القائمة الرئيسية

الدماغ ليس حاسوبًا : الفكر عاطفي وعريق، ولا ينحصر كله في القشرة المخية الحديثة

الدماغ ليس حاسوبًا : الفكر عاطفي وعريق، ولا ينحصر كله في القشرة المخية الحديثة
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة الفكرة الشائعة التي تشبّه الدماغ بالحاسوب، وتكشف كيف تتحدى أبحاث عالم الأعصاب ياك بانكسيب هذا التصور، مؤكدة أن الوعي والعواطف لا تنشأ أساسًا في القشرة المخية الحديثة، بل في جذع الدماغ الأقدم تطوريًا، حيث تتداخل كيمياء الجسم والذاكرة والانفعالات لتشكّل الفكر الإنساني بطريقة أعقد بكثير من أي منطق حاسوبي ثنائي.

يتقدم الذكاء الاصطناعي انطلاقًا من افتراض أن الدماغ ليس سوى حاسوب في جوهره، وأنه إذا كان هذا الافتراض صحيحًا، فإن استنساخ العقل داخل رقائق السيليكون لن يكون سوى مسألة وقت. غير أن الفيلسوفة دوروثيا أولكوفسكي ترى أن هذا الافتراض يمثل واحدًا من أكبر الأخطاء في تاريخ العلم. فالوعي لا ينشأ في القشرة المخية، التي تُعد مركز التفكير المنطقي واللغة، بل في جذع الدماغ، أقدم أجزاء الدماغ، والذي تشكّل تحت تأثير كيمياء الجسم والعواطف. كما أن نظام الإشارات في الدماغ معقد كيميائيًا إلى حد كبير، وبطيء التأثير، ومتشابك بعمق مع الجسم بأكمله، بحيث لا يمكن اختزاله في المنطق الثنائي البسيط القائم على «نعم» أو «لا»، والذي تقوم عليه جميع العمليات الحاسوبية.

يفترض التصور السائد الذي يقف وراء الذكاء الاصطناعي أن الدماغ هو في الأساس حاسوب، وأن التفكير عملية حسابية، وأنه يمكن استنساخ الوعي داخل السيليكون متى توفرت قدرة معالجة كافية. غير أن علم الأعصاب يروي قصة مختلفة تمامًا. فما تكشفه أهم الأبحاث الحديثة هو أن الوعي ليس في الأساس وظيفة من وظائف القشرة المخية، فضلًا عن أن يكون عملية خوارزمية؛ بل ينشأ من أقدم أجزاء الدماغ وأكثرها بدائية، ويتشبع بكيمياء الجسم، ويتشكّل بصورة جوهرية بفعل العواطف.

العلم الذي أود التركيز عليه هو علم الأعصاب، وأول عالم أعصاب أود لفت انتباهكم إليه هو عالم الأعصاب والبيولوجيا النفسية الإستوني الأمريكي ياك بانكسيب، الذي تعرّفت إلى أعماله عندما بدأت إجراء أبحاث لإعداد مقرر دراسي حول الإدراك والعاطفة. فرت عائلة بانكسيب من إستونيا إلى الولايات المتحدة عندما كان لا يزال طفلًا. وأكمل دراساته العليا في جامعة بيتسبرغ وجامعة ماساتشوستس. وبدأ مسيرته المهنية المتميزة رئيسًا لأبحاث علم الأعصاب الوجداني في معهد شيكاغو لجراحة الأعصاب وأبحاثها، وفي مركز فالك للعلاجات الجزيئية، إلى جانب شغله منصبين جامعيين في الوقت نفسه. وأمام هذه المسيرة المهنية اللافتة، يجد المرء نفسه راغبًا في معرفة الأسباب التي حالت دون انتشار أعمال بانكسيب ومعرفتها على نطاق أوسع.

كان بانكسيب من رواد البحث في مجال علم الأعصاب الوجداني، وهو المجال الذي يدرس الأسس البيولوجية للعواطف. ولأن هذا المجال اعتمد في بداياته على دراسة الحيوانات لفهم البشر، فقد تجاهله معظم الباحثين أو قللوا من أهميته. وإضافة إلى ذلك، لم تحظَ دراسة العواطف الإنسانية باحترام كبير، وهو أمر ينطبق على مجال تخصصي، أي الفلسفة، بقدر ما ينطبق على علم الأعصاب. ومع ذلك، ينسب زملاء بانكسيب وطلابه إليه وضع «نظرية تطورية عصبية كبرى وموحّدة حول البنى الدماغية للعقل القديم الذي لا تزال جميع الثدييات تتشاركه»، وهي نظرية يقارنونها «بالاكتشافات التي أحدثت تحولات جذرية في النماذج العلمية، والتي توصل إليها علماء أكثر شهرة في القرن العشرين»، ومن أبرزهم ألبرت أينشتاين وريتشارد فاينمان.

يُعرف بانكسيب اليوم على نطاق واسع بتقديمه أدلة مهمة على أن النمو الأمثل للدماغ يتطلب تجارب لعب صحية، وهو يصف اللعب بأنه أكثر العواطف الإيجابية تعقيدًا وأحدثها ظهورًا. وبالاستناد إلى هذا البحث، تحرر بانكسيب من قبضة المدرسة السلوكية، التي تفترض أن كل سلوك ليس سوى نتيجة لقوى خارجية تؤثر في عقل يشبه صفحة بيضاء، ليتفرغ لدراسة ما يُسمى «آليات العمليات الأولية»، وهي: البحث، والغضب، والخوف، والشهوة، والرعاية، والهلع، والحزن. وما يجعل أعماله جذرية إلى هذا الحد هو تأكيده أن هذه العمليات الأولية، بما فيها اللعب، لا تنشأ في القشرة المخية الحديثة، وهي أحدث مناطق الدماغ من الناحية التطورية والمسؤولة عن التفكير واللغة، بل تنشأ من أقدم مناطقه، أي جذع الدماغ.


ما يظهر أمام الوعي ليس إشارات حسية خامًا منقولة من أطراف الجسم، بل استدلالات تنبؤية مستمدة من آثار الذاكرة المرتبطة بتلك الإشارات وبالنتائج التي تترتب عليها.


المصدر

مقالات ذات صلة