القائمة الرئيسية

تقرير صياغة مستقبل التعلّم: جاهزية التعليم لعصر الذكاء الاصطناعي

تقرير صياغة مستقبل التعلّم: جاهزية التعليم لعصر الذكاء الاصطناعي
ملخص المقال

التنفيذي

يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في الطريقة التي يصل بها البشر إلى المعرفة وينتجونها ويطبقونها. ولا يتمثل التحدي الرئيسي في اعتماد الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في اتساع الفجوة بين التطور السريع في إتاحة التكنولوجيا، وتغيّر سلوكيات التعلّم، والأنظمة التعليمية غير المهيأة لاستيعاب هذه التحولات. ويضع هذا التغيير موضع تساؤل الافتراضات الراسخة بشأن التعلّم الفردي، وتنمية رأس المال البشري على المستوى الجماعي، والغاية من التعليم، وقيمة المهارات البشرية، لا سيما في ظل احتمال تجاوز الاستثمارات الموجهة إلى تطوير تقنيات المعلومات قريباً حجم الاستثمارات المخصصة لتنمية رأس المال البشري.

يجري اعتماد الذكاء الاصطناعي من القاعدة إلى القمة، إذ يدمج الطلاب والمعلّمون هذه الأدوات في ممارسات التعلّم اليومية من دون إجراء تحديثات موازية على المناهج الدراسية أو أساليب التقييم أو أطر الحوكمة. ويؤدي ذلك إلى توتر هيكلي، فالأنظمة التعليمية مصممة للتطور بصورة مدروسة ومتأنية، مع إعطاء الأولوية للإنصاف والثقة والجودة، بينما ينتشر الذكاء الاصطناعي بسرعة ويعيد تشكيل سلوكيات التعلّم بوتيرة تفوق قدرة الأنظمة على التكيف.

ولا تقتصر تداعيات ذلك على نتائج التعلّم، إذ يضع الذكاء الاصطناعي الوظائف الأساسية للأنظمة التعليمية أمام تحديات جديدة، بما في ذلك تنمية المعارف والمهارات، ومصداقية التقييم، وتكافؤ فرص الوصول إلى التعليم، والأسس الاجتماعية والعاطفية التي تقوم عليها عملية التعلّم.

لن تحدد التكنولوجيا وحدها نتائج التعلّم، بل ستحددها الظروف التي تُستخدم فيها. وعلى الرغم من أن العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي لم تُصمم في البداية لأغراض تعليمية، فإن التطورات في الخوارزميات ومجموعات البيانات عززت قدرتها على دعم التعلّم.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تكون التدخلات المنعزلة والمجزأة في مجالات السياسات وطرق التدريس والتكنولوجيا كافية. فالنتائج على مستوى النظام تنشأ من التفاعلات بين مستويات متعددة تشمل الحوكمة، والمؤسسات، والمعلّمين، والمتعلّمين. وعندما لا تكون هذه المستويات متوائمة، يصبح من غير المرجح أن تحقق حتى الابتكارات حسنة النية فوائد الذكاء الاصطناعي، بل قد تؤدي إلى عواقب غير مقصودة.

ومن الجدير بالذكر أن الأدلة المستخلصة من الدراسات الخاضعة للرقابة لا يمكن دائماً تطبيقها بصورة موثوقة على نطاق واسع، حيث قد تختلف السياقات والحوافز والقدرات بدرجة كبيرة. ويؤكد ذلك الحاجة إلى تبني نُهج تكيفية وشاملة على مستوى النظام، بدلاً من الاعتماد على حلول ثابتة.

تأتي هذه الورقة ضمن مجموعة أوسع من الأعمال المنجزة في إطار مبادرة «التعليم 4.0». وقد ركز تقرير سابق ضمن هذه السلسلة، بعنوان «صياغة مستقبل التعلّم: دور الذكاء الاصطناعي في التعليم 4.0»، بصورة معمقة على الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للأنظمة التعليمية.

أما هذه الورقة، فتركز عن قصد بدرجة أكبر على المخاطر والشروط اللازمة لضمان جاهزية الأنظمة، بما يعكس الحاجة إلى تبني منظور أكثر توازناً مع تسارع وتيرة اعتماد الذكاء الاصطناعي.

