القائمة الرئيسية

لماذا يبدأ تحسين نتائج التعليم والصحة من ضبط الأساسيات وترسيخها؟

لماذا يبدأ تحسين نتائج التعليم والصحة من ضبط الأساسيات وترسيخها؟
ملخص المقال

يتناول المقال التحديات التي تواجه كامبوديا في تحسين جودة خدمات التعليم والصحة، رغم نجاحها الكبير في توسيع نطاق الوصول إليها. ويستند إلى تقريرين للبنك الدولي يوضحان أن ضعف النتائج التعليمية والصحية يعود إلى نقص التمويل، وسوء توزيع الموارد، وضعف كفاءة الكوادر، والقصور في توفير المستلزمات الأساسية مثل الكتب والأدوية والمعدات، إلى جانب قيود الحوكمة والإدارة المالية التي تعيق وصول الموارد إلى الخطوط الأمامية. ويؤكد المقال أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال الإصلاحات من تحديث الأنظمة المالية المركزية إلى إصلاح آليات الإنفاق والإدارة داخل قطاعي التعليم والصحة، بما يضمن توجيه الموارد نحو تحسين جودة الخدمات، وتعزيز رأس المال البشري، ودعم النمو الاقتصادي المستدام.

يتواجد الآن في كليات ومدارس كامبوديا أعداد من الأطفال أكبر من أي وقت مضى، كما أن المزيد من المرضى يرتادون المراكز الصحية ويغادرونها وهم يشعرون بالرضا. لقد وصل صافي نسبة الالتحاق بالتعليم الابتدائي في كامبوديا إلى 97 بالمئة، بينما ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الميلاد لتجاوز 70 عاماً، وبلغت نسبة رضا المرضى 94 بالمئة. ومع ذلك، فإن متوسط قدرة طالب الصف السادس لا يتعدى الإجابة عن أقل من نصف اختبار الرياضيات الأساسي، كما أن نسبة ضئيلة فقط من المراكز الصحية تقدم الحزمة الكاملة من الخدمات التي من المفترض أن توفرها. لقد تسارعت معدلات الوصول للخدمات وشهدت قفزة كبيرة، لكن النتائج النوعية لم تلاحق هذا التقدم.

يسعى تقريران جديدان صادران عن البنك الدولي إلى تفسير هذا التباين. يستند التقرير الأول المعنون بـ ""حالة تقديم الخدمات الصحية"" إلى بيانات شملت 288 منشأة صحية عامة وخاصة تتوزع على 11 محافظة، بينما يتتبع التقرير الثاني بعنوان ""معالجة اختناقات المالية العامة والموارد البشرية لتحسين نتائج التعليم"" 6 اختناقات رئيسية تعوق عملية التعلم. ويعزز التقريران معا حقيقة مفادها أن المكاسب القادمة لكامبوديا تعتمد على ضبط الأساسيات وترسيخها، والتي تتمثل في تحسين كفاءة الكوادر العاملة في الخطوط الأمامية، وتوفير الأدوية والمستلزمات والبنية التحتية، فضلاً عن إصلاح أنظمة التمويل والإدارة التي تحول دون وصول الموارد إلى المراكز الصحية والفصول الدراسية.

تُشكل فجوة الموارد عائقاً رئيسياً وحقيقياً داخل نظام التعليم في كامبوديا. إذ تنفق كامبوديا ما يقارب 2.2 بالمئة فقط من دخلها القومي على التعليم، وهو ما يقل عن نصف المتوسط السائد في البلدان التي تماثلها في مستوى الدخل. وتغطي الأسر الجزء الأكبر من هذه الفجوة، حيث تتحمل ما يقارب 59 بالمئة من الإنفاق على التعليم، وهو عبء يقع ثقله الأكبر على كاهل الأسر الأكثر فقراً.

علاوة على ذلك، تستنزف رواتب الموظفين حالياً ما بين 70 إلى 80 بالمئة من ميزانية التعليم، في حين انخفض الإنفاق الرأسمالي من 21 بالمئة من إجمالي إنفاق الوزارة في عام 2018 إلى 6 بالمئة فقط في عام 2022، حتى مع وجود نقص يتجاوز 16000 فصل دراسي. وعلى النحو نفسه، تعاني ميزانيات القطاع الصحي في الخطوط الأمامية من اختلال مماثل، حيث توجه المراكز الصحية 63 بالمئة من مواردها نحو الرواتب، مع تخصيص القدر القليل للأدوية والمعدات وأعمال الصيانة التي يتوقف عليها قرار تقديم الخدمة من عدمه.

