تقديم
يَعِد الذكاء الاصطناعي بأن يكون التكنولوجيا التحولية الأبرز لجيل كامل.
ففي مجالس إدارة الشركات، يمكنه تحسين عملية اتخاذ القرارات، وتسريع الابتكار، ومساعدة القادة على اكتشاف مسارات جديدة للنمو. وفي المصانع وعمليات تقديم الخدمات، يستطيع تقليل التعقيدات، وتحسين الجودة، وجعل العمل أكثر إنتاجية وقدرة على التكيف والصمود.
أما بالنسبة إلى الحكومات، فيوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة لتعزيز الخدمات العامة، وتطوير القطاعات الصناعية، ودعم تنمية اقتصادية أكثر شمولاً.
وفي جميع هذه المجالات، لا يمثل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لرفع الكفاءة، بل أصبح قوة قادرة على إعادة تشكيل الطرق التي تُنشأ بها القيمة والأساليب التي تحقق بها المجتمعات الازدهار.
غير أن تحقيق هذه الوعود يعتمد على افتراض أساسي، وهو أن يكون التحول القائم على الذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان.
تدرك المؤسسات والمنظومات والدول بصورة متزايدة أنه لا يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تحدٍّ يتعلق بنشر التكنولوجيا. فهي تدرك أن الرهانات أوسع من ذلك، إذ تشمل كيفية تغيّر طبيعة العمل، وبناء الثقة، وتكيّف المؤسسات، وتوزيع المكاسب الناتجة عن هذا التحول.
أصبحت أسباب تبني هذا النهج واضحة، لكن السؤال الأكثر صعوبة يتمثل في كيفية تطبيقه عملياً.
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في آسيا. فتنوّع المنطقة وحجمها وديناميكيتها تجعل منها إحدى أهم الساحات التي يتشكل فيها مستقبل الذكاء الاصطناعي. وتتحرك اقتصاداتها بسرعات متفاوتة وتنطلق من مستويات مختلفة، إلا أن العديد منها يواجه التحدي الأساسي نفسه، وهو ضمان أن يؤدي التقدم التكنولوجي إلى نتائج أفضل للأفراد والمؤسسات والمجتمع.
يتتبع هذا التقرير الكيفية التي بدأ بها التحول القائم على الذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان في التبلور في مختلف أنحاء آسيا، والمجالات التي يحقق فيها زخماً، والعوائق التي لا تزال قائمة، والدروس العملية التي بدأت في الظهور.
ولا تقتصر أهمية هذه الدروس على آسيا وحدها، بل تمتد إلى العالم بأسره، إذ تثبت أن أكثر ما يميز الذكاء الاصطناعي قوةً ليس التكنولوجيا في حد ذاتها، بل الإمكانات البشرية التي يتيح إطلاقها.
الملخص التنفيذي
مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي وانتقالها من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، لم يعد تبنيه مقتصراً على المشاريع التجريبية أو التحسينات المنفصلة في الإنتاجية.
ففي مختلف أنحاء العالم، يجري دمج الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة في صميم العمليات، ومسارات العمل، وعمليات اتخاذ القرار. وفي الصين، انتقلت منتجات مثل OpenClaw بسرعة من مرحلة التجارب داخل الأوساط التقنية إلى دائرة الاهتمام العام.
ومع ذلك، لم يؤدِّ التوسع في تبني الذكاء الاصطناعي وزيادة استقلالية أنظمته بصورة منتظمة إلى تحقيق قيمة مستدامة.
وترى هذه الورقة أن العقبة الرئيسية تكمن في اتساع الفجوة بين قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي والسرعة التي تتكيف بها الأنظمة البشرية معها. ولذلك، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يجري تبنيه، بل ما إذا كانت الأدوار البشرية، المتمثلة في التوجيه وإصدار الأحكام وتحمل المسؤولية، يُعاد تنظيمها بصورة مدروسة لمواكبة القدرات التقنية.
ومن هذا المنظور، قد يُساء بسهولة فهم دور الإنسان في التحول القائم على الذكاء الاصطناعي.
فهذا الدور لا يعني إشراك البشر في كل مهمة، كما أنه لا يستند إلى دعوة عامة ومجردة لوضع الإنسان في مركز الاهتمام.
يشير التحول القائم على الذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان إلى الوظائف التي لا يمكن تفويضها للأنظمة التقنية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، وتشمل تحديد التوجهات، والحفاظ على القدرة البشرية على إصدار الأحكام، وتحمل المسؤولية.
ولا تكمن أهمية الإنسان في مقاومة الأتمتة، بل في ضمان أن يكون الانتقال إلى نماذج تشغيل جديدة مدفوعاً بقصد بشري واعٍ ومدروس، لا بمجرد الزخم الناتج عن نشر التكنولوجيا.
تمثل آسيا ساحة اختبار حاسمة لهذا التحول، نظراً إلى ما تتمتع به من نطاق صناعي واسع، وتنوع ديموغرافي، ومشاركة قوية من الحكومات في رسم السياسات، وسرعة في تطبيق التكنولوجيا على أرض الواقع.
وتتقدم بعض الاقتصادات من خلال تسريع شامل يغطي مختلف أجزاء المنظومة، بينما تتقدم اقتصادات أخرى عبر دمج تدريجي ومتسلسل للذكاء الاصطناعي، أو من خلال توسع قائم على الفرص يركز على القطاعات ذات الأولوية أو على البنى التحتية الرقمية الداعمة.
واستناداً إلى تقريري المنتدى الاقتصادي العالمي «من المخطط إلى التنفيذ: مسار الصين نحو تحول الصناعات المدعوم بالذكاء الاصطناعي» و«التحول المؤسسي في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحقق المؤسسات أقصى استفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي»، تقدم هذه الورقة البيضاء إطاراً عملياً للتحول القائم على الذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان.
ويتجاوز هذا الإطار التركيز الضيق على مجرد وجود الإنسان داخل العمليات الفردية، ليتناول كيفية تنظيم التوجيه وإصدار الأحكام وتحمل المسؤولية حول الأدوار البشرية على مستوى الأنظمة بأكملها.
كما يوفر الإطار بنية عملية لممارسة هذه المسؤوليات على مستوى المؤسسات، والمنظومات، والمناطق.
ورسالتنا واضحة ومباشرة: إن مستقبل التحول القائم على الذكاء الاصطناعي في آسيا لن تحدده قدرات النماذج التقنية بقدر ما ستحدده قدرة الأنظمة البشرية على إعادة تنظيم نفسها بصورة مدروسة، بما يتيح دمج الذكاء الاصطناعي بعمق وتوسيع نطاق استخدامه.
المقدمة
ينتقل الذكاء الاصطناعي من المشاريع التجريبية المنعزلة إلى مرحلة النشر التشغيلي الأساسي في مختلف القطاعات.
وعلى الرغم من أن 77% من المؤسسات تتبنى تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، فإن أقل من ثلثها أفاد بتحقيق قيمة واسعة النطاق ومستدامة من مبادراته.
وتكشف هذه الفجوة أن نشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لا يؤدي تلقائياً إلى إحداث تأثير شامل على مستوى الأنظمة.
في المراحل الأولى من تبني الذكاء الاصطناعي، كان السؤال الأساسي يتمثل في تحديد المجالات التي ينبغي استخدامه فيها. أما اليوم، ومع تسارع وتيرة التبني ووصول هذه التكنولوجيا إلى أعداد غير مسبوقة من الأشخاص، فقد أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كانت المؤسسات قادرة على وضع أطر حوكمة للذكاء الاصطناعي بالسرعة الكافية لتحويل قدراته إلى قيمة مستدامة.
ولم تعد العقبة تقتصر على قدرات النماذج وحدها، بل تتمثل أيضاً في اتساع الفجوة بين سرعة تطور الذكاء الاصطناعي ومدى استعداد الأنظمة البشرية للتكيف معه.
وتصبح هذه الفجوة أكثر تأثيراً مع بدء الأنظمة القائمة على الوكلاء وطبقات التنسيق في تنفيذ الإجراءات، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة، وهو تطور يوصف بأنه انتقال من مرحلة «تعزيز القدرات البشرية» إلى مرحلة «الذكاء التعاوني».
ويجعل هذا التحول من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن يواصل البشر تحديد الأهداف والحدود والمسؤوليات والظروف التكيفية التي يعمل الذكاء الاصطناعي ضمنها.
ولهذا السبب، أصبح التحول القائم على الذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان ضرورياً للمرحلة المقبلة من تبني هذه التكنولوجيا.
ولا يعني هذا النهج إشراك البشر في كل مهمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، كما لا يقتصر على تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بما يتوافق مع التفضيلات البشرية.
وما يميزه هو تركيزه على التحول بدلاً من التدخل، من خلال إعادة تصميم النظام البشري المحيط بالذكاء الاصطناعي بصورة مدروسة، مع اندماجه المتزايد في صميم العمليات وعمليات اتخاذ القرار.
يشير التحول القائم على الذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان إلى إعادة تصميم هادفة للاستراتيجية والعمليات والهياكل التنظيمية، يؤدي فيها البشر الأدوار التالية:
– محددو التوجهات: تحديد الأهداف الاستراتيجية، وأولويات خلق القيمة، والحدود التي يعمل الذكاء الاصطناعي ضمنها، بما يشمل تحديد المجالات التي يُطبَّق فيها، وكذلك الغايات التي صُمم لخدمتها.
– حماة القدرة على إصدار الأحكام: إدماج التفكير البشري في نقاط اتخاذ القرار التي لا يمكن فيها تحديد السياق والمخاطر والعواقب بصورة كاملة مسبقاً، ووضع حدود واضحة للمجالات التي ينبغي ألا يتوسع فيها استخدام الذكاء الاصطناعي.
– حاملو المسؤولية: ضمان بقاء شخص أو جهة مسؤولة فعلياً عن النتائج، من خلال تركيز المسؤولية في الجهات القادرة على ممارستها وإنفاذها، بدلاً من توزيعها بصورة مبهمة عبر الأنظمة.
يبدأ التحول القائم على الذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان من وضوح القصد، أي تحديد النتائج المهمة، والقرارات التي يجب تحسينها، والقدرات التي ينبغي تعزيزها. وترسم هذه الخيارات اتجاه التحول، إذ لا تحدد المجالات التي يُطبَّق فيها الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تحدد أيضاً الكيفية التي يجب أن تتغير بها المؤسسة نفسها حتى تتمكن من تحقيق القيمة.
والأهم من ذلك أن عملية إعادة التصميم هذه لا تتوقف عند حدود المؤسسة. فمع امتداد خلق القيمة بصورة متزايدة عبر أنظمة مترابطة، يعتمد توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي أيضاً على مدى قدرة المؤسسات على المواءمة مع الشركاء وأسواق العمل والبيئات المؤسسية. ومن دون هذا التوافق الأوسع، يظل الذكاء الاصطناعي فعالاً على المستوى المحلي، لكنه يبقى مجزأً على مستوى النظام ككل، وتستمر الفجوة بين نشره وتحقيق قيمة مستدامة منه.
وفي هذا السياق، لا يُعد وجود الإنسان في موقع القيادة إضافة أخلاقية إلى عملية نشر الذكاء الاصطناعي، ولا عائقاً أمام الطموح التكنولوجي، بل يمثل شرطاً هيكلياً أساسياً للتوسع المستدام. ولا يمكن تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي إلى أثر موثوق في الأعمال، ومرونة في القوى العاملة، وقدرة تنافسية طويلة الأجل إلا من خلال إعادة تصميم مدروسة بقيادة الإنسان.
1. فرصة آسيا في مجال الذكاء الاصطناعي: الديناميكية والواقع والإمكانات
يبرز التحول الشامل القائم على الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر وضوحاً في آسيا، مدفوعاً بمزيج من العوامل الهيكلية، تشمل النطاق الصناعي الواسع، والتباينات الديموغرافية، وتنوع الهياكل الاقتصادية، وتفاوت مستويات الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي رغم أهميتها الملحوظة، كما يوضح الشكل 2.
وتجعل هذه العوامل مجتمعةً من آسيا أكثر من مجرد منطقة تشهد تبنياً سريعاً للذكاء الاصطناعي، إذ تحولها إلى ساحة اختبار قيّمة لدراسة الكيفية التي تعتمد بها الأنظمة المختلفة الذكاء الاصطناعي، وتتكيّف معه، وتوسع نطاق استخدامه في ظل قيود العالم الواقعي.
تتميز المنطقة بخاصيتين:
الحجم والتعقيد ونشر الذكاء الاصطناعي الصناعي
تجمع آسيا بين الحجم والقدرة التشغيلية بطريقة لا تتوافر إلا في عدد قليل من المناطق الأخرى، إذ تضم بعضاً من أكثر الأنظمة الصناعية وسلاسل التوريد تكاملاً وترابطاً في العالم.
فعلى سبيل المثال، تُعد الصين الدولة الوحيدة في العالم التي تشمل جميع الفئات الصناعية الواردة في نظام تصنيف الأمم المتحدة. وفي العديد من الاقتصادات، يتم الاندماج في سلاسل القيمة العالمية أساساً من خلال شبكات الإنتاج الإقليمية، بدلاً من الاعتماد المباشر على التوريد العالمي. وفي بعض الحالات، تتجاوز نسبة هذا التكامل الإقليمي في المراحل السابقة من سلسلة القيمة 70%.
وفي مثل هذه البيئات، لا يظل نشر الذكاء الاصطناعي محصوراً في نطاق محلي، إذ تنتقل آثار القرارات المتخذة في إحدى نقاط الشبكة بسرعة إلى العديد من الجهات والقطاعات الأخرى. ويتيح ذلك خلق قيمة على نطاق واسع وعلى مستوى النظام بأكمله، بدرجة لا تستطيع سوى مناطق قليلة أخرى مضاهاتها.
توفر القاعدة الصناعية في آسيا أساساً مميزاً لاقتناص القيمة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. فقد استحوذت آسيا على 74% من عمليات نشر الروبوتات الصناعية الجديدة خلال عام 2024، فيما تمتلك الصين أكبر عدد من الروبوتات الصناعية العاملة في العالم.
وتوفر شبكات الإنتاج الكثيفة والمنظومات الهندسية الراسخة ظروفاً تمكّن الذكاء الاصطناعي من تحقيق مكاسب تراكمية عبر الأنظمة المترابطة، وليس داخل المؤسسات الفردية فحسب.
ويجعل ذلك دور الإنسان أكثر وضوحاً. فدمج الذكاء الاصطناعي في العمليات ذات المخاطر العالية يتطلب اتخاذ قرارات بشأن المجالات التي يمكن الوثوق فيه ضمنها، والحالات التي يظل فيها التدخل البشري ضرورياً، وكيفية تحويل الخبرات المتخصصة إلى معرفة منظمة، وكيفية توزيع التوجيه والمسؤولية داخل الأنظمة التي تجمع بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.
تباين الحقائق الديموغرافية وواقع القوى العاملة
تضم آسيا ما يقارب 59% من سكان العالم، إلا أن أوضاع القوى العاملة فيها لا تزال متفاوتة بدرجة كبيرة.
فبعض الاقتصادات، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تواجه شيخوخة سكانية سريعة، إذ تتجاوز نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر 29% في اليابان و20% في كوريا الجنوبية. وفي المقابل، لا تزال اقتصادات أخرى، مثل الهند ودول جنوب شرق آسيا، تتمتع بقوى عاملة شابة ومتنامية. أما الصين فتقع بين هذين النموذجين، إذ تجمع بين الحجم السكاني الكبير والضغوط الديموغرافية الناشئة.
وتؤثر هذه الاختلافات في الدوافع المباشرة لتبني الذكاء الاصطناعي. ولا تزال الدول الآسيوية، ولا سيما دول جنوب شرق آسيا، من بين أكثر دول العالم تفاؤلاً بشأن هذه التكنولوجيا.
ففي الصين وماليزيا وتايلاند وإندونيسيا وسنغافورة، يرى أكثر من 80% من المشاركين في الاستطلاعات أن الذكاء الاصطناعي سيغير حياتهم بصورة عميقة خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة. وفي الصين تحديداً، يتحول هذا التفاؤل إلى استخدام فعلي، إذ تجاوزت نسبة الأشخاص الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بصورة شبه منتظمة أو منتظمة 80%.
وفي بعض السياقات، يرتبط الذكاء الاصطناعي بضمان استمرارية العمل، وتعويض نقص العمالة، وزيادة الإنتاجية في ظل الضغوط التي تواجه سوق العمل. وفي سياقات أخرى، يرتبط بصورة أكبر بتعزيز القدرات البشرية، وتحقيق الشمول، وتوسيع النطاق، وتحسين فرص الوصول.
ورغم اختلاف هذه الدوافع، تتقاطع جميعها عند رسالة أساسية واحدة: بدأ الذكاء الاصطناعي يغير ليس فقط طبيعة المهام، بل هيكل العمل نفسه، كما أنه ينتشر بسرعة تاريخية غير مسبوقة.
مسارات متنوعة نحو النجاح
لا تسلك آسيا مساراً واحداً في تحولها القائم على الذكاء الاصطناعي. فبعض الاقتصادات تتبنى انتشاراً واسعاً ودمجاً عميقاً لهذه التكنولوجيا، بينما تركز اقتصادات أخرى على إدماجها في الأنظمة الأساسية بطريقة تقوم على الثقة. وتعمل اقتصادات أخرى على بناء الزخم من خلال القطاعات ذات الأولوية، والبنية التحتية الرقمية، والانتشار الانتقائي للقدرات.
الجدول 1: ثلاثة مسارات لتبني الذكاء الاصطناعي في آسيا
| المتوسعون على نطاق واسع | المتبنون المتدرجون | المتبنون وفق أولويات القطاعات | |
|---|---|---|---|
| الخصائص | – دمج الذكاء الاصطناعي على مستوى النظام بأكمله – التطوير المتوازي للعمليات والمعايير والحوكمة – تبنٍّ تكراري قائم على بناء القدرات والتعلم | – تبنٍّ منظم وعلى مراحل – التركيز على الموثوقية والسلامة والحوكمة – تجارب منضبطة وتوسّع تدريجي | – نشر الذكاء الاصطناعي في القطاعات ذات الأولوية – حل المشكلات انطلاقاً من حالات الاستخدام – تفاوت في عمق التبني، مع تقدم أسرع في المجالات ذات القيمة المرتفعة |
الصين
يسهم توجه الصين نحو تحقيق تنمية عالية الجودة في تسريع تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، مع انتقال المبادرات بسرعة من مرحلة الاختبار إلى مرحلة التطبيق. وقد حظي هذا النمو بدعم من نهج حوكمة قائم على المنصات، ينسق التوجهات الاستراتيجية والمعايير التقنية والمشروعات التجريبية والبنية التحتية المشتركة. وأسفر ذلك عن مزيج مميز يجمع بين التوسع المدعوم بالسياسات، والعمق الصناعي، وديناميكية المستهلكين، وهي عناصر تتقدم جميعها بصورة متوازية.
وبعد انتقالها من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، أصبحت الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي مدعومة بأحدث خطة خمسية، وهي الخطة الخمسية الخامسة عشرة للفترة 2026–2030. كما تعطي الحكومة المركزية الأولوية للمبادرة الوطنية «الذكاء الاصطناعي+» بهدف تعزيز انتشار الذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء المجتمع.
تجاوز حجم الصناعة الأساسية للذكاء الاصطناعي في الصين 1.2 تريليون يوان صيني، أي ما يعادل 174 مليار دولار، خلال عام 2025، وضم القطاع أكثر من 6,200 شركة. وبحلول عام 2030، يُتوقع أن يتجاوز حجم الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في البلاد 10 تريليونات يوان صيني، في إشارة واضحة إلى التحول من «الرقمنة» إلى «إضفاء الطابع الذكي» باعتباره ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.
وأصبح تبني الذكاء الاصطناعي واضحاً بالفعل في القطاعات الرئيسية، مع الانتقال من التركيز السابق على ابتكار النماذج إلى ذكاء عميق يتمحور حول الصناعات الأساسية.