ويتطلب التعامل مع هذه الظروف تطوير لغة مشتركة واستجابة منسقة تشمل مستويات متعددة. ولذلك، تقدم الورقة إطاراً لجاهزية الذكاء الاصطناعي، صُمم لمساعدة الجهات المعنية على تقييم مدى توافر الشروط الضرورية لإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم بصورة فعالة ومنصفة وجديرة بالثقة.

وقد جرى تطوير هذا الإطار من خلال مشاورات مع أعضاء تحالف «التعليم 4.0» التابع للمنتدى، والمجلس العالمي للمستقبل المعني بتنمية رأس المال البشري، إلى جانب خبراء في مجال التعليم.

ولدعم التطبيق العملي، يحدد الإطار مجموعة من مؤشرات الجاهزية، وهي دلائل قابلة للملاحظة تساعد الجهات المعنية على تحديد الفجوات، وترتيب الإجراءات بحسب الأولوية، ومواءمة الجهود عبر مختلف المستويات.

ولا تمثل هذه المؤشرات قوائم إلزامية ينبغي اتباعها حرفياً، بل هي نقاط مرجعية عملية تدعم الحوار المستنير وتشجع العمل التعاوني بين صانعي السياسات، والمعلّمين، ومزودي التكنولوجيا، والمجتمع.

ونظراً إلى حالة عدم اليقين المحيطة بالتأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي، تهدف هذه المؤشرات إلى دعم الابتكار المستمر والتعلّم التدريجي القائم على التجربة والمراجعة، بدلاً من فرض مسارات تنفيذ ثابتة.

وتتزايد الحاجة الملحة إلى العمل على هذه الأجندة. ففي غياب إجراءات منسقة، من المرجح أن تتفاقم المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل إسناد العمليات المعرفية إلى التكنولوجيا بصورة مفرطة، وانتشار المعلومات المضللة، وتآكل النزاهة الأكاديمية، وفقدان التواصل الإنساني.

وفي الوقت نفسه، قد تظل الفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تخفيف الأعباء الإدارية، وتقديم ملاحظات وتوجيهات على نطاق واسع، وتوسيع فرص الوصول إلى التعلّم، موزعة بصورة غير متكافئة أو غير مستغلة بالكامل في غياب الظروف النظامية الملائمة.

يتمثل دور المنتدى الاقتصادي العالمي في جمع الجهات المعنية من مختلف القطاعات لمعالجة التحديات المعقدة وذات الطابع النظامي. وفي هذا السياق، لا يُقصد من الإطار أن يكون مجرد أداة تشخيصية، بل أيضاً نقطة مرجعية مشتركة للتعاون، تساعد على توحيد جهود الجهات المتنوعة حول أهداف مشتركة تتعلق بمستقبل التعلّم.

وفي نهاية المطاف، لا يتمثل السؤال في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الأنظمة التعليمية، بل في ما إذا كانت الأنظمة التعليمية ستتمكن من تحديد الكيفية التي يُستخدم بها الذكاء الاصطناعي. وسيحدد بناء الجاهزية اليوم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيعزز تعلّم الإنسان وتطوره، أم سيقوضهما.

المقدمة

شهدت العلاقة بين الإنسان والمعلومات والمعرفة تحولاً عميقاً خلال العقود الأخيرة. فقد وسعت شبكة الإنترنت، والمنصات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي بصورة جذرية الطرق التي تُنتج بها المعلومات وتُشارك ويُتاح الوصول إليها.

وللمرة الأولى، أصبحت هناك تكنولوجيا متاحة على نطاق واسع وقادرة على أداء مهام معرفية مثل الكتابة، والتحليل، والاستدلال، والتركيب، وهي مهام صُممت الأنظمة التعليمية أساساً لتنميتها.

وسعت التكنولوجيا الطرق التي يمكننا من خلالها اكتساب معارف جديدة، مما سمح بحدوث قدر أكبر من التعلّم خارج المؤسسات الرسمية عبر مجموعة واسعة من المنصات الرقمية. وقد صُمم بعض هذه المنصات خصيصاً لأغراض التعلّم، في حين لم يُصمم بعضها الآخر لهذا الغرض.

وفي الوقت الذي تواجه فيه العديد من المؤسسات والهياكل التي أنشأها المجتمع لدعم التعلّم تحديات متزايدة، تظهر طرق جديدة لاكتساب المعرفة والتعلّم.

وتخلق هذه التحولات فرصاً جديدة، