ذكي الفرصة الواقعية الوحيدة للوصول إلى المعلومات الصحية أو الدعم النفسي أو الفرز السريري.
كما توجد مجتمعات سكانية، من بينها نحو 300 مليون شخص في إندونيسيا لا يخدمهم سوى نحو ألف طبيب نفسي، حيث يرتبط طلب المساعدة بسبب الأفكار الانتحارية أو الذهان أو التساؤلات المتعلقة بالهوية الجنسية بوصمة شديدة إلى درجة تجعل النظام القائم ليس غائباً فحسب، بل رادعاً للأشخاص عن طلب المساعدة.
وقد يؤدي تطبيق متطلبات الأدلة المصممة للبيئات الغربية ذات الموارد الجيدة على هذه السياقات إلى حرمان السكان من أدوات يمكن أن تحقق فوائد حقيقية وذات معنى.
ولا يعني ذلك خفض معايير السلامة، بل الاعتراف بأن سؤال الأدلة نفسه يتغير عندما يتحول البديل المقارن من «الرعاية المعتادة» إلى «عدم وجود رعاية».
فقد تستخدم أداة لأتمتة الأعمال المكتبية في مستشفى أوروبي وأداة لفرز حالات الصحة النفسية في المناطق الريفية بإندونيسيا التكنولوجيا الأساسية نفسها، لكن أطر الأدلة المناسبة لكل منهما تختلف اختلافاً جذرياً.
ويجب أن يتبع التقييم طبيعة التطبيق وسياقه، لا التكنولوجيا وحدها.
لم تمر هذه الفجوة من دون ملاحظة. فقد أكدت افتتاحية متخصصة سبق ذكرها في القسم الأول أن الادعاءات المتعلقة بتحسين الذكاء الاصطناعي للرعاية يجب أن تكون مدعومة بأدلة مناسبة، مشيرةً إلى أن البنية التحتية للتقييم في هذا المجال لم تواكب سرعة تطبيق التكنولوجيا.
كما تساءل تعليق تحليلي مصاحب عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يحسن الرعاية الصحية فعلاً، ملاحظاً أن الأدلة على التأثير السريري ذي المعنى لا تزال محدودة رغم تسارع وتيرة اعتماده.
وأكدت افتتاحية أخرى حول أدوات التدوين المحيطي المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن مجتمع الرعاية الصحية اعتاد تسجيل المدخلات والمخرجات لتقييم الوفورات المالية والزمنية، لكنه أقل اعتياداً على قياس تأثيرات التكنولوجيا الجديدة في مجالات مثل الإنصاف الصحي، ونتائج السكان، وتجربة المرضى.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي المحيطي في طريقه إلى أن يصبح أداة افتراضية شائعة في الرعاية الصحية، فيجب أن تتطور أهداف التقييم وفقاً لذلك.
غير أن الشكل الذي سيتخذه هذا التطور عملياً يعتمد بالكامل على النظام الذي يجري عملية التقييم. ويقارن المربع الثاني بين نظامين صحيين يسعيان إلى تحقيق الهدف نفسه باستخدام نهجين متعاكسين، ويوضح سبب عدم إمكانية تصميم أطر النتائج بصورة مجردة ومنفصلة عن السياق.
المربع 2: نظامان وتكنولوجيا واحدة ونتائج مختلفة
طبقت «كايزر بيرماننتي» وولاية يوتا الأمريكية الذكاء الاصطناعي في مسارات العمل السريري خلال عامي 2025 و2026. ويسعى كلاهما في نهاية المطاف إلى تحقيق الهدف نفسه، وهو تحسين الوصول إلى الرعاية.
غير أن نظريتيهما بشأن كيفية إحداث التغيير تختلفان جذرياً، وتوضح المقارنة بينهما كيف يحدد سياق الحوكمة وهياكل الحوافز وواقع القوى العاملة النتائج التي يُطلب من الذكاء الاصطناعي تحقيقها.
طبقت «كايزر بيرماننتي» أدوات التدوين المحيطي المدعومة بالذكاء الاصطناعي على نطاق شمل 25 ألف مهني صحي، وكان هدفها الأساسي تحسين رفاه المهنيين الصحيين.
لكن المنطق لم يقتصر على القوى العاملة. ففي نظام تندرج فيه خدمات التأمين وتقديم الرعاية والتوظيف تحت مظلة تنظيمية واحدة، تؤدي القوى العاملة الأكثر صحة والأقل تعرضاً للاحتراق الوظيفي مباشرةً إلى تحسين وصول المرضى إلى الرعاية.
فالمهنيون الصحيون الذين يحتفظ بهم النظام بدلاً من خسارتهم بسبب الاحتراق الوظيفي يحافظون على توافر مواعيد المرضى، كما أن المهنيين الذين يشعرون بالتقدير يقدمون رعاية أفضل.
وبذلك يمر مسار هذا النظام نحو تحسين الوصول عبر القوى العاملة، إذ يستثمر في الأشخاص الذين يقدمون الرعاية باعتبارهم الوسيلة اللازمة للحفاظ على قدرة النظام على توفيرها.
أما ولاية يوتا، فقد سلكت مساراً مختلفاً. فمن خلال أول بيئة اختبار تنظيمية من نوعها في الولايات المتحدة، سمحت الولاية لمنصة مدعومة بالذكاء الاصطناعي بتجديد وصفات 190 دواءً شائع الاستخدام للأمراض المزمنة بصورة مستقلة، من دون تدخل مهني صحي في القرارات الفردية.
وكان الدافع وراء البرنامج هو مشكلة الوصول إلى الرعاية نفسها، لكنه تعامل معها من خلال تجاوز القوى العاملة بدلاً من الاستثمار فيها.