ففي قطاع التصنيع، كانت أكثر من 30% من المؤسسات الصناعية التي تتجاوز الحجم المحدد، أي الشركات التي تبلغ إيراداتها السنوية 20 مليون يوان صيني أو أكثر، قد نشرت تقنيات الذكاء الاصطناعي بحلول نهاية عام 2025.
وفي قطاع الطاقة، يُستخدم نموذج صناعي تأسيسي يضم 100 مليار معلمة لفحص شبكات الكهرباء وتشخيص الأعطال، وقد تجاوز عدد مرات استخدامه التراكمي 10 ملايين مرة.
أما في قطاع الرعاية الصحية، فتُعد تقنيات التصوير الطبي، وخدمات العيادات الخارجية الذكية، ودعم القرارات السريرية، التطبيقات الثلاثة الأكثر استخداماً في المستشفيات.
وتتوسع قاعدة مستخدمي الذكاء الاصطناعي في الصين بسرعة استثنائية أيضاً. فبحلول يونيو 2025، بلغ عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي 515 مليون شخص، أي ما يعادل 36.5% من إجمالي مستخدمي الإنترنت في البلاد.
ومن المتوقع أن تنمو تطبيقات وكلاء الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الصينية بمعدل سنوي يبلغ 135% خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو معدل يُتوقع أن يتصدر النمو العالمي.
اليابان
تُظهر اليابان خصائص مسار متدرج وموجّه نحو ضمان موثوقية الذكاء الاصطناعي. ومع بلوغ نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر 29.3%، تخلق ضغوط الشيخوخة السكانية حوافز قوية لزيادة الإنتاجية مع الحفاظ على موثوقية الأنظمة. وينعكس هذا المنطق في السياسات الوطنية، بدءاً من مفهوم «المجتمع 5.0» وصولاً إلى خطة الأولويات لعام 2025 للنهوض بالمجتمع الرقمي.
وبحلول عام 2025، لم يكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُستخدم سوى من جانب 26.7% من المواطنين، كما أن أقل من نصف الشركات كانت قد وضعت سياسات رسمية لتبنيه.
ولا تشير هذه الأرقام إلى غياب الطموح، بل إلى اتباع نهج مدروس يمنح وزناً أكبر للموثوقية والثقة المؤسسية. ويركز هذا النهج على تبني الذكاء الاصطناعي في قطاعات التصنيع والرعاية الصحية والإدارة العامة، حيث يسهم في تعزيز القدرة البشرية على إصدار الأحكام بدلاً من الاكتفاء بتعظيم الأتمتة.
سنغافورة
تضع سنغافورة الحوكمة في موقع المحفز لتبني الذكاء الاصطناعي بصورة موثوقة، إذ تجمع بين توجه قوي نحو التحول بالذكاء الاصطناعي وأطر طوعية ومرنة، مثل الإطار النموذجي لحوكمة الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء.
ويظهر الزخم بوضوح، إذ تُبدي 67% من الشركات السنغافورية استعداداً أكبر للاستثمار في الذكاء الاصطناعي مقارنة بنظيراتها عالمياً، التي تبلغ نسبتها 41%. كما تستخدم 43% من الشركات السنغافورية الذكاء الاصطناعي للمنافسة خارج نطاق قطاعاتها، وهي نسبة تزيد على ضعف المتوسط العالمي البالغ 20%.
ولا تقل الحاجة إلى المواهب إلحاحاً. إذ تهدف سنغافورة إلى مضاعفة عدد المتخصصين في الذكاء الاصطناعي ثلاث مرات ليصل إلى 15,000 متخصص بحلول عام 2028، إلى جانب تدريب 10,000 طالب في مجالات الذكاء الاصطناعي المادي والروبوتات.
ومع بلوغ نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر نحو واحد من كل خمسة أشخاص، يسهم الذكاء الاصطناعي والروبوتات أيضاً في الحد من تأثير القيود المرتبطة بنقص العمالة.
الهند
تُظهر الهند خصائص مسار قائم على إعطاء الأولوية للقطاعات والاستفادة من الفرص، حيث يدفع الزخم كل من البنية التحتية الرقمية العامة، وتبني رواد الأعمال للتكنولوجيا، ودعم السياسات الحكومية.
وتوفر «مهمة الهند للذكاء الاصطناعي»، التي أُقرت في عام 2024 بميزانية تتجاوز 10,300 كرور روبية، أي ما يعادل 1.25 مليار دولار، بنية وطنية منسقة لتطوير الذكاء الاصطناعي.
وتتقدم التطبيقات القطاعية في مجالات الزراعة والرعاية الصحية والحوكمة، مع إدماج الشمول اللغوي منذ البداية. إذ تدعم منصة «باشيني» 20 لغة هندية، وقد تجاوز عدد مرات تنزيلها مليون مرة.
كما تمتلك الهند قاعدة قوية من المواهب، إذ تحتل المرتبة الأولى عالمياً في انتشار مهارات الذكاء الاصطناعي، فيما ارتفع تركّز المواهب المتخصصة في هذا المجال بنسبة 263% منذ عام 2016.
والأهم من ذلك أن توسيع نطاق نشر الذكاء الاصطناعي يتم من خلال البنية التحتية الرقمية العامة القائمة بالفعل. فمنصات مثل «آدهار» و«واجهة المدفوعات الموحدة» تصل حالياً إلى 97% من سكان الهند البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة.
ولا ينبغي النظر إلى هذه المسارات باعتبارها تصنيفات ثابتة للدول، أو ترتيباً لمستويات النضج، أو أحكاماً على جودة التحول. فهي توضح أن التحول القائم على الذكاء الاصطناعي لا يتبع نموذجاً واحداً، لكنها تلتقي جميعاً عند السؤال نفسه: هل يستطيع الأفراد والمؤسسات والمنظومات والجهات المؤسسية التكيف بالسرعة الكافية لكي يتحول نشر الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مستدامة؟
2. مخاطر النشر قبل التصميم
تتمتع آسيا بموقع يؤهلها لتولي الريادة في تطوير الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي. ومع ذلك، فإن النظام البشري، الذي تحدده كيفية وضع التوجهات، وممارسة القدرة على إصدار الأحكام، وتحمل المسؤولية، يتطور بوتيرة أبطأ نسبياً.
ومن بين المؤسسات التي شملها الاستطلاع في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، أفادت 20% فقط بأنها أعادت تصميم عملياتها الشاملة من البداية إلى النهاية حول الذكاء الاصطناعي، مقارنة بنسبة 23% في أمريكا الشمالية و22% في أوروبا. وفي الوقت نفسه، لم تُجرِ سوى 8% من المؤسسات تعديلات مقابلة على الأدوار الوظيفية أو مسؤوليات اتخاذ القرار.
داخل المؤسسات، تتسم هذه الفجوة بطابع هيكلي. إذ يجري نشر الذكاء الاصطناعي من خلال تدخلات تدريجية ومحلية، مثل إضافة أداة جديدة هنا أو أتمتة خطوة هناك. ومن السهل اتخاذ هذه القرارات، لأنها تتطلب قدراً محدوداً من التنسيق وتحقق نتائج سريعة.
وفي المقابل، تتطلب إعادة تصميم الاستراتيجية والعمليات والأدوار وهياكل المسؤولية تغييراً منسقاً يشمل المؤسسة بأكملها. كما تتجاوز هذه العملية الحواجز بين الإدارات، وتتحدى هياكل السلطة القائمة، وتحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها.
ولذلك، تميل الأنظمة التنظيمية إلى تفضيل نشر التكنولوجيا على إعادة التصميم، ما يؤدي إلى تراكم القدرات التقنية بسرعة تفوق سرعة تطور البنية البشرية اللازمة لاستيعابها والتكيف معها.
وعلى مستوى المنظومات، تتضاعف آثار الديناميكية نفسها. فمع انتقال القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بين الموردين والمنصات والعملاء والجهات التنظيمية، يصبح خلق القيمة قائماً على الترابط والاعتماد المتبادل. غير أن التنسيق لا ينشأ تلقائياً.
وتتكرر ثلاثة مصادر للاحتكاك تعيق التحول على مستوى النظام بأكمله، وهي عدم توافق الأهداف، وعدم وضوح المسؤولية عبر الحدود التنظيمية، وتفاوت القدرات بين الجهات الفاعلة. وتظهر هذه التحديات بصورة أوضح في الشبكات الصناعية الآسيوية شديدة الترابط.
وعلى مستوى الدول والمناطق، يؤدي نشر الذكاء الاصطناعي قبل تصميم الأطر اللازمة له إلى ظهور فجوة مميزة أيضاً. ففي حين تتقدم قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعة، غالباً ما تعجز الأطر المؤسسية، والتنسيق التنظيمي، وآليات الحوكمة عبر مختلف الاختصاصات القضائية عن التطور بالوتيرة نفسها.
وقد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تعميق هذه الاختلافات بدلاً من معالجتها.
الركائز على مستوى المؤسسة
داخل المؤسسات، تظهر القيمة الحقيقية عندما يتقدم الإنسان والتكنولوجيا معاً، وهو ما يستلزم إعادة تصميم الأدوار البشرية.
ويتطلب نجاح عملية إعادة التصميم أربع ركائز مترابطة: إعادة ضبط الاستراتيجية، وإعادة تصميم العمليات، وإعادة تصور الأدوار، وإعادة تشكيل القدرات.
إعادة ضبط الاستراتيجية استناداً إلى القيمة طويلة الأجل
بصرف النظر عن النماذج التي تختار المؤسسة تبنيها، تظل الاستراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي مرتبطة بما تسعى المؤسسة إلى تحقيقه: ما القرارات الأكثر أهمية؟ وما النتائج التي تبرر إعادة التصميم؟ وما الأمور التي لا ترغب المؤسسة في التضحية بها سعياً إلى تحقيق الكفاءة؟
| الأدوار البشرية الاستراتيجية | ما الذي يتغير عملياً؟ |
|---|---|
| تحديد أولويات القيمة من الذكاء الاصطناعي | يرتبط نشر الذكاء الاصطناعي بقرارات محددة واختناقات واضحة في الأداء، بدلاً من توزيعه بصورة انتهازية وغير منسقة بين مختلف الوظائف. |
| تخصيص الاستثمار وفقاً للقيمة طويلة الأجل | تتجه الاستثمارات بصورة متزايدة نحو تعزيز المرونة، وجودة القرارات، وقدرة القوى العاملة على التكيف، وليس نحو مكاسب الكفاءة قصيرة الأجل فقط. |
| اعتبار انتقال القوى العاملة قضية استراتيجية | يُنظر إلى إعادة تصميم الأدوار واحتياجات القدرات باعتبارهما جزءاً من التحول في نموذج الأعمال، بدلاً من تركهما للظهور بعد نشر التكنولوجيا. |
ويتمثل نمط الفشل في الانحراف الاستراتيجي، أي توسع الذكاء الاصطناعي أفقياً عبر الوظائف من دون تصور متماسك لكيفية إسهامه في تحقيق غاية المؤسسة.
