القائمة الرئيسية

قياس الفقر متعدد الأبعاد في الدول ذات البيانات غير مكتملة

قياس الفقر متعدد الأبعاد في الدول ذات البيانات غير مكتملة
ملخص المقال

يتناول المقال نهجاً جديداً لمعالجة مشكلة تجزؤ البيانات التي تحد من قياس الفقر متعدد الأبعاد، وذلك عبر دمج المؤشرات المتفرقة من قواعد بيانات ومسوح مختلفة باستخدام نظرية الاحتمالات، بما يسمح بتقدير مستويات الحرمان حتى عندما لا تتوافر جميع المؤشرات في مصدر بيانات واحد. ويوضح أن هذا الأسلوب يوسع نطاق قياس الفقر، ويتيح إدراج أبعاد كانت مستبعدة سابقاً مثل الصحة والأمن، وسد الفجوات الزمنية في البيانات، بل وإعداد تقديرات استشرافية. وقد أظهرت اختبارات أجريت على أكثر من 570 مسحاً عالمياً أن دقة التقديرات تتحسن كلما زاد التداخل بين المؤشرات المشتركة في قواعد البيانات، مما يجعل هذا النهج أداة واعدة لتعزيز رصد الفقر متعدد الأبعاد، ودعم صناع السياسات في تصميم تدخلات تنموية أكثر استهدافاً وفعالية.

تقدم مقاييس الفقر متعدد الأبعاد صورة أكثر شمولاً واكتمالاً عن الفقر مقارنة بالمقاييس النقدية بمفردها، بيد أن تطبيقها ظل محدوداً بسبب تشتت البيانات وتجزؤها. على سبيل المثال، ولأحدث عام متاح، يمكن تقدير مقياس الفقر متعدد الأبعاد الخاص بالبنك الدولي لثلثي العالم فقط، وذلك رغم أن المؤشرات الفردية تغطي ما لا يقل عن 85% من سكان العالم. ويرجع ذلك إلى توزيع هذه المؤشرات وتشتتها عبر قواعد بيانات مختلفة، مما يعقد عملية القياس ويفرض تكاليف فعلية على مستوى السياسات، وفق ما تسلط الضوء عليه مدونتنا المرافقة.

تعالج ورقة العمل الحديثة التي أعددناها هذا التحدي المتعلق بالبيانات من خلال دمج المؤشرات المستمدة من قواعد بيانات مختلفة على المستوى الوطني أو المحلي. إن الفكرة الرئيسية بسيطة: إذا كانت إحدى المسوح تقيس مدى الحصول على مياه الشرب بينما تقيس مسح أخرى مدى الحصول على خدمات الصرف الصحي، فإنه يمكن دمج المسحين لتقدير عدد الأشخاص الذين يعانون من الحرمان في كلا الأمرين، دون اشتراط ظهور كلا المؤشرين في قاعدة البيانات نفسها. يفتح هذا النهج المجال لـ 3 تطبيقات عملية. أولاً، يتيح تقدير الفقر متعدد الأبعاد من المسوح التي تفتقر إلى مؤشر واحد أو أكثر. ثانياً، يجعل من الممكن إدراج أبعاد متبعدة حالياً من مقياس الفقر متعدد الأبعاد بسبب قيود البيانات، مثل الصحة أو الأمن. ثالثاً، يمكننا من وضع تقديرات للسنوات التي لا تتوافر فيها أي مسوح، بما في ذلك التنبؤات الاستشرافية للعام الحالي. ويلخص بقية هذا المقال هذا النهج ويظهر أنه تؤدي أداءً حسناً في سيناريوهات البيانات المتجزئة الشائعة التي يمكننا اختبارها مقابل البيانات المرصودة.

دمج الإحصاءات المجمعة باستخدام نظرية الاحتمالات

تعتمد طريقتنا على نظرية الاحتمالات لدمج الإحصاءات المجمعة على مستوى السكان عبر قواعد البيانات المختلفة. وبخلاف المناهج التي تتنبأ بالفقر على مستوى الأفراد أو الأسر المعيشية، يتطلب هذا النهج متطلبات أقل من البيانات ويسهل تطبيقه على نطاق عالمي. وتتلخص الفكرة الأساسية في دمج المؤشرات المستمدة من قواعد بيانات منفصلة باستخدام قاعدة السلسلة تحت فرضية الاستقلال الشرطي.

ولتوضيح ذلك، نفترض أن الفقر النقدي وإمكانية الحصول على الكهرباء يتوافران من مسحين مختلفين يمثلان المستوى الوطني، وكلاهما يجمع أيضاً معلومات حول إمكانية الحصول على مياه الشرب. إذا كان الحصول على مياه الشرب مستقلاً شرطياً عن الفقر النقدي مع التأكيد على توافر الحصول على الكهرباء، فإن احتمال الحرمان من مياه الشرب بين الأشخاص الذين يفتقرون للكهرباء يكون متماثلاً بغض النظر عن حالة الفقر النقدي. وتحت هذه الفرضية، يمكن التعبير عن الاحتمال المشترك للمؤشرات الـ 3 من خلال دمج التوزيع المشترك للفقر النقدي والكهرباء من قاعدة البيانات الأولى مع التوزيع الشرطي لمياه الشرب بناءً على الكهرباء من قاعدة البيانات الثانية. وفي الممارسة العملية، يُعد الاستقلال الشرطي فرضية معقولة، حيث إن أبعاد الفقر غالباً ما تكون متداخلة وترتبط بعوامل أساسية مشتركة. وفي اتجاه مماثل، تظهر البحوث ذات الصلة فائدة افتراض قيمة ثابتة للجزء المفقود من التوزيع المشترك.

التحقق من صحة النهج باستخدام أكثر من 500 مسح تمتد لأكثر من ثلاث عقود

للتحقق من صحة هذه طريقة، استخدمنا 571 مسحاً تمتد من عام 1989 إلى عام 2024 من قاعدة بيانات الرصد العالمي التابعة للبنك الدولي، وهي مجموعة من المسوح المنسقة المستخدمة للإبلاغ عن تقديرات الفقر العالمي والرخاء المشترك والتفاوت في منصة الفقر والعدالة، والمصدر الرئيسي لمقياس الفقر متعدد الأبعاد. يحتوي كل مسح على معلومات حول الأبعاد الـ 3 لمقياس الفقر متعدد الأبعاد: الفقر النقدي، والتعليم، والحصول على البنية التحتية الأساسية. ومن ثم، يمكننا تقدير مقياس الفقر متعدد الأبعاد الحقيقي من هذه المسوح.

نقارن مقياس الفقر متعدد الأبعاد الحقيقي المحسوب من كل مسح بالتقديرات الناتجة في سيناريوهات تُسحب فيها المؤشرات على مستوى المجموعات السكانية من قواعد بيانات منفصلة. يوضح التقييم الاختباري أن دمج البيانات يحقق أداءً أفضل كلما زادت نسبة التداخل في المؤشرات بين قواعد البيانات.

دمج البيانات يؤدي أداءً أفضل كلما زاد التداخل في المؤشرات

توضح النتائج أن أكبر الأخطاء تحدث عندما لا تتداخل أي مؤشرات عبر قواعد البيانات. وتقل الأخطاء بشكل كبير كلما زادت المؤشرات المشتركة. على سبيل المثال، فإن نمط البيانات المفقودة الأكثر شيوعاً في قاعدة بيانات الرصد العالمي والمغطي لنسبة 32% من الحالات، يتضمن مجموعة من المؤشرات في قاعدة بيانات ومجموعة أخرى في قاعدة ثانية. والتنبؤ بمقياس الفقر متعدد الأبعاد من هذا السيناريو يكون أكثر دقة بـ 4.5 مرة في المتوسط مقارنة بأسوأ السيناريوهات التي تأتي فيها جميع المؤشرات من قواعد بيانات منفصلة. ويتنبأ النهج بالفقر متعدد الأبعاد بدقة بغض النظر عن مستوى الفقر في البلد، وليس فقط في المتوسط.

تسمح لنا نظرية الاحتمالات أيضاً بحساب الحد الأقصى والحد الأدنى المطلقين للتداخلات المحتملة بين أنواع الحرمان، بالنظر إلى البيانات المتجزئة المتاحة. وتحدد هذه الحدود مدى عدم اليقين حول أي مقياس متعدد الأبعاد يُتنبأ به باستخدام طريقة الدمج، ويمكن استخدامها لتصحيح التحيز المنظم. ويؤدي التصحيح البسيط باستخدام الوسيط لهذه الحدود إلى تقليل خطأ التنبؤ بشكل كبير.

كلمات ختامية

تظهر هذه النتائج مجتمعة أن دمج المؤشرات المجمعة يمكن أن ينتج تقديرات موثوقة للفقر متعدد الأبعاد، خاصة عندما تتشارك قواعد البيانات في مؤشرات متداخلة. ويمتلك هذا النهج القدرة على توسيع نطاق رصد الفقر العالمي عبر زيادة التغطية، وإدراج أبعاد مثل الصحة والأمن، وسد الفجوات في السلاسل الزمنية. ونحن نعمل حالياً على تطبيقات لسد هذه الفجوات في القياس. لا يُعد هذا مجرد إنجاز تقني، بل إن معرفة ليس فقط عدد الفقراء، ولكن كيفية تداخل الحرمان وأماكن حدوثه، تتيح للحكومات ومؤسسات التنمية تصميم تدخلات أكثر استهدافاً وفاعلية.

المصدر

مقالات ذات صلة