فقد أدت فترات الانتظار التي تمتد لأسابيع للحصول على تجديدات روتينية للوصفات الطبية، والأعمال الإدارية غير المدفوعة التي يؤديها واصفو الأدوية، ونقص القوى العاملة الصحية في المناطق الريفية، إلى خلق سياق أصبح فيه النظام القائم نفسه عائقاً أمام الوصول إلى الرعاية.
ويتضمن البرنامج إطاراً جديداً للمسؤولية القانونية، إذ تمتلك الشركة تأميناً ضد أخطاء الممارسة الطبية يغطي بصورة صريحة القرارات التي يتخذها الذكاء الاصطناعي، وهو ما يخضع التكنولوجيا للمعيار القانوني نفسه المطبق على المهني الصحي البشري.
ويبقى من غير المعروف ما إذا كان هذا الإطار سيصمد عند وقوع أول حادثة ضارة خطيرة، وما إذا كان الانتقال التدريجي من وصف الأدوية الخاضع لمراجعة المهنيين الصحيين إلى الوصف المستقل بالكامل سيبرهن على متانته.
وقد يصبح نموذج التأمين على مسؤولية الذكاء الاصطناعي مؤثراً بقدر نموذج الأدلة نفسه. فإذا ثبت أن معدل الفشل الإحصائي للذكاء الاصطناعي أقل من خط الأساس البشري، فقد يمتد منطق المخاطر القابلة للتأمين، الذي سمح باستمرار صناعة السيارات رغم حوادث الوفاة اليومية، في نهاية المطاف إلى الذكاء الاصطناعي السريري.
ولا يزال هناك نقاش قائم حول ما إذا كان هذا التجاوز يحمل مخاطر على الحوكمة السريرية وسلامة المرضى، كما أعربت مجموعات تمثل المهنيين الصحيين، من بينها الجمعية الطبية الأمريكية، عن مخاوفها.
لكن القرار يصبح أكثر قابلية للفهم عند النظر إليه من زاوية نقص القوى العاملة. ففي السياقات التي لا يتوفر فيها عدد كافٍ من الأطباء لتلبية الطلب عبر المسارات التقليدية، يصبح الضغط لإيجاد طرق بديلة للوصول إلى الرعاية ناتجاً عن مشكلة هيكلية، لا عن موقف أيديولوجي.
وتوضح الحالتان أن أطر نتائج الذكاء الاصطناعي لا يمكن تصميمها بصورة مجردة. فالهدف نفسه، وهو تحسين الوصول، يؤدي إلى استراتيجيات تطبيق مختلفة، ومؤشرات مختلفة، وآليات حوكمة مختلفة، اعتماداً على ما إذا كان القيد الذي يواجهه النظام يتمثل في رفاه القوى العاملة أو في غيابها.
وأي إطار للنتائج يمنح الأولوية لإحدى هاتين الزاويتين سيؤدي بصورة منهجية إلى تقييم الأخرى بصورة خاطئة.
وتتجاوز الملاحظة الواردة في المربع الثاني قسم الأدلة في هذه الورقة. فالسؤال لا يقتصر على ما تقيسه الأنظمة الصحية، بل يشمل أيضاً سبب اختيارها لهذه العوامل، والجهات التي تتخذ قرارات القياس.
وتكمن الإجابة، كما يوضح القسم الثالث، في هياكل الحوكمة التي تحدد كيفية إدراك القيمة وتعريفها والسعي إلى تحقيقها عبر مختلف مستويات اتخاذ القرار داخل النظام الصحي.
3. تصوّر القيمة: علاقة عكسية مع المخاطر
تقيس البيانات المتعلقة بتطبيق الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية عادةً ما يهم المسؤولين التنفيذيين الذين يتخذون قرارات الشراء، بدلاً من قياس ما يرتبط فعلياً باحتياجات المهنيين الصحيين والمرضى.
اختُتم القسم الثاني بملاحظة مفادها أن الأنظمة الصحية أصبحت بارعة في قياس ما يسهل احتسابه، لا ما يحظى بأكبر قدر من الأهمية. ولا يقتصر هذا النمط على قطاع الرعاية الصحية وحده.
فقد وجدت دراسة أجراها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية عام 2026، وشملت نحو 6,000 مسؤول تنفيذي رفيع المستوى في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وأستراليا، أنه رغم استخدام نحو 70% من الشركات للذكاء الاصطناعي بصورة نشطة، أفادت أكثر من 90% منها بعدم تسجيل أي تأثير قابل للقياس في التوظيف أو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث السابقة.
ومع ذلك، توقع المسؤولون التنفيذيون أنفسهم أن يؤدي الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الثلاث المقبلة إلى زيادة الإنتاجية بنسبة 1.4%، ورفع حجم الإنتاج بنسبة 0.8%. وحدد معدّو الدراسة وجود «مفارقة في الإنتاجية»، وهي المفارقة ذاتها التي جرى رصدها خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث تتجاوز المكاسب المتصورة باستمرار المكاسب التي يمكن قياسها فعلياً.
وفي المقابل، توصل استطلاع منفصل أجرته مجموعة «مان باور» وشمل 14 ألف عامل في 19 دولة إلى نتيجة عكسية؛ إذ ارتفع الاستخدام المنتظم للذكاء الاصطناعي بنسبة 13% خلال عام 2025، بينما انخفضت ثقة العاملين في فائدته بنسبة 18%.
وهكذا، يبدي الأشخاص الذين يتخذون قرارات اعتماد التكنولوجيا تفاؤلاً بشأنها، في حين يفقد الأشخاص الذين يستخدمون هذه الأدوات ثقتهم بها.
3.1 تأثير الهياكل والأنظمة
في قطاع الرعاية الصحية، لا يعكس هذا الانفصال مجرد تأخر في عملية القياس، بل يمثل سمة هيكلية للطريقة التي تُدار بها الأنظمة الصحية.
فقرارات اعتماد الذكاء الاصطناعي وكيفية استخدامه موزعة على مستويات متعددة تشمل المهنيين الصحيين في الخطوط الأمامية، ورؤساء الأقسام، وإدارات المستشفيات، والقيادات التنفيذية على مستوى الأنظمة الصحية، والجهات الممولة، وصانعي السياسات.
ويعمل كل مستوى وفق تعريف مختلف للقيمة، وقدرة مختلفة على تحمل المخاطر، وعلاقة مختلفة بعواقب اتخاذ قرار خاطئ.
وتؤكد الأدلة وجود هذا التفاوت. فقد وجد استطلاع أُجري عام 2026 وشمل أكثر من 2,000 من قادة الرعاية الصحية في 90 دولة وجود فجوات كبيرة في مستويات الثقة بين الأدوار المختلفة.
فقد أعرب المسؤولون التنفيذيون عن تفاؤلهم بإمكانات الذكاء الاصطناعي، بينما حدد المهنيون الصحيون عوائق مرتبطة بدمجه في مسارات العمل، ونقصاً في المهارات، وغياب مؤشرات موثوقة يمكن استخدامها لتقييم الكفاءة.
وخلص الاستطلاع إلى أن الذكاء الاصطناعي يجري إدخاله إلى مسارات العمل بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على تزويد العاملين بالمهارات اللازمة لتقييم هذه الأدوات الجديدة بفاعلية.
كما توصل استطلاع آخر شمل 50 من قادة الرعاية الصحية إلى أن أكبر العوائق أمام اعتماد الذكاء الاصطناعي لا تكمن في التكنولوجيا نفسها بقدر ما تكمن في الطريقة التي يفهم بها الأشخاص الذكاء الاصطناعي، ويثقون به، ويطبقونه ضمن مسارات العمل الواقعية.
وعلى مستوى الخطوط الأمامية، تكون عواقب فشل الذكاء الاصطناعي فورية، وقد تتمثل في عدم اكتشاف تشخيص، أو تقديم توصية علاجية خاطئة، أو إلحاق الضرر بمريض. ولذلك، من الطبيعي أن تكون متطلبات اعتماد التكنولوجيا مرتفعة.
ويرغب المهنيون الصحيون في الحصول على أدلة قوية على السلامة والفاعلية. كما أنهم يمتلكون الفهم الأكثر دقة وتفصيلاً للنتائج التي تهم المرضى فعلاً. ومع ذلك، تظل سلطتهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بشراء التكنولوجيا محدودة في العادة.
أما على مستوى النظام الصحي، فتكون عواقب فشل الذكاء الاصطناعي أكثر تشتتاً، وقد تكون متعلقة بالسمعة أو المال أو السياسة، لكنها نادراً ما تكون سريرية مباشرة.
ولذلك، يكون مستوى المتطلبات اللازمة لاعتماده أقل نسبياً، ويتشكل بفعل الضغوط التنافسية، أو الضرورات المالية، أو الافتراض القائل إن الذكاء الاصطناعي سيحقق مكاسب في الكفاءة تبرر خفض الاستثمار في القوى العاملة.
ووصف أحد المشاركين في مقابلات هذه الورقة البيضاء خوارزمية لجدولة المواعيد طُبقت عبر أحد الأنظمة الصحية، وكانت تستخدم الخصائص الديموغرافية للمرضى، ومواقعهم الجغرافية، وسجل حضورهم السابق للتنبؤ بما إذا كانوا سيحضرون مواعيدهم.
وبدقة بلغت 90%، حظي النظام بتقدير المسؤولين الإداريين، لأنه قلل عدد المواعيد الشاغرة وحسن استخدام الطاقة الاستيعابية.
لكن بالنسبة إلى المهنيين الصحيين الأفراد، كان معدل الخطأ البالغ 10% يعني حضور بعض المرضى بصورة غير متوقعة، وتعطيل الجداول المعدّة مسبقاً، وزيادة أعباء العمل.
وهكذا، سُجلت الخوارزمية نفسها، وبمستوى الدقة ذاته، باعتبارها نجاحاً في أحد مستويات الحوكمة، وعبئاً في مستوى آخر.
ويتكرر هذا النمط عبر مختلف تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فالمؤشرات التي تهم مستوى النظام، مثل حجم العمل والطاقة الاستيعابية والتكلفة، ليست هي المؤشرات التي تهم العاملين في الخطوط الأمامية، مثل السلامة وسير العمل والعبء الذهني والثقة.
ومع ذلك، تقع سلطة اتخاذ القرارات المتعلقة بشراء التكنولوجيا في أيدي المستوى الأول، لا المستوى الثاني.
3.2 دور الحوافز وسهولة القياس
تحدد العلاقة بين حوافز الحوكمة ونتائج الذكاء الاصطناعي المسار الذي ستتخذه التكنولوجيا بصورة مباشرة.
وكما أشار أحد المشاركين في مقابلات هذه الورقة البيضاء، فإن الذكاء الاصطناعي لا يغير نماذج الأعمال من تلقاء نفسه، بل يسرّع التحرك في اتجاه الحوافز القائمة بالفعل.
ففي بيئة تعتمد على الدفع مقابل كل خدمة، سيضخم الذكاء الاصطناعي القيم المرتبطة بهذا النموذج، مثل زيادة عدد الزيارات، ورفع مستوى تعقيد رموز الفوترة، وتحويل التفاعلات الرقمية إلى استشارات قابلة للفوترة.
أما في نظام للرعاية القائمة على القيمة، حيث تتكامل خدمات التأمين وتقديم الرعاية والتوظيف تحت مظلة تنظيمية واحدة، فستضخم التكنولوجيا نفسها قيماً مختلفة، مثل حل المشكلة منذ نقطة الاتصال الأولى، والوقاية، والاحتفاظ بالقوى العاملة، وتوفير رعاية ميسورة التكلفة.
وفي مثل هذا النظام، تقترب معدلات رفض الموافقات المسبقة من الصفر، ويُنظر إلى اكتشاف السرطان في مراحله المتأخرة باعتباره فشلاً للنظام، لا فرصة لتحقيق الإيرادات.
ويعني ذلك أن أطر نتائج الذكاء الاصطناعي لا يمكن تصميمها بمعزل عن هياكل الدفع والحوافز التي يُطبق ضمنها.
وتظهر هذه الديناميكية أيضاً من منظور مطوري التكنولوجيا. فقد وصف عدد من المشاركين في مقابلات هذه الورقة البيضاء عمليات داخلية لتقييم القيمة تتسم بطبيعتها بتعدد الأبعاد، وتشمل النتائج السريرية، وسير عمل المهنيين الصحيين، والعبء الذهني، والتكاليف على مستوى النظام.
لكنهم أشاروا إلى أن أطر التقييم والتعويض الخارجية تختزل باستمرار هذا التعدد في مجموعة ضيقة من المؤشرات المباشرة والقريبة من التكنولوجيا.
وتُمنح المنتجات التي تُصنف داخلياً على أنها ذات قيمة طبية مرتفعة الأولوية في الوصول والدعم، لكن الأنظمة الخارجية التي تحدد ما إذا كان المرضى سيتمكنون فعلياً من الوصول إليها تعمل وفق معايير مختلفة.
وأشار أحد المشاركين أيضاً إلى وجود انفصال مستمر بين تقييم مؤسسته الداخلي للقيمة الطبية، الذي يعطي الأولوية للمعلومات القابلة للاستخدام الطبي وتحسين النتائج السريرية، وبين أنظمة التعويض الخارجية التي قد لا تكافئ الأولويات نفسها.
فالمنتجات المصنفة داخلياً على أنها ذات قيمة طبية مرتفعة تحظى بالأولوية في الوصول والدعم، لكن الأنظمة الخارجية المسؤولة عن تحديد قدرة المرضى على الحصول عليها تستند إلى معايير أخرى.
ويرتبط السؤال المتعلق بالجهة التي تتحمل التكلفة في مقابل الجهة التي تحصل على المنفعة بصورة مباشرة بهياكل الحوافز التي تحدد منتجات الذكاء الاصطناعي التي يجري تطويرها، والطريقة التي يجري بها تقديمها، ونوعية الأدلة التي تُجمع لدعمها.
ويمثل تطبيق السجلات الصحية الإلكترونية سابقة تحذيرية. فقد أُدخلت هذه السجلات مصحوبة بتوقعات بتحقيق مكاسب كبيرة في الكفاءة وخفض التكاليف.
لكن أحد المشاركين في مقابلات هذه الورقة البيضاء، استناداً إلى خبرته المباشرة في المراحل الأولى لتطبيقها داخل هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة، أشار إلى أن الوفورات المتوقعة لم تتحقق مطلقاً.
كما كانت تجربة العاملين تعتمد بالكامل على كيفية تطبيق النظام وتهيئته ودمجه في مسارات العمل السريري.
وفي بعض الحالات، طُبقت أنظمة توثيق مصممة وفق منطق الفوترة المعتمد في الولايات المتحدة داخل مؤسسات هيئة الخدمات الصحية الوطنية، رغم أن منطق الفوترة لم يكن ذا صلة بذلك السياق، ما فرض أعباء إدارية من دون تحقيق فائدة سريرية.
وهناك تشابه مباشر مع الذكاء الاصطناعي. فعندما تُتخذ قرارات الاعتماد في مستويات الحوكمة التي تعرّف القيمة على أساس الكفاءة المتوقعة، بينما يتحمل المهنيون الصحيون عواقب التطبيق من خلال إعادة تشكيل مسارات عملهم من دون مشاركتهم، لا تكون النتيجة زيادة الإنتاجية، بل إهدار الجهد.
3.3 انقلاب مفهوم القيمة
ينتج عن ذلك ما تصفه هذه الورقة بأنه «انقلاب في مفهوم القيمة». فبدلاً من قياس ما يهم المرضى والمهنيين الصحيين، تقيس الأنظمة ما يكون أكثر ملاءمة لمستوى الحوكمة الذي يتحكم في المشتريات.
وتتفاقم هذه الديناميكية نتيجة اختلاف الطموحات السياسية. فعلى المستوى الوطني، تحدد الحكومات الاتجاه العام.
وفي المملكة المتحدة، أعلن الوزراء صراحةً طموحهم إلى جعل البلاد أفضل مكان لاختبار الذكاء الاصطناعي وتطبيقه في الرعاية الصحية. وقد أثرت هذه الرغبة السياسية بوضوح في الطريقة التي تتعامل بها الجهات التنظيمية مع متطلبات الأدلة.
وقد يكون الاختلاف بين الدول في مدى استعدادها لتحمل المخاطر، عملياً، عاملاً أقوى في تحديد معايير التقييم من الاختلاف بين الجهات الفاعلة داخل النظام الواحد.
ويوضح المربع الثالث كيف تظهر هذه الديناميكية على مستوى لقاء سريري واحد.
المربع 3: انقلاب مفهوم القيمة في الممارسة العملية
في تحليل تجميعي شمل 15 دراسة، حصلت روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تقييمات أعلى بكثير من المهنيين الصحيين من حيث التعاطف، وذلك في تقييمات نصية مُعمّاة ضمن 13 دراسة.
وجرى تفسير هذه النتيجة على نطاق واسع باعتبارها دليلاً على أن الذكاء الاصطناعي تجاوز عتبة كان يُعتقد أنها إنسانية بصورة فريدة.
غير أن هذا الاستنتاج قد يعكس العلاقة السببية بصورة مقلوبة. فمن ناحية، تعلمت الخوارزمية محاكاة اللغة التي تعبّر عن التعاطف، ومن ناحية أخرى، ابتعدت الممارسة الطبية عن التواصل المباشر مع المرضى إلى درجة أصبح فيها النموذج اللغوي قادراً على التفوق على الأطباء في سمة كان المجال الطبي يفترض أنها ستظل غير قابلة للاستبدال.
وعلى امتداد أربعة عقود، أُعيد تنظيم العمل السريري حول التوثيق، والترميز، والموافقات المسبقة، وإدارة الرسائل الواردة، إلى أن أفادت إحدى الدراسات في الولايات المتحدة بأن المهنيين الصحيين لا يقضون سوى 27% من يوم العمل المكتبي في التواصل المباشر مع المرضى.
ويمكن لأدوات التدوين المحيطي المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تستوعب جزءاً كبيراً من هذا العبء، لكن التكنولوجيا تضع النظام الصحي أمام مسارين مختلفين.
فإما أن يُستخدم الوقت المستعاد لإعادة الحضور والتواصل إلى جانب المريض، وإما أن يُحوّل إلى زيادة عدد الحالات وتقليص مدة اللقاء السريري.
ولا تختار التكنولوجيا بين المسارين، بل يختار النظام الصحي.
ويجسد هذا التفرع انقلاب مفهوم القيمة على مستوى اللقاء السريري. فمستوى الحوكمة الذي يتخذ القرار يعرّف القيمة من خلال زيادة حجم العمل والعائد المالي، بينما يعرّف المستوى الذي يتحمل عواقب القرار القيمة من خلال الحضور والثقة وجودة الرعاية.
وعندما تقتصر المؤشرات التي تحدد «العمل المنتج» على حجم النشاط والإيرادات، يتلقى المهنيون الصحيون رسالة مفادها أن حضورهم الإنساني لا يهم.
ومع ذلك، أظهر استطلاع شمل أكثر من 20 ألف مهني صحي أن شعور العاملين بتقدير مؤسساتهم لهم كان العامل الأقوى في الحد من الاحتراق الوظيفي، إذ خفّض احتمالاته بنسبة 78%.
ولا يتمثل السؤال في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على إزالة الأعباء التي أبعدت المهني الصحي عن المريض، بل في ما إذا كانت الأنظمة الصحية ستستخدم القدرة المستعادة لتحقيق النتائج المهمة فعلاً، أم ستواصل تحسين النتائج الأسهل في القياس.
يوضح الشكل الأول هذه الديناميكية من خلال جزأين.
يرسم الجزء الأول انقلاب مفهوم القيمة عبر ثلاثة أبعاد، هي تأثير الحدث الضار، وقدرة الجهة الفاعلة على اتخاذ القرار، ومستوى الأدلة المطلوب للابتكار.
فالأشخاص الأقرب إلى المرضى يتعرضون لأكبر تأثير عند وقوع الأحداث الضارة، ويطلبون أعلى مستوى من الأدلة، لكنهم يمتلكون أقل قدر من سلطة اتخاذ القرار.
أما الأشخاص الأبعد عن المرضى، فيمتلكون أكبر سلطة، لكنهم يتعرضون لأقل تأثير شخصي، ويطبقون أدنى مستوى من متطلبات الأدلة.
وهكذا، ينعكس المثلث عند كل مستوى من مستويات الحوكمة.
ويقترح الجزء الثاني توجهاً بديلاً يتمثل في «إطار التراكم»، حيث يدور جميع أصحاب المصلحة حول النتائج ذات المعنى باعتبارها مركزاً للجاذبية.
ويمثل كل مدار زاوية مختلفة للنظر إلى ما ينبغي أن يحققه الذكاء الاصطناعي، والكيفية التي يختبر بها كل طرف تأثيراته.
وجميع هذه المدارات ضرورية. ويكمن التحدي في ضمان وصول الإشارة المرتبطة بالنتائج إلى كل واحد منها.
غير أن قاعدة الأدلة الحالية ليست موزعة بالتساوي عبر هذه المدارات. فهي تتركز عند الطرفين: في المدار الأعمق، حيث توجد المؤشرات المباشرة مثل وقت التوثيق، ورضا المهنيين الصحيين، وحجم الزيارات؛ وفي المدار الأبعد، حيث توجد أرقام الاستثمار على المستوى الكلي، وانطباعات المسؤولين التنفيذيين، وتوقعات الإنتاجية.
أما المدارات الوسطى، حيث يتخذ مسؤولو الأنظمة قرارات الشراء، ويحدد المطورون أهداف التحسين، وتضع الجهات الممولة معايير التعويض، فلا تزال إلى حد كبير خارج نطاق القياس. وتبدو المساحات الفاصلة بين المدارات أكثر غموضاً، إذ تتراكم فيها الآثار غير المباشرة، مثل تراجع المهارات، وإعادة توزيع القوى العاملة، وتوليد طلب غير مقصود.
ويتمثل السؤال في ما إذا كانت الأنظمة الصحية تبحث عن قيمة الذكاء الاصطناعي في المواضع التي يُرجح وجودها فيها، أم في المواضع التي يسهل البحث فيها. فقاعدة الأدلة التي تسلط الضوء على طرفي إطار التراكم فقط ستغفل بصورة منهجية مستويات الحوكمة التي يبلغ فيها انقلاب مفهوم القيمة أشد درجاته، والتي يمكن أن يكون التدخل فيها أكثر فاعلية.
إن توقع المسؤولين التنفيذيين تحقيق مكاسب في الإنتاجية لا يستطيعون قياسها بعد، في الوقت الذي يفقد فيه العاملون في الخطوط الأمامية ثقتهم بالأدوات المطلوب منهم استخدامها، يجسد انقلاب مفهوم القيمة في صورة مصغرة: نقطتان من البيانات تقعان عند طرفين متقابلين من طيف الحوكمة، من دون أي معلومات تملأ المسافة بينهما.