ويتطلب عكس هذا المسار أن يطرح القادة بصورة دورية سؤالاً أساسياً: هل تعكس محفظة الذكاء الاصطناعي اختيارات بشرية مدروسة، أم أنها مجرد نتيجة لتراكم قرارات نشر منفصلة؟
الحالة 1
KingMed Diagnostics: تنفيذ الاستراتيجية من خلال المواءمة التنظيمية
تعمل شركة KingMed Diagnostics على تطوير استخدام الذكاء الاصطناعي من خلال توجيهات القيادة ومبادرات الموظفين معاً. وقد نشرت أكثر من 100 وكيل للذكاء الاصطناعي في سيناريوهات تشغيلية أساسية تشمل الفحوصات المخبرية، والخدمات السريرية، والإدارة، والتعاون البحثي.
وبدعم من تبني الإدارة لهذه التكنولوجيا، يساند الذكاء الاصطناعي تحليل الأعمال بما يتيح اتخاذ قرارات مستندة إلى البيانات وتحسين جودتها.
أما بالنسبة إلى أطباء المختبرات العاملين في الخطوط الأمامية، فتقلل وكلاء الذكاء الاصطناعي من المهام المتكررة من خلال تقديم دعم منسق وشامل وقابل للتفسير، بينما يحتفظ الخبراء البشريون بسلطة اتخاذ القرار النهائي استناداً إلى الأدلة الطبية.
وتسهم هذه الجهود في مواءمة القوى العاملة مع استراتيجية الشركة الهادفة إلى تقديم خدمات تشخيص طبي مدعومة بالبيانات والذكاء الاصطناعي.
الحالة 2
Kingdee: دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء المؤسسة
غيّرت شركة Kingdee علامتها التجارية من «Kingdee Cloud» إلى «Kingdee AI» في عام 2025، في إشارة إلى تحولها الكامل إلى شركة للذكاء الاصطناعي المتخصص في إدارة المؤسسات.
ولدمج الذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء المؤسسة، قيّمت الشركة مستوى انتشاره في كل وحدة أعمال، وشجعت استخدام أدواته في البحث والتطوير وتسليم الحلول، وأنشأت لجنة للابتكار في الذكاء الاصطناعي، وقدمت حوافز مثل جوائز التحول وبرامج دعم قائمة على الرموز الرقمية.
وفي عام 2025، شكّلت الشيفرات البرمجية التي أنشأها الذكاء الاصطناعي 41% من الشيفرات الجديدة، ووصلت النسبة إلى 100% في بعض حالات الاستخدام.
كما تقلصت دورة البحث والتطوير وتسليم الحلول بنسبة 21%، متفوقة بدرجة كبيرة على متوسطات القطاع.
إعادة تصميم العمليات الشاملة مع إدماج القدرة البشرية على إصدار الأحكام منذ مرحلة التصميم
مع انتقال الذكاء الاصطناعي من المساعدة إلى التنسيق والتنفيذ، تتحول العمليات من مسارات خطية قائمة على الوظائف إلى عمليات مستمرة على مستوى النظام بأكمله. فلم تعد المهام تُنجز داخل الإدارات بصورة منفصلة، بل يجري تنسيقها بين الوظائف المختلفة في الوقت الفعلي.
| الأدوار البشرية الاستراتيجية | ما الذي يتغير عملياً؟ |
|---|---|
| إعادة بناء مسارات العمل باعتبارها أنظمة ذات حلقة مغلقة | تصبح عمليات الاستشعار واتخاذ القرار والتنفيذ والتعلم مترابطة بصورة مستمرة، لتحل محل عمليات التسليم المتتابعة والمجزأة. |
| نقل التنسيق من التسلسل الهرمي إلى التنسيق التشغيلي | يحل التنسيق المدعوم بالذكاء الاصطناعي بين الوظائف محل التصعيد اليدوي، مع توفير واجهات أوضح لاتخاذ القرارات في الوقت الفعلي. |
| إعادة التصميم على أساس ملكية النتائج، لا مجرد إتمام المهام | تُقاس العمليات وفقاً للنتائج الشاملة، مثل أداء الخدمات، ومدة دورة العمل، والجودة، بدلاً من قياس إنجاز المهام المنفصلة فقط. |
| إدماج الحكم البشري والتصعيد والتعلم بصورة مدروسة | يتركز التدخل البشري على وضع القيود، والتدخل في الحالات ذات التأثير الكبير، وتحسين النظام بمرور الوقت. |
ويتمثل أهم خيار في عملية التصميم في بنية إصدار الأحكام، أي التحديد الصريح والمسبق للمواضع التي تتطلب حكماً بشرياً، والمعلومات اللازمة لممارسته، وطبيعة سلطة إلغاء قرارات النظام أو تجاوزها، وكيفية استخدام نتائج الحكم البشري لتحسين النظام.
ومن دون هذه البنية، يصبح الحكم البشري تدخلاً تفاعلياً لا يحدث إلا عندما يلاحظ شخص ما وجود خطأ، بدلاً من أن يكون جزءاً مطلوباً ومصمماً مسبقاً داخل العملية.
الحالة 3
Fujitsu: تحقيق إنتاجية أعلى بخمس مرات من خلال تنسيق الذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان
تعاونت شركة Fujitsu مع شركة كبرى لتصنيع الإلكترونيات من أجل تحويل مسار إدارة المخزون العالمي لديها، وذلك من خلال نشر وكلاء ذكاء اصطناعي منسقين يعملون بالاعتماد على بيانات مؤسسية متكاملة وتحت إشراف بشري.
في السابق، كان الموظفون يحسبون يدوياً كميات إعادة طلب المكونات. أما الآن، فتقترح وكلاء متخصصة في المشتريات والمخزون والإنتاج والمبيعات إجراءات للحد من مخاطر نفاد المخزون التي يجري تحديدها من خلال منطق قائم على القواعد.
ثم يختار وكيل تنسيق الخيار الأفضل وينفذه عبر إعادة إدخال البيانات في الأنظمة المصدر، ما لم يتجاوز الإجراء حداً للتكلفة يحدده المستخدم، وعندها يصبح خاضعاً للمراجعة البشرية.
وفي إطار جهود أوسع لتحويل القوى العاملة، أُعيد ضبط احتياجات التوظيف من 1,500 إلى 300 موظف بدوام كامل، بما يدعم التخطيط الاستباقي للتقاعد في ظل شيخوخة القوى العاملة.
الحالة 4
Dmall: إعادة بناء مسارات عمل ذات حلقات مغلقة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي
يواجه تجار التجزئة تعقيداً متزايداً يتجاوز قدرات اتخاذ القرار البشري، مع تشتت البيانات في المقرات الرئيسية، واعتماد القرارات التجارية على الخبرة الشخصية، وتحمل فرق المتاجر أعباء عمل كبيرة.
وتعيد شركة Dmall بناء العمليات باعتبارها مسارات عمل ذات حلقات مغلقة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتمحور حول مركز التحكم D-BRAIN.
ويحوّل النظام أهداف الأعمال إلى إجراءات منسقة تشمل التنبؤ، والتسعير، وتجديد المخزون، واكتشاف الحالات غير الطبيعية.
وينتقل البشر من التنفيذ اليدوي إلى الإشراف الذكي، من خلال وضع الأهداف وإدارة الحالات الاستثنائية.
ويحوّل هذا النهج الخبرات الفردية إلى قدرات قابلة للتوسع، محققاً نسبة تبنٍّ للذكاء الاصطناعي تتجاوز 92% في عمليات تجديد المخزون، ونسبة توافر للمنتجات تتجاوز 99%، وانخفاضاً بنحو 30% في الهدر وتكاليف العمالة.
الحالة 5
شبكة كهرباء جنوب الصين: قيادة بشرية للتحكم في تدفقات نقل الكهرباء
نشرت شبكة كهرباء جنوب الصين نظاماً للذكاء الاصطناعي للتحكم في تدفقات نقل الكهرباء في ظل التزايد المستمر للتقلبات المرتبطة بالطاقة المتجددة.
ويربط مسار عمل ذو حلقة مغلقة بين توليد الاستراتيجيات بواسطة الذكاء الاصطناعي، والتحقق منها من خلال المحاكاة، واتخاذ القرار البشري، والتعلم من التغذية الراجعة، بما يتيح تحسين الأداء بصورة مستمرة.
وتُدمج خبرات المشغلين داخل النظام من خلال تصميم آليات المكافأة وطبقة أمان تفرض القيود التشغيلية في الوقت الفعلي.
ويُحتفظ بالتدخل البشري للحالات الخارجة عن نطاق البيانات المعتادة أو للسيناريوهات عالية المخاطر، وذلك استناداً إلى حدود محددة مسبقاً لتولي التحكم وبروتوكولات واضحة للتصعيد.
ويقلل هذا النهج زمن اتخاذ القرار من دقائق إلى ثوانٍ، ويخفض مخاطر الأحمال الزائدة بنحو 90%، ويدعم العمليات اليومية في مركز التحكم بمنطقة قوانغشي.
إعادة تصور الأدوار داخل نظام تشغيل يجمع بين الإنسان والذكاء الاصطناعي
يغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة ما يفعله الأشخاص بسرعة تفوق سرعة تغيير المؤسسات لمسؤولياتهم. وفي الفجوة بين الأمرين، تتشتت المسؤولية على مستوى المؤسسة.
ولا يمكن للتدريب وحده سد هذه الفجوة. بل يتطلب ذلك إعادة تصميم الأدوار، وسلطات اتخاذ القرار، وهياكل المسؤولية، وملكية الأداء، بحيث تصبح القوى العاملة هي البنية التي تستند إليها المؤسسة في ضمان المساءلة.
| الأدوار البشرية الاستراتيجية | ما الذي يتغير عملياً؟ |
|---|---|
| إعادة تنظيم العمل حول التنسيق التشغيلي | تصبح الهياكل التنظيمية أكثر تسطحاً، ويتولى البشر التنسيق بين الفرق ووكلاء الذكاء الاصطناعي وتوجيه العمل بدلاً من تنفيذه بأنفسهم. |
| إعادة تعريف الأدوار حول إصدار الأحكام وإدارة الاستثناءات | يحل تفسير السياق، ومعالجة الغموض، وتحسين الأنظمة محل التنفيذ الروتيني. |
| إعادة توزيع سلطة اتخاذ القرار | توضح المؤسسة بصورة صريحة من يتخذ القرار، ومن يراجعه، وما القرارات التي يمكن تفويضها إلى الذكاء الاصطناعي. |
| إعادة ضبط المساءلة وملكية الأداء | يُقاس النجاح وفقاً لجودة النتائج المشتركة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي وموثوقيتها، مع تحديد واضح للمسؤول عن الموافقة النهائية والتدخل. |
وينتقل البشر من إنجاز المهام إلى توجيه الأنظمة، من خلال تنسيق الفرق ووكلاء الذكاء الاصطناعي باعتبارهم قوة عمل متكاملة، وتحديد أهداف الوكلاء، ومراقبة مخرجاتهم، والتدخل عند الحاجة.
ولتحويل ذلك إلى واقع، يجب أن تتغير أنظمة الأداء بدورها. فإعادة مواءمة مؤشرات الأداء الرئيسية، من قياس إنجاز الفرد للمهام إلى قياس نتائج التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، هي التي تجعل المسؤولية حقيقية وقابلة للممارسة.
الحالة 6
Yum China: إعادة تعريف أدوار مديري الخطوط الأمامية
تستفيد شركة Yum China من الذكاء الاصطناعي لتحويل الإدارة في الخطوط الأمامية وفتح مسارات مهنية جديدة أمام مديري المتاجر.
وتجري أتمتة المهام الروتينية، مثل جدولة العمالة، وإدارة المخزون، والتنبؤ بالطلب، بما يتيح للمديرين التركيز على تجربة العملاء وتطوير الفرق.
ويراجع المديرون توصيات الذكاء الاصطناعي، لينتقل دورهم من التنفيذ إلى إصدار الأحكام.
كما تتولى منصات مركزية للذكاء الاصطناعي مهام التوظيف والرد على استفسارات العملاء. ويشارك بعض موظفي الخطوط الأمامية في تدريب هذه الأنظمة أو ينتقلون إلى أدوار متخصصة.
ونتيجة لذلك، تحسن معدل دوران المديرين العامين من 9.7% إلى 7.8%، وأصبحت عمليات التوظيف المركزية تلبي أكثر من 90% من احتياجات التعيين، فيما تعالج روبوتات المحادثة ما يصل إلى 90% من 150,000 استفسار يومي للعملاء.
الحالة 7
Motovis: تمكين الموظفين من خلال نظام تشغيل موحد
أعادت شركة Motovis هيكلة نموذجها التشغيلي ليصبح «نظام تشغيل موحداً بين الإنسان والذكاء الاصطناعي»، يحدد بوضوح المسؤوليات المشتركة بين البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي.
وتنفذ الوكلاء مهام تشغيلية كثيفة البيانات، ويجري تتبع أدائها من خلال مؤشرات أداء رئيسية واضحة ومتوافقة مع أهداف الأعمال، بينما يعمل الموظفون بوصفهم منسقين يركزون على المواءمة الاستراتيجية من خلال الأهداف والنتائج الرئيسية.
وتتيح آلية قائمة على وجود الإنسان ضمن حلقة اتخاذ القرار للموظفين تعديل أداء الوكلاء عندما ينحرفون عن أهداف المؤسسة.
ويحوّل هذا النهج القوى العاملة من منفذين للمهام إلى مشرفين ذوي قيمة مرتفعة، ما أدى إلى تحسين إنتاجية القوى العاملة بنسبة 22%، وزيادة دقة تنفيذ الوكلاء بنسبة 25%، وإتاحة وقت إضافي للموظفين بنسبة 55% للتركيز على المهام الاستراتيجية.
الحالة 8
Animoca Brands: تطوير العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي باستخدام الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء
تتبنى شركة Animoca Brands أطر عمل أكثر مرونة وخضوعاً للحوكمة لتوسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يمكّن الفرق الصغيرة المدعومة بوكلاء منسقين من تنفيذ أعمال كانت تتطلب سابقاً مجموعات أكبر أو موارد متخصصة.
ويسهم ذلك في خفض تكاليف الإبداع، وإعداد النماذج الأولية، والاختبار.
ومع استخدام نحو 90% من الموظفين أدوات الذكاء الاصطناعي يومياً في مسارات العمل على مستوى الشركة، يعيد الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء صياغة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.
فتركز القيادة بدرجة أقل على الإشراف على العمليات اليدوية، وبدرجة أكبر على تحديد التوجهات، ووضع القيود، وتوزيع المسؤوليات، وضمان المساءلة.
ومع وجود حوكمة مناسبة، يصبح التنفيذ أسهل وأسرع وأكثر توزيعاً بين الفرق.
إعادة تشكيل القدرات من خلال تحسين المهارات، وإعادة التأهيل، والتعلم المدمج
بعد إعادة تصميم الأدوار، يتحول تحدي القوى العاملة إلى مسألة انتقال. ولا ينبغي اختزال هذا الانتقال في دورات تدريبية منفصلة تُقدم لمرة واحدة.
فبعض العاملين يحتاجون إلى تعميق خبراتهم الحالية من خلال تحسين المهارات المدعوم بالذكاء الاصطناعي. ويحتاج آخرون إلى إعادة التأهيل مع تراجع المهام الروتينية وارتفاع الطلب على إصدار الأحكام والتنسيق والإشراف.
ويتمثل تحدٍّ آخر في استمرارية المعرفة. فمع تغير الأدوار، تحتاج المؤسسات إلى التقاط المعرفة الضمنية لدى العاملين ذوي الخبرة قبل فقدانها.
وإلا فقد تعمل الشركات على أتمتة أجزاء من النظام، بينما تتسبب في الوقت نفسه في إضعاف الخبرة العملية اللازمة لإدارة الحالات الاستثنائية، والحفاظ على المرونة، وتدريب الجيل التالي من المواهب.
| الأدوار البشرية الاستراتيجية | ما الذي يتغير عملياً؟ |
|---|---|
| تحسين المهارات بما يتناسب مع الأدوار المعاد تصميمها | ينتقل تطوير القدرات إلى مسارات العمل اليومية، ويصبح مدمجاً في المهام التشغيلية بدلاً من اقتصاره على برامج منفصلة. |
| إعادة التأهيل وإعادة توزيع العاملين مع تغير طبيعة العمل | تُحوّل معرفة الخبراء والعاملين في الخطوط الأمامية إلى إرشادات قابلة لإعادة الاستخدام ودعم لمسارات العمل يمكن تطبيقه على نطاق أوسع. |
| دمج التعلم في السياقات التشغيلية | يعتمد تطوير القوى العاملة على الأداء التشغيلي والتغذية الراجعة من أنظمة الذكاء الاصطناعي، ويتطور بالتوازي مع عملية النشر. |
| الحفاظ على المعرفة المؤسسية ونقلها | يجري التقاط الخبرات الضمنية وتنظيمها في مسارات تعلم قبل فقدانها نتيجة تغير الأدوار. |
| تحديث قدرات القوى العاملة بصورة مستمرة | تتغير أولويات التعلم وفقاً للأدلة التشغيلية، وأنماط الفشل الجديدة، والحدود المتغيرة لاستقلالية الأنظمة. |
ولذلك، لا يمثل انتقال القوى العاملة جانباً مكملاً لعملية النشر، بل يُعد أحد الشروط التي تجعل إعادة تصميم الأدوار تحولاً دائماً وليس مجرد تغيير شكلي.
والمؤسسات التي تدمج التعلم في مسارات العمل، وتحافظ على المعرفة المؤسسية، وتعيد ضبط قدراتها باستمرار استناداً إلى الأداء الفعلي للأنظمة، هي وحدها التي ستتمكن من تعزيز الأدوار البشرية بمرور الوقت بدلاً من تآكلها.
الحالة 9
Squirrel Ai Learning: ضمان استمرارية التدريس وتنمية المواهب
يعتمد التعليم التقليدي على المعلمين في تقديم المحتوى ونقل المعرفة الضمنية، وهو ما يحد من إمكانية التوسع ويجعل الاحتفاظ بالمعرفة أو نقلها أمراً صعباً.
وتعالج شركة Squirrel Ai هذه المشكلة من خلال تنظيم البيانات المستمدة من مليارات السلوكيات التعليمية للطلاب، وتحويل المعرفة الضمنية لدى المعلمين، مثل فهم تقدم الطلاب وأنماط تعلمهم، إلى مسارات تعلم قابلة لإعادة الاستخدام.
ويتيح ذلك الحفاظ على استمرارية المعرفة بين المعلمين، وتقديم إرشاد قائم على البيانات على نطاق واسع.
وتصل خدمات Squirrel Ai حالياً إلى أكثر من 50 مليون مستخدم عبر أكثر من 3,000 مركز تعليمي و60,000 مدرسة.
الحالة 10
Contemporary Amperex Technology، المعروفة اختصاراً باسم CATL: تنمية المواهب بدعم الذكاء الاصطناعي
يتبع كل موظف في شركة CATL مساراً مخصصاً للتطوير المهني، يتضمن مسارات واضحة للتقدم التقني والإداري.
ويتحقق ذلك من خلال تحسين مستمر للمهارات مدمج في نموذج التشغيل، إذ تقدم الشركة أكثر من 42,000 دورة تدريبية مهنية سنوياً في مجالات تشمل الكيمياء الكهربائية، والإحصاء الهندسي، وغيرها، بإجمالي حضور بلغ 9.93 مليون مشاركة.