غالباً ما تعكس النتائج الضعيفة وجود فجوات في المستلزمات الأساسية. ففي قطاع التعليم، لم يتمكن العديد من المعلمين من الاستيعاب الكامل للمحتوى العلمي أو أساليب التدريس المتوقع منهم استخدامها. ورغم التحاق خريجين أكثر كفاءة بالمهنة، إلا أن الممارسات داخل الفصول الدراسية لم تشهد التحسن المطلوب بعد، حيث تلقى نحو خُمس المعلمين تدريباً بالحياد الأدنى فقط. كما أن الطلاب الذين يتخلفون عن التحصيل العلمي نادراً ما يتلقون دعماً علاجياً فعالاً، فضلاً عن الاستمرار في نقص الكتب المدرسية في المدارس الريفية والنائية، على الرغم من أن الطلاب الذين يمتلكون كتبهم المدرسية الخاصة يحققون مستويات تعلم أعلى بكثير.

وبالمثل في القطاع الصحي، يؤثر نقص الكوادر العاملة على 88 بالمئة من المستشفيات المرجعية و 65 بالمئة من المراكز الصحية، وتعمل معظم المراكز الصحية دون وجود طبيب على الإطلاق. وتضرب انقطاعات التيار الكهربائي أكثر من نصف المراكز الصحية، في حين يمتلك أقل من مركز واحد من بين كل 10 مراكز مولداً كهربائياً يعمل بكفاءة، ولا تزال حالات نفاد المخزون من الأدوية اليومية أمراً شائعاً. تقدم 3 بالمئة فقط من المراكز الصحية الحزمة الشاملة المطلوبة من الخدمات، رغم أن معظمها يقدم الغالبية العظمى منها. هذه هي الثقوب الحقيقية في هيكل السفينة، ولن يفيد تنظيم الإدارة حولها إذا كانت المكونات الأساسية مفقودة من الأصل.

أسباب عدم وصول الموارد إلى الخطوط الأمامية

تؤثر بعض القيود الحوكمية بشكل مباشر على هذه الأساسيات. إذ إن القواعد الصارمة المطبقة على المنح التشغيلية للمدارس، إلى جانب وجود نظام غير مستغل بالشكل الكافي لتتبع توزيع الكتب المدرسية، يجعل من الصعب على المدارس شراء الكتب والمواد التعليمية العلاجية التي يعتمد عليها تحصيل الطلاب.

وتوجد قيود أخرى مشتركة بين القطاعين، حيث يتسم إعداد الميزانيات في الخطوط الأمامية بالتجزئة والشتات. ينظم 79 بالمئة من المراكز الصحية و 81 بالمئة من المستشفيات المرجعية ميزانيات منفصلة بحسب مصادر التمويل، في حين لا تستطيع المدارس تدوير الفوائض المالية غير المنفقة إلى العام التالي. وتكافئ قواعد الإنفاق تسريع صرف الميزانيات في نهاية العام على حساب الاستخدام الاستراتيجي، كما يمتلك مديرو الخطوط الأمامية مساحة ضئيلة لمعالجة النقص في الكوادر أو نقل الموارد إلى الأماكن التي تحتاجه بالفعل. ونادراً ما يرتبط الأداء بالتمويل، فضلاً عن التوزيع غير المتكافئ للموظفين، ووجود أنظمة بيانات متوازية لا تتكامل ولا تتواصل فيما بينها، مما يترك المديرين دون رؤية واضحة للواقع.

ضرورة انتقال الإصلاح الآن إلى القطاعات المباشرة

قادت وزارة الاقتصاد والمالية في كامبوديا برنامج إصلاح يحظى بالاحترام، حيث عملت على تحديث إعداد الميزانيات وبناء النظام المركزي للإدارة المالية.

وكتكمله لهذه الجهود، يجب على وزارة الاقتصاد والمالية والوزارات القطاعية التحرك معاً في خطوة واحدة. لقد وضعت وزارة الاقتصاد والمالية القواعد الأساسية وستظل هي الركيزة الرئيسية، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تولي وزارتي الصحة والتعليم زمام الإصلاحات داخل أنظمتهما الخاصة، وذلك من خلال ربط معلوماتهما المالية بالنظام المركزي للحكومة، والإنفاق بدرجة أكبر على العوامل التي ترفع النتائج وتزيد الإنتاجية، كالمعلمين الأكفاء والمواد التعليمية في التعليم، والكوادر والأدوية والمعدات في الصحة، مع إعادة صياغة القواعد التي تعوق وصول الأموال إلى الخطوط الأمامية.

لقد نجحت كامبوديا بالفعل في استيعاب ملايين الأطفال في المدارس والمرضى في العيادات والمراكز الصحية. ويبقى العمل المطلوب الآن هو تحويل هذا الوصول الجغرافي والعددي إلى تعلم حقيقي ورعاية صحية فعلية. إن تحقيق ذلك لا يمثل ضرورة لتحسين مخرجات التعليم والصحة فحسب، بل يعد استثماراً مباشراً في القوى العاملة المستقلبية للبلاد. ومن خلال تعزيز أركان رأس المال البشري في قطاعي الصحة والتعليم، تستطيع كامبوديا تأهيل المزيد من الأفراد للمشاركة في وظائف إنتاجية ودعم جهود خلق فرص العمل والنمو الاقتصادي طويل الأجل في البلاد.

المصدر

مقالات ذات صلة