ولا يتطلب حل هذه المشكلة تحسين القياس فحسب، بل إعادة توجيه الطريقة التي يجري بها تحديد النتائج؛ بحيث لا تُفرض من القمة إلى القاعدة استناداً إلى متطلبات النظام، بل تُبنى من القاعدة إلى القمة انطلاقاً من المرضى والمهنيين الذين يختبرون عواقب اعتماد الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر مباشرة.
4. رؤية للمستقبل
ينبغي أن يمنح المسار المستقبلي الأولوية للنتائج التي يحددها الممارسون والمرضى، بدلاً من التطور التكنولوجي وحده، مع اعتماد أساليب قياس تراعي سياق تقديم الرعاية.
أوضحت الأقسام السابقة أن الأنظمة الصحية تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي من دون وجود فهم مشترك للنتائج التي ينبغي أن تحققها هذه الاستثمارات، وأن هياكل الحوكمة التي تُتخذ من خلالها قرارات الاعتماد تمنح بصورة منهجية الأفضلية للمؤشرات المباشرة وسهلة القياس، على حساب النتائج الأكثر أهمية للمرضى والمهنيين الصحيين. ويقترح القسم الرابع مساراً للمضي قدماً يستند إلى أربعة مبادئ.
وقبل عرض هذه المبادئ، لا بد من الإشارة إلى نقطة أساسية: يجب النظر إلى أي إطار يهدف إلى تحديد النتائج ذات المعنى للذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية باعتباره عملية متكررة لبناء توافق الآراء، لا منتجاً يُنجز مرة واحدة. فقد جرى تحديد اللبنات الأساسية لخلق القيمة في التقنيات الصحية من خلال عمليات منظمة لبناء توافق الخبراء، غير أن الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة أسرع مما يمكن لأي إطار ثابت استيعابه. وستظهر تطبيقات جديدة، وتنضج التطبيقات القائمة، وتتغير السياقات التي تُستخدم فيها.
لذلك، لا تُطرح المبادئ التالية بوصفها وصفات ثابتة، بل باعتبارها بنية مستدامة يمكن ضمنها مراجعة تعريفات النتائج بصورة دورية، ومناقشتها، والاعتراض عليها، وتجديدها. فالإطار ليس منتجاً، بل ممارسة مستمرة.
كما يجب أن تتعامل هذه العملية بواقعية مع القيود الهيكلية التي تعمل ضمنها. فالتحدي لا يتمثل ببساطة في إضافة طبقة جديدة من النتائج فوق الأنظمة القائمة، بل في إجراء تقييم نقدي للجوانب التي لا تعمل في تلك الأنظمة، وتحديد الكيفية التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم بها في معالجتها.
فقد صُممت هياكل الحوافز الحالية، والإجراءات التنظيمية، وآليات المسؤولية القانونية قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، ولم تُنشأ لتناسب خصائصه. وأي إطار لا يواجه أوجه عدم التوافق الهيكلي هذه قد ينتج تعريفات طموحة للنتائج يعجز النظام عن تحقيقها فعلياً.
المبدأ الأول: ينبغي تحديد النتائج ذات المعنى من القاعدة إلى القمة، والسعي إلى تحقيقها من القمة إلى القاعدة
ينشأ انقلاب مفهوم القيمة جزئياً لأن النتائج التي يُقيّم الذكاء الاصطناعي على أساسها تختارها مستويات حوكمة محمية هيكلياً من عواقب السعي وراء النتائج الخاطئة.
ويتطلب عكس هذا الوضع البدء من الطرف الآخر، أي تحديد النتائج الأكثر أهمية للأشخاص الأقرب إلى نقطة تقديم الرعاية، ثم إدراجها ضمن أطر الحوكمة والمشتريات والتقييم على مستوى النظام.
ولا تمثل هذه الفكرة توجهاً جديداً في الرعاية الصحية. فقد أثبتت الجهود الرامية إلى تحديد النتائج التي يبلغ عنها المرضى بأنفسهم وتوحيدها أنه من الممكن بناء توافق حول ما يهم المرضى عبر مختلف الحالات والبيئات والأنظمة.
لكن ما لم يُجرَّب بعد هو تطبيق المنطق نفسه على الذكاء الاصطناعي. فلا يوجد حتى الآن إطار مكافئ يحدد النتائج التي ينبغي أن تحققها تقنيات الذكاء الاصطناعي لمختلف أصحاب المصلحة في النظام الصحي، بما يشمل المرضى، والأطباء والمهنيين الصحيين، والإداريين، والجهات الممولة، وصانعي السياسات.
ويتطلب بناء مثل هذا الإطار إشراك أصحاب المصلحة في الخطوط الأمامية من خلال عمليات منظمة. فلا ينبغي سؤال المرضى فقط عما إذا كانوا راضين عن الرعاية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً عن النتائج التي يتوقعون أن يحسنها الذكاء الاصطناعي، والمخاطر التي يكونون على استعداد لقبولها.
كما ينبغي ألا يُسأل المهنيون الصحيون فقط عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يوفر لهم الوقت، بل عما إذا كان الوقت الموفر يُعاد استثماره بطرق تحسن الرعاية، وعما إذا كانت قدراتهم السريرية المستقلة لا تزال محفوظة.
ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالنيابة عنهم داخل قاعات مجالس الإدارة. فهي تتطلب عمليات مخصصة لاستطلاع آراء الأشخاص الذين يختبرون عواقب اعتماد الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة، وتجميع هذه الآراء وتحويلها إلى جزء مؤسسي من عملية صنع القرار.
ويوضح تطبيق «كايزر بيرماننتي» لأدوات التدوين المحيطي المدعومة بالذكاء الاصطناعي كيف يمكن أن يبدو ذلك عملياً. فقد جاء الزخم الدافع لاعتمادها من المهنيين الصحيين، لا من قيادة النظام أو فرق المشتريات.