ولتسريع بناء القدرات بدرجة أكبر، يجري دمج الذكاء الاصطناعي في مسارات العمل اليومية، ما أدى إلى زيادة كفاءة العمل بنسبة 50% وإتاحة ابتكار أسرع وأكثر عمقاً.
الحالة 11
Biaopu Cloud Technology، المعروفة اختصاراً باسم BPai: تحويل الخبرة البشرية إلى أصول رقمية مشتركة
بفضل تقنيات BPai، أنشأت إحدى شركات حماية البيئة نظام إدارة مدعوماً بالذكاء الاصطناعي يحوّل الخبرات البشرية إلى أصول رقمية مشتركة.
ويدمج مركز الذكاء الاصطناعي التابع لها وكلاء في مجالات الصحة والسلامة والبيئة، وتدريب الموظفين، وعمليات الإنتاج.
كما أسهمت تطبيقات أخرى في تحويل تركيز الموظفين من مراقبة المهام إلى اتخاذ قرارات ذات قيمة أعلى.
ونتيجة لذلك، تحسنت الكفاءة التشغيلية بنسبة 50%، وارتفعت كفاءة معالجة الوثائق بأكثر من 80%.
الآليات على مستوى المنظومة
بمجرد انتقال القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر حدود المؤسسات، يصبح توسيع نطاق استخدامه مسألة تتعلق بالمواءمة. فلا تستطيع أي جهة فاعلة منفردة في سلسلة القيمة تحديد التوجه للمنظومة بأكملها، أو اتخاذ قرارات تتجاوز حدودها، أو تحمّل المسؤولية عن عواقب لا تسيطر عليها بصورة كاملة.
وتتمحور الأدوار البشرية على هذا المستوى حول ثلاث آليات: مواءمة بنية القيمة واتخاذ القرار، وبناء بنية تحتية مشتركة للثقة، وتنسيق انتقال القوى العاملة على مستوى المنظومة.
مواءمة بنية القيمة واتخاذ القرار عبر سلاسل القيمة
تُعد مواءمة القيمة والقرارات أكثر صعوبة من تحقيق قابلية التشغيل التقني البيني. فالقادة البشريون للمؤسسات يدخلون سلاسل قيمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي وهم يحملون أولويات مختلفة للتحسين، مثل خفض التكاليف، أو تعزيز المرونة، أو تحسين جودة الخدمات، أو التحكم في المخاطر.
ومن دون تعريفات مشتركة للقيمة توضح ما يحاول النظام تحقيقه، لا تتحول المكاسب المحلية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى قيمة على مستوى النظام بأكمله. كما يصبح من غير الممكن تحديد التوجه بصورة متسقة عبر سلسلة القيمة، ولا يجد الحكم البشري مرجعاً ثابتاً يستند إليه عند التدخل.
ولذلك، تتمثل المهمة البشرية في إيجاد قدر كافٍ من التوافق حول الأهداف، وواجهات اتخاذ القرار، وحدود التدخل، بما يسمح للقرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالانتقال بصورة متماسكة عبر حدود المؤسسات.
| الأدوار البشرية الاستراتيجية | ما الذي يتغير عملياً؟ |
|---|---|
| وضع تعريفات مشتركة للقيمة | تتوافق الجهات الفاعلة حول نتائج على مستوى النظام، مثل المرونة والجودة والسلامة، بدلاً من التركيز على الكفاءة المحلية وحدها. |
| توضيح واجهات اتخاذ القرار | تحدد سلسلة القيمة المواضع التي تنتقل فيها القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والحالات التي تتطلب مراجعة بشرية، وكيفية التدخل عبر حدود المؤسسات. |
| تنسيق إعادة التصميم بما يتجاوز المؤسسة القائدة | تستخدم الجهات القائدة المعايير والاتفاقيات المتعلقة بالعمليات لمواءمة الأطراف المحيطة بها، بدلاً من تحسين أدائها بصورة منعزلة. |
ولا يتمثل العامل الحاسم هنا في تحقيق تطابق كامل بين الجهات الفاعلة، بل في بلوغ قدر كافٍ من التوافق حول أولويات القيمة وواجهات اتخاذ القرار، بحيث تتراكم التحسينات المحلية لتولّد قيمة على مستوى النظام بدلاً من خلق احتكاكات داخله.
الحالة 12
HONOR: مواءمة معايير القيمة عبر منظومة أجهزة الذكاء الاصطناعي
استناداً إلى «خطة ALPHA» واستراتيجية الذكاء البشري المعزز، تتحول شركة HONOR إلى شركة عالمية متخصصة في منظومة الأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتؤدي HONOR دوراً قيادياً في سلسلة القيمة، إذ تدفع نحو وضع المعايير وإعادة هيكلة العمليات من أجل تعزيز التعاون السلس بين مختلف الجهات.
ومن خلال مواءمة الموردين والمطورين وقنوات التوزيع حول قيم موحدة، مثل تقديم أفضل تجربة ممكنة للمستخدم والامتثال لمتطلبات الأمن، تقود HONOR تحولاً تعاونياً على مستوى المنظومة.
وتمكّن هذه المنظومة الموحدة بصورة مباشرة من تطوير ابتكارات مشتركة، مثل الهاتف الروبوتي القائم على التعاون بين الأجهزة الطرفية والسحابة، بما يسرّع تطبيق الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
بناء بنية تحتية مشتركة للثقة التشغيلية
عندما تعبر القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي حدود المؤسسات، تصبح ممارسة الحكم وتحمل المسؤولية أكثر صعوبة.
فمن دون قابلية التتبع، لا يستطيع الأشخاص إعادة بناء تسلسل ما حدث أو التدخل عندما لا ينبغي للنظام أن يواصل العمل. ومن دون آليات مشتركة للاستجابة للحوادث، تتلاشى المسؤولية عبر سلسلة القيمة، إذ يصبح الجميع مسؤولاً جزئياً من دون أن يكون أي طرف مسؤولاً بصورة كاملة.
وتتيح البنية التحتية المشتركة للثقة للأشخاص ممارسة هذه المسؤوليات عبر حدود المؤسسات. ويتطلب ذلك من المؤسسات القائدة، والجهات المنسقة للمنظومة، وهيئات وضع المعايير، والجهات التنظيمية، إنشاء ترتيبات عملية لقابلية التتبع، والاستجابة للحوادث، والتدخل، والتغذية الراجعة.
| الأدوار البشرية الاستراتيجية | ما الذي يتغير عملياً؟ |
|---|---|
| إنشاء قابلية للتتبع عبر المؤسسات | يصبح بإمكان الأشخاص إعادة بناء الكيفية التي وُلدت بها القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وانتقلت عبر السلسلة، وتم تنفيذها. |
| إنشاء استجابة مشتركة للحوادث عبر المؤسسات | تضع المؤسسات والهيئات القطاعية آليات مشتركة للإبلاغ عن الإخفاقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واحتوائها، ومعالجتها. |
| تحديد حدود مشتركة للتدخل البشري | تتفق الجهات المشاركة في المنظومة على الحالات التي تتطلب حكماً بشرياً، بما يجعل عمليات التصعيد متسقة بين المؤسسات. |
| استخدام التغذية الراجعة المشتركة لإعادة ضبط النظام | تُستخدم رؤى الأداء والدروس التشغيلية لتعديل حدود التدخل، ومسارات العمل، وقواعد التنسيق على مستوى المنظومة. |
وهذا هو ما يحوّل الثقة من طموح مجرد إلى شرط تشغيلي قابل للاستخدام، يتيح الحفاظ على الحكم البشري وتحمل المسؤولية، حتى عبر حدود لا تسيطر عليها أي جهة منفردة بصورة كاملة.
الحالة 13
JD Industrials: بناء منظومة بيانات موحدة لإدارة المنتجات
تستفيد شركة JD Industrials من نموذج JoyIndustrial اللغوي الكبير ومكتبة Mercator القياسية للمنتجات لبناء نظام رقمي موحد لمواصفات المنتجات وخوارزميات للتعرف على المنتجات المتطابقة.
ويؤسس ذلك منظومة موحدة للبيانات الصناعية تقلل التكرار وتكاليف المعاملات، مع توفير بيانات عالية الجودة للنماذج اللغوية الصناعية الكبيرة.
وتعمل منصة IndLens، وهي منصة لحوكمة البيانات تضم 27 وكيلاً، بوصفها الطبقة التنفيذية لهذه المنظومة، إذ تحول المعايير إلى ممارسات تشغيلية قابلة للتطبيق على نطاق واسع.
وقد قلّصت المنصة مدة المعالجة من عدة أشهر إلى ساعات، ورفعت الكفاءة بأكثر من عشرة أضعاف، وخفضت تكاليف العمالة بنسبة 80%، ما أتاح انتقال القوى العاملة نحو أنشطة ابتكارية ذات قيمة أعلى.
الحالة 14
Lenovo: التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي عبر سلسلة التوريد
تعمل شركة Lenovo على تحويل سلسلة توريدها العالمية من خلال iChain، وهو وكيل ذكاء اصطناعي بقيادة الإنسان يُستخدم في أكثر من 180 سوقاً.
ويستند iChain إلى نموذج قائم على الشخصيات الوظيفية وإشراك الإنسان في حلقة اتخاذ القرار، إذ يقدم الرؤى والتوصيات ضمن مسارات العمل اليومية، بينما يحتفظ البشر بالمسؤولية عن إصدار الأحكام والتنفيذ.
كما يتيح الوكيل التعلم على مستوى المنظومة من خلال جمع ملاحظات الشركاء المستمدة من العمليات، والحالات الاستثنائية، ونتائج التعاون، واستخدامها للتحسين المستمر لمنطق الذكاء الاصطناعي وقواعد التدخل البشري.
ويؤسس هذا النهج تعاوناً موثوقاً ومتطوراً بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، يدعم تحولاً قابلاً للتوسع وأكثر مرونة في سلسلة التوريد.
الحالة 15
Infosys China: بناء منظومة «China Stack»
تتعاون شركة Infosys China مع مزودي الحوسبة السحابية المحليين على نطاق واسع لبناء منظومة «China Stack»، من خلال دمج النماذج التأسيسية المحلية وأسراب الوكلاء داخل منصة Topaz، مع توفير طبقة مشتركة للذكاء الاصطناعي المسؤول.