وحدد الأطباء والمهنيون الصحيون الأهداف الأساسية، وهي تقليل العبء الإداري وتحسين الرفاه، كما حرصت المؤسسة عمداً على حماية هذه الأهداف من أن تطغى عليها المؤشرات المالية، رغم أن الخطة الصحية كانت تتحمل تكلفة التكنولوجيا.
ويجب أن يشمل نطاق النتائج ذات المعنى أيضاً استدامة القوى العاملة. ففي ظل توقع تقاعد ما يصل إلى 50% من القوى العاملة في مجال التمريض حول العالم بحلول عام 2030، لا يتعلق الأمر بمشكلة خاصة بمؤسسة واحدة، بل بديناميكية عالمية.
وفي هذا السياق، لا تعني الإنتاجية استخراج قدر أكبر من العمل من الموظفين الحاليين، بل الحفاظ على قدرة النظام في الوقت الذي تتقلص فيه القوى العاملة، وجعل الرعاية الصحية مساراً مهنياً جذاباً ومستداماً للأجيال المقبلة.
وهذه نتائج بالغة الأهمية للأنظمة الصحية. وقد تؤثر في قرارات الاعتماد على مستوى المؤسسات، كما يوضح مثال ولاية يوتا، لكنها لا تظهر حتى الآن بوصفها معايير رسمية في أطر التقييم التي يُقاس الذكاء الاصطناعي على أساسها، أو يُشترى بموجبها، أو يخضع من خلالها للمساءلة.
والفجوة بين الدوافع التي تقود قرار اعتماد التكنولوجيا، وما يجري قياسه رسمياً بعد تطبيقها، تمثل في حد ذاتها مظهراً من مظاهر انقلاب مفهوم القيمة.
وبعد تحديد هذه النتائج، يجب السعي إلى تحقيقها من القمة إلى القاعدة، من خلال إدراجها في معايير المشتريات، ودمجها في أطر التقييم، وربطها بآليات التقييم وإعداد التقارير في كل مستوى من مستويات الحوكمة.
ولا يتمثل الهدف في استبدال مؤشرات الكفاءة، بل في ضمان اقترانها بمؤشرات للنتائج تعكس كامل مصالح مختلف أصحاب المصلحة.
المبدأ الثاني: ينبغي أن يحدد التعاون بين القطاعين العام والخاص شكل النتائج ذات المعنى ووظيفتها
لا تستطيع الأنظمة الصحية تحديد النتائج ذات المعنى للذكاء الاصطناعي بمعزل عن الأطراف الأخرى. فالتقنيات تطورها شركات خاصة، وتنظمها جهات عامة، ويشتريها مسؤولو الأنظمة، ويستخدمها المهنيون الصحيون والمرضى.
ويمتلك كل طرف جزءاً من الصورة، لكن لا يمتلك أي طرف الصورة كاملة.
لذلك، لا يُعد التعاون بين القطاعين العام والخاص أمراً مرغوباً فحسب، بل ضرورة. ويكتسب الدور الذي يؤديه المنتدى الاقتصادي العالمي في جمع الأطراف أهمية خاصة في هذا السياق، من خلال إدخال المطورين، ومقدمي الرعاية، والجهات الممولة، والجهات التنظيمية، وممثلي المرضى في حوار منظم يهدف إلى المشاركة في وضع تعريفات للنتائج تكون ذات معنى سريري، وقابلة للتطبيق تجارياً، وجاهزة للاندماج ضمن أطر الحوكمة.
ومن دون هذا التوافق، يُخشى أن يواصل المطورون تحسين منتجاتهم وفق مؤشرات تدعم الحصول على الموافقة التنظيمية ودخول الأسواق، مثل الحساسية، والنوعية، وسرعة المعالجة، بينما تواصل الأنظمة الصحية تقييم الذكاء الاصطناعي وفق مؤشرات تبرر قرارات الشراء، مثل تكلفة كل حالة وحجم العمل المنجز.
وفي كلتا الحالتين، لن تعكس هذه المؤشرات ما يهم فعلياً الأشخاص الذين صُممت هذه التقنيات لخدمتهم.
وتقدم الفئات الخمس الأساسية لأصحاب المصلحة في الأنظمة الصحية، وهي المرضى، ومقدمو الرعاية، والجهات الممولة، وشركات المنتجات، وصانعو السياسات، تعريفات مختلفة للقيمة، وقد تتعارض هذه التعريفات أحياناً.
ويجب أن يعترف إطار النتائج ذات المعنى بهذه التوترات، بدلاً من إخفائها أو تجاوزها شكلياً.
فقد يعطي المرضى الأولوية لجودة الحياة والثقة، بينما يعطي مقدمو الرعاية الأولوية لتقليل عبء العمل والحفاظ على المهارات السريرية. وقد تركز الجهات الممولة على فعالية التكلفة والتأثير في صحة السكان، بينما يركز المطورون على قابلية التوسع والحصول على الموافقات التنظيمية، ويعطي صانعو السياسات الأولوية للإنصاف واستدامة النظام.
ولا تتمثل المهمة في اختزال كل هذه الأولويات في تعريف واحد، بل في جعل المفاضلات بينها واضحة، وخاضعة للتفاوض، وشفافة.
وعملياً، يعني ذلك جمع الفئات الخمس العامة لأصحاب المصلحة، إلى جانب الجهات المحددة التي تحدد قراراتها ما إذا كانت قيمة الذكاء الاصطناعي ستتحقق فعلياً.
وتشمل هذه الجهات وزارات الصحة التي تحدد الأولويات، ووزارات المالية التي تتحكم في التمويل، وهيئات تقييم التكنولوجيا الصحية التي تحدد ما يُعد دليلاً مقبولاً، ومسؤولي المشتريات وإدارات المستشفيات الذين يتخذون قرارات الشراء، ومجموعات المرضى والجمعيات المهنية الصحية التي يحدد دعمها ما إذا كانت التكنولوجيا ستُعتمد أو ستواجه المقاومة.