وقد قدمت الشركة لإحدى المؤسسات الرائدة في مجال مواد العمليات حلاً شاملاً يجمع بين الاسترجاع الهجين، ونموذج لغوي كبير يعمل دون اتصال بالإنترنت داخل الصين، وإطار مشابه لمنصة LangChain، بهدف تحسين خدمة العملاء وخفض تكاليف التشغيل.
وساعدت المكونات القابلة لإعادة الاستخدام على تقليص الوقت اللازم لإطلاق مشاريع تجريبية متوافقة مع المتطلبات، وإنشاء مسار قابل للتكرار للانتقال من إثبات المفهوم إلى مرحلة الإنتاج، وتوسيع مجموعة حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي الجاهزة للاستخدام في الصين عبر المنظومة.
تنسيق انتقال القوى العاملة على مستوى المنظومة
لا تتحول المنظومات وفقاً لسرعة أقوى الجهات الفاعلة فيها، بل وفقاً لسرعة أضعف عقدة حاسمة فيها.
ويعني تنسيق انتقال القوى العاملة على مستوى المنظومة ضمان عدم بقاء القدرات اللازمة لممارسة الأدوار البشرية متركزة داخل المؤسسات القائدة، في حين يتخلف الموردون ومقدمو الخدمات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
فإذا اتسعت فجوات القدرات، يصبح توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي متفاوتاً من الناحية الهيكلية، وتصبح سلاسل القيمة هشة.
| الأدوار البشرية الاستراتيجية | ما الذي يتغير عملياً؟ |
|---|---|
| إنشاء آليات منظمة لنقل التعلم | تُوثق الدروس التشغيلية وتُشارك عبر المنظومة، بما يشمل الحالات التي كان فيها الحكم البشري ضرورياً وكيف تغيرت الأدوار. |
| تحديد أدوار الإنسان والذكاء الاصطناعي على المستوى القطاعي | تحوّل الجهات الفاعلة في القطاع مسارات العمل المعاد تصميمها إلى توقعات مشتركة للأدوار ومعايير مرجعية للقدرات. |
| إنشاء مسارات تدريب مشتركة وحاضنات قطاعية | يعمل أصحاب العمل والمؤسسات التعليمية والهيئات القطاعية على مواءمة التدريب مباشرة مع الاحتياجات التشغيلية الفعلية والأدوار الناشئة التي تجمع بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. |
| تمكين مشاركة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة | تحصل المؤسسات الأصغر حجماً على أدوات ومنصات ومعارف مشتركة ودعم لعملية الانتقال، بما يمكّنها من المشاركة في سلاسل القيمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. |
ويتطلب ذلك وضع توقعات معاد تصميمها للأدوار تكون مفهومة عبر سلسلة القيمة، وتوفير مسارات عملية تساعد الشركاء والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة على بناء القدرات، وإنشاء مؤسسات قطاعية تحول الخبرات التشغيلية المحلية إلى كفاءات أوسع على مستوى النظام.
الحالة 16
Schneider Electric: بناء منظومة ذكاء اصطناعي بقيادة الإنسان من خلال تنمية المواهب
اعتمد مصنع Schneider Electric في مدينة باتام الإندونيسية نهجاً مزدوج المسار لبناء منظومة ذكاء اصطناعي تقودها القدرات البشرية.
ومن خلال الشراكة مع 12 جامعة ومدرسة مهنية، تشارك الشركة في تطوير مناهج متوافقة مع احتياجات القطاع وبرامج تدريب عملي منظمة ضمن مبادرة «Schneider Class».
وعلى المستوى الداخلي، أسهمت معسكرات تدريب متخصصة في الذكاء الاصطناعي في تطوير مهارات العاملين في الوظائف الميدانية والمكتبية على حد سواء.
وسرّع هذا التكامل الاستعداد الرقمي ودعم نشر حلول صناعية متقدمة.
كما مكّنت المبادرة المؤسسات التعليمية من اعتماد مناهج متوافقة مع الذكاء الاصطناعي، ودربت أكثر من 1,000 طالب من خلال مشروعات صناعية، ونشرت أكثر من 50 حلاً داخلياً في مجالي الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، إلى جانب اعتماد ثمانية خبراء في الذكاء الاصطناعي لضمان استدامة الابتكار طويل الأجل على مستوى المنظومة.
العوامل التمكينية على مستوى الدول والمناطق
لا يستطيع صناع السياسات التحكم بصورة مباشرة في كيفية نشر المؤسسات للذكاء الاصطناعي أو في كيفية تنظيم المنظومات لنفسها.
إلا أنهم يستطيعون اتخاذ الخيارات المدروسة التي لا تستطيع أي خوارزمية اتخاذها، والمتعلقة بأولويات القطاعات، والتنظيم المسؤول، وأنظمة القوى العاملة اللازمة لإدارة مرحلة انتقالية تتسم بعدم اليقين.
وتمتلك الدول ثلاثة عوامل تمكينية رئيسية: خرائط طريق استراتيجية للتحول الاقتصادي، وأطر تنظيمية تكيفية، وأنظمة قوى عاملة مرنة وقادرة على الصمود.
خرائط طريق استراتيجية ترتكز على التحول الاقتصادي
تكتسب التوجهات الاستراتيجية أهميتها ليس لأن جميع الاقتصادات تحتاج إلى النموذج نفسه من التدخل العام، بل لأن نشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع نادراً ما يحدث من دون آلية تحد من التجزؤ، وتركز الجهود، وتربط التغيير التقني بالأولويات الاقتصادية الأوسع.
ويختلف النموذج المتبع بين المنافسة السوقية، والتنسيق الصناعي، والمشتريات العامة، والإشارات التي ترسلها الدولة إلى السوق.
غير أن العامل الحاسم يتمثل في ما إذا كانت هذه الترتيبات توفر للمؤسسات والمنظومات أساساً أكثر اتساقاً لتوجيه التحول القائم على الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء بتبني التكنولوجيا.
وعلى المستوى الإقليمي، لا تكمن أهمية هذه الخيارات في تحقيق التقارب بقدر ما تكمن في قدرتها على دعم مسار التكيف بقيادة الإنسان عبر الحدود.
ولذلك، لا تتمثل المسألة في ما إذا كانت الاقتصادات تتبع نموذجاً موحداً، بل في ما إذا كانت خياراتها الاستراتيجية تقلل التجزؤ عبر النظام الأوسع أم تزيده عمقاً.
إضاءة إقليمية: الصين
ترفع الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين مكانة الذكاء الاصطناعي ليصبح ركيزة استراتيجية وطنية، فيما تدفع مبادرة «الذكاء الاصطناعي+» نحو دمجه بعمق في الاقتصاد الحقيقي.
وتتطور آليات الحوكمة، مثل تسجيل الخوارزميات، ومتطلبات الشفافية، ومعايير الأمن، بالتوازي مع عملية النشر.
وعلى المستوى الدولي، توسع الصين تعاونها في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال مبادرات عالمية واسعة تدعم البنية التحتية الرقمية، والمدن الذكية، وبناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي لدى الدول الشريكة.
وفي الوقت نفسه، تدمج الصين الذكاء الاصطناعي ضمن تحولها الأوسع نحو نمو اقتصادي عالي الجودة، قائم على الابتكار، وأكثر اعتماداً على الذات.
أطر تنظيمية تكيفية تتيح التحسين المستمر
لا تكتسب القواعد التنظيمية أهميتها لأنها تبطئ الذكاء الاصطناعي، بل لأنها تحدد ما إذا كانت المسؤولية والمراجعة والتدخل ستظل قابلة للتطبيق مع توسع استخدامه إلى ما يتجاوز حالات الاستخدام المحددة.
وتتحرك المؤسسات بثقة أكبر عندما تكون الحدود أكثر وضوحاً: ما المخاطر المقبولة؟ ومن يظل مسؤولاً؟ وأين تكون المراجعة البشرية مطلوبة؟ وكيف ستتطور هذه التوقعات مع تراكم الأدلة والخبرات؟
ويتمثل التحدي في وضع قواعد تسمح بالتجريب من دون السماح بتلاشي المسؤولية.
ولذلك، فإن أكثر النُهج التنظيمية فاعلية ليست بالضرورة الأكثر تشدداً أو الأكثر تساهلاً، بل الأكثر قابلية للاستخدام عملياً. فهي تقلل حالة عدم اليقين، وتحافظ على مساحة للتعلم، وتنشئ مسارات موثوقة للانتقال من التجارب المنضبطة إلى النشر الأوسع.
إضاءة إقليمية: اليابان
تعتمد اليابان في تنظيمها التكيفي على إطار متعدد المستويات ومرن.
ويحدد قانون تعزيز الذكاء الاصطناعي التوجه الاستراتيجي، بينما تحول المبادئ التوجيهية لمشغلي أعمال الذكاء الاصطناعي هذه المبادئ إلى ممارسات عملية، وتتناول تفسيرات القوانين القائمة المخاطر الخاصة بكل قطاع.
وفي العمليات الحكومية، تعيّن كل وزارة وهيئة مسؤولاً تنفيذياً رئيسياً عن الذكاء الاصطناعي للإشراف على عملية النشر.
كما يدعم المجلس الاستشاري التابع للوكالة الرقمية مراجعة الحالات عالية المخاطر باستخدام أدوات مثل مخططات تدفق تقييم المخاطر، وقوائم التحقق الخاصة بالمشتريات، المدمجة داخل العمليات.
أنظمة قوى عاملة مرنة لاقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي
لا تستطيع أي مؤسسة إدارة انتقال القوى العاملة على نطاق واسع بمفردها.
فمع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي لطبيعة العمل، ينبغي لأنظمة القوى العاملة أن تنقل عدداً كافياً من الأشخاص إلى الأدوار المعاد تصميمها، وبالسرعة اللازمة لمواكبة التغيير التنظيمي.
ويتعلق الأمر ببنية تحتية للانتقال، تشمل أنظمة التعليم، ومسارات التدريب المهني، والتدريب الذي يقوده أصحاب العمل، وآليات إعادة التأهيل في منتصف المسار المهني، ومؤسسات سوق العمل التي تحدد ما إذا كانت عملية الانتقال ستكون منظمة أم مضطربة.