ويُعد توافق الحوافز شرطاً مسبقاً لنجاح هذا التفاوض. ففي الأنظمة المتكاملة التي يتوافق فيها تقديم الرعاية المناسبة في الوقت المناسب هيكلياً مع الاستدامة المالية، يصبح تطبيق الذكاء الاصطناعي الموجه نحو النتائج امتداداً طبيعياً لقيم المؤسسة.
أما في الأنظمة التي تكون فيها الجهات الممولة، ومقدمو الرعاية، وأصحاب العمل كيانات منفصلة ذات مصالح متنافسة، فستؤدي التكنولوجيا نفسها، عند تطبيقها بالقدرات ذاتها، إلى نتائج مختلفة، لأن بنية الحوافز توجهها بطرق مختلفة.
لذلك، يجب ألا يقتصر التعاون بين القطاعين العام والخاص على تحديد النتائج، بل ينبغي أن يتناول أيضاً الظروف الهيكلية التي تسمح بالسعي إلى تحقيقها.
ومن دون ذلك، قد تتحول أطر النتائج إلى وثائق طموحة تتجاوزها نماذج الدفع التي لم تأخذها تلك الأطر في الحسبان.
المبدأ الثالث: التطور التكنولوجي مهم، لكنه يأتي في مرتبة ثانوية بعد السعي إلى تحقيق النتائج الصحيحة
غالباً ما يُعرض سباق الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة باعتباره منافسة تكنولوجية: أي الأنظمة تمتلك الخوارزميات الأكثر تطوراً، وأكبر مجموعات البيانات، وأسرع البنى التحتية للمعالجة؟
ولا يُعد هذا التصور خاطئاً، لكنه غير مكتمل. فالقدرة التكنولوجية شرط ضروري لاعتماد الذكاء الاصطناعي بصورة ذات معنى، لكنها ليست كافية.
فالنظام الصحي الذي يمتلك بنية تحتية رائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي، لكنه يسعى إلى تحقيق النتائج الخاطئة، لن يقدم رعاية أفضل. أما النظام الذي يستخدم تكنولوجيا أكثر تواضعاً، لكنه يحدد النتائج الصحيحة ويسعى إلى تحقيقها، فسيكون أكثر قدرة على ذلك.
ويؤثر هذا التمييز في الطريقة التي تخصص بها الأنظمة الصحية مواردها. فمن الضروري الاستثمار في الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءاً من البنية التحتية للرعاية الصحية، لا مجرد مجموعة من الحلول المنفصلة لمشكلات محددة.
ويشمل ذلك الاستثمار في جودة البيانات، وقابلية التشغيل البيني، وبنية الحوكمة اللازمة لتحديد النتائج ذات المعنى والسعي إلى تحقيقها.
وستكون الأنظمة الفائزة في سباق الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة هي تلك التي تستثمر في الجانبين معاً، وتدرك أن التفوق التكنولوجي من دون توافق مع النتائج يمثل رؤية قصيرة الأجل، وأن التوافق مع النتائج من دون قدرة تكنولوجية لا يتجاوز الطموح الذي يفتقر إلى أدوات التنفيذ.
المبدأ الرابع: يجب أن تراعي أطر النتائج اختلاف السياقات، وأن تُصمم للبيئات التي تعاني من الندرة وكذلك للبيئات التي تتمتع بالوفرة
تتمحور المبادئ الثلاثة الأولى حول الأنظمة الصحية القائمة بالفعل، أي الأنظمة التي تمتلك مستويات للحوكمة، وعمليات للمشتريات، وهيئات تنظيمية، وقوى عاملة سريرية.
غير أن نسبة كبيرة من سكان العالم لا تستطيع الوصول إلى هذه الهياكل. وكما أوضح المربع الأول، عندما يكون البديل المقارن لاستخدام الذكاء الاصطناعي هو عدم وجود أي رعاية، فإن الافتراضات المتعلقة بالأدلة والحوكمة التي تقوم عليها أطر النتائج في البيئات مرتفعة الدخل لا يمكن نقلها بصورة موثوقة إلى هذه السياقات.
ولا يقتصر تأثير ذلك على توليد الأدلة، بل يمتد إلى تصميم الأطر نفسها. ففي هذه السياقات، لا يمثل مفهوم «الجيد بما يكفي» تنازلاً، بل فئة مستقلة من النتائج ذات المعنى.
فالأداة التي تمنح شخصاً لا يستطيع الوصول إلى أي رعاية شعوراً بالتفهم والتأكيد، وتوجهه إلى دعم من الأقران أو من المتخصصين، وتعمل بوصفها مدافعاً عن احتياجاته الصحية، تقدم نوعاً من القيمة يختلف جذرياً عن أداة تحسن كفاءة التوثيق بنسبة محدودة في مستشفى يتمتع بعدد كافٍ من الموظفين.
وأطر النتائج التي لا تستطيع استيعاب هذين النوعين معاً ستكرس أوجه عدم المساواة نفسها التي يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على الحد منها.
ويكتسب هذا المبدأ الرابع أهمية خاصة بالنسبة إلى النطاق العالمي لعمل المنتدى الاقتصادي العالمي.
فالمبادئ الثلاثة الأولى تصف كيفية تحقيق قيمة الذكاء الاصطناعي بصورة صحيحة داخل الأنظمة الصحية القائمة. أما المبدأ الرابع، فيضمن ألا يتحول السعي إلى تطبيق معايير صارمة في البيئات ذات الموارد الجيدة إلى عائق أمام الوصول في البيئات التي قد يكون فيها الذكاء الاصطناعي المورد الوحيد المتاح.
ويتمتع المنتدى، بفضل قدرته على جمع الأطراف من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل وكذلك البلدان مرتفعة الدخل، بموقع فريد يتيح له تحقيق التوازن بين هذين الهدفين، ودعم تطوير أطر للقيمة تراعي اختلاف السياقات.