ويعني ذلك بصورة متزايدة أيضاً إدماج تنمية مهارات موجهة نحو المستقبل، من خلال إعطاء الأولوية للقدرات البشرية المستدامة، مثل الحكم التحليلي، وحل المشكلات بصورة تكيفية، والتعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ضمن تصميم المناهج ومسارات التعلم مدى الحياة.
ويضمن ذلك إعداد العاملين ليس فقط للوظيفة المقبلة، بل أيضاً لعملية مستمرة من إعادة ابتكار مهاراتهم وأدوارهم.
الحالة 17
جامعة نانكاي: دمج الذكاء الاصطناعي في البحث وتنمية القدرات العليا
دمجت جامعة نانكاي، بالتعاون مع شركة Fayu Technology، نموذج Baishan لاتخاذ القرار القائم على الذكاء الهجين، المعروف باسم AI4SS، في أنشطة البحث والتدريس.
وينقل هذا النموذج عملية إنتاج المعرفة إلى مراحل مبكرة من خلال إشراك الذكاء الاصطناعي في وضع الفرضيات، والاستدلال، والتحليل.
ويبرز استخدامه في البحث والتدريس تحولاً أوسع في التعليم، ينتقل من مجرد اكتساب المعرفة إلى تنمية قدرات عليا، مثل صياغة المشكلات، وتصميم الأطر التحليلية، والتفكير الإبداعي.
ويشير ذلك إلى تحول أوسع في تنمية المواهب وانتقال القوى العاملة.
إضاءة إقليمية: سنغافورة
تمثل مبادرة SkillsFuture في سنغافورة استراتيجية وطنية للتعلم مدى الحياة، تهدف إلى بناء منظومة تعطي الأولوية للمهارات من خلال الدعم الحكومي، وبرامج الجمع بين العمل والدراسة، والتدريب الذي يقوده أصحاب العمل والمتوافق مع احتياجات القطاعات.
ومنذ عام 2015، استخدم أكثر من نصف السنغافوريين المؤهلين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و75 عاماً أرصدتهم التدريبية ضمن برنامج SkillsFuture.
4. ثلاثة مسارات لتطبيق التحول القائم على الذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان عملياً
لا يعني وجود إطار مشترك ضرورة اتباع مسار واحد لتوسيع نطاق التحول. واستناداً إلى المسارات الثلاثة التي عُرضت في القسم الثاني، يطبق هذا القسم الإطار على كل مسار منها.
المتوسعون على نطاق واسع: الانتشار الواسع والدمج العميق في الاقتصاد
في بعض السياقات الآسيوية، ينتشر الذكاء الاصطناعي بسرعة عبر القطاعات والوظائف ومجالات السياسات المختلفة. ولا تتمثل المسألة الأساسية في ما إذا كان ينبغي لهذا الانتشار أن يستمر، بل في ما إذا كان يمكن تحويله إلى تغيير تشغيلي أعمق.
وتتمثل الأولوية في هذا المسار في تحويل زخم التطبيقات إلى منطق تشغيلي قابل للتكرار، وعمليات قابلة للتشغيل البيني، ومكاسب إنتاجية مستدامة.
وعلى مستوى المؤسسة، تتمثل المهمة في دمج حالات الاستخدام ضمن نماذج تشغيل أكثر وضوحاً، من خلال تحديد القرارات التي يجري تحسينها، والمواضع التي يظل فيها الحكم البشري متركزاً، وكيف ينبغي أن تتغير الأدوار والحوافز والمسؤوليات عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من التنفيذ اليومي.
وعلى مستوى المنظومة، تصبح المعايير المشتركة، وقابلية التتبع، وقواعد التدخل، ونشر القدرات، أكثر أهمية من التقدم الداخلي الذي تحققه أي مؤسسة منفردة، مع انتقال القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر الحدود التنظيمية.
أما على مستوى الدول والمناطق، فتتمثل المهمة التمكينية في إضفاء الطابع المؤسسي على التوسع، بدلاً من الاكتفاء بتحفيزه، وذلك من خلال أنظمة القوى العاملة، والظروف التنظيمية، والترتيبات العابرة للحدود التي تقلل الاحتكاكات في البيئات التي أصبحت فيها سلاسل التوريد والبنية التحتية الرقمية مترابطة بالفعل.
ويُعد التنظيم المنهجي الإسهام البشري الحاسم في هذا المسار. فالانتشار السريع يوفر المادة الأولية، لكن تحديد التوجهات بصورة مدروسة، وإعادة تصميم العمليات، وتحقيق المواءمة على مستوى المنظومة، هي العوامل التي تحول هذا الزخم إلى قيمة متكاملة ومستدامة.
المتبنون المتدرجون: الدمج الموثوق والتوسع المرحلي
يتميز المسار الثاني بدرجة أقل من الانتشار الواسع، وبقدر أكبر من التوسع التدريجي الموجّه نحو بناء الثقة.
وتتمثل الأولوية في توسيع نطاق النشر الموثوق ليتجاوز البيئات المنضبطة ويصل إلى مسارات العمل التي يمكن تحقيق مكاسب أكبر من خلالها.
وعلى مستوى المؤسسة، تتمثل المهمة العملية في الانتقال من التجارب المسؤولة إلى إعادة تصميم أعمق للعمليات. ويتعين على القيادة تحديد المجالات التي أصبحت الثقة فيها كافية لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل بيئات تشغيلية وقرارية أكثر تأثيراً.
ويتطلب ذلك ممارسة حكم بشري مركز في الحالات التي لا تزال فيها المخاطر، أو الغموض، أو استمرارية العمليات، أو المعرفة المتخصصة الحيوية، بحاجة إلى إشراف فعلي ومستمر.
وعلى مستوى المنظومة، يتيح بناء قابلية التتبع، ووضع حدود مشتركة للتدخل، وإنشاء آليات للاستجابة للحوادث عبر المؤسسات، انتقال النشر الداخلي الموثوق إلى ما يتجاوز حدود المؤسسة.
ولا تتمثل الأولوية في الثقة بوصفها مفهوماً مجرداً، بل في جعلها قابلة للانتقال والتطبيق عبر مختلف الجهات والمؤسسات.
وعلى مستوى الدول والمناطق، تتمثل المهمة التمكينية الأساسية في ضمان ألا تقتصر أطر الحوكمة والتنسيق العام على الحفاظ على الحدود القائمة، بل يجب أن تتيح أيضاً توسعاً أكثر طموحاً.
وفي إطار هذا المسار، تتمثل المهمة البشرية في تحويل الثقة إلى قدرة على التوسع. فالتوسع هو ما يحول المصداقية المتراكمة في مجال الحوكمة إلى تحول شامل على مستوى النظام بأكمله.
المتبنون وفق أولويات القطاعات: النشر في القطاعات ذات الأولوية وانتشار القدرات
يتشكل المسار الثالث بدرجة أقل بفعل الانتشار الواسع أو الدمج المتدرج والمنضبط، وبدرجة أكبر بفعل الزخم المركز في قطاعات أو منصات أو بنى تحتية تمكينية محددة.
وتتمثل الأولوية في تحويل النجاحات الانتقائية إلى استعداد أوسع على مستوى النظام.
وعلى مستوى الدول والمناطق، تبرز أهمية أنظمة القوى العاملة، والبنية التحتية، وتنسيق السياسات في مرحلة مبكرة. إذ تحدد أنظمة التعليم، ومسارات التدريب المهني، والتدريب الذي يقدمه أصحاب العمل، وآليات إعادة التأهيل في منتصف المسار المهني، وسبل التنقل في سوق العمل، ما إذا كان من الممكن توفير الكفاءات اللازمة للأدوار المعاد تصميمها خارج نطاق الجهات الأكثر تقدماً.
وعلى مستوى المنظومة، تتمثل المهمة الأساسية في نشر التوقعات المرتبطة بالأدوار، والمعرفة التشغيلية، والقدرات العملية، بما يتجاوز المؤسسات القائدة.
ولا يقتصر السؤال المهم على ما إذا كانت الجهات الأصغر حجماً تمتلك إمكانية الوصول إلى الأدوات، بل يشمل أيضاً ما إذا كانت قادرة على المشاركة بصورة فعالة في نماذج التشغيل المعاد تصميمها، بدلاً من بقائها معتمدة على مجموعة محدودة من الجهات المتقدمة.
ولا تصبح المؤسسة الموقع الرئيسي لإجراء إعادة تصميم أعمق عبر نطاق أوسع من الشركات إلا بعد أن تبدأ هذه الظروف في الانتشار.
وعندها، يصبح بإمكان عدد أكبر من المؤسسات الانتقال من النجاحات المنفصلة إلى نماذج تشغيل متكاملة.
ويُمثل النجاح الانتقائي نقطة انطلاق، لا نقطة نهاية. فقدرة النظام على نشر القدرات هي التي تحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيخلق ديناميكية تحول أوسع، أم سيترك وراءه جزراً معزولة من التقدم.
مستقبل الوظائف
يعرض تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي «أربعة سيناريوهات لمستقبل الوظائف في الاقتصاد الجديد: الذكاء الاصطناعي والمواهب في عام 2030» مستقبل الوظائف استناداً إلى متغيرين: سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، ومدى جاهزية القوى العاملة.
ولا يتمثل العامل الحاسم في تقدم الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في قدرة أنظمة القوى العاملة على استيعاب التغيير بالسرعة الكافية.
ففي البيئات التي تنتشر فيها الجاهزية على نطاق واسع، يمكن للمهن الجديدة ونماذج العمل المشتركة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي أن تتوسع بالتوازي مع الأتمتة.
أما في البيئات التي تكون فيها الجاهزية محدودة، فتتجاوز وتيرة فقدان الوظائف قدرة الأنظمة على استيعاب العاملين وإعادة توجيههم، كما يصبح من الأصعب تحويل مكاسب الإنتاجية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق.
وبالنسبة إلى آسيا، يشير ذلك إلى أولوية استراتيجية تتمثل في بناء بنية أكثر اتساقاً لانتقال القوى العاملة، تربط بين التعليم والتدريب والتنقل داخل سوق العمل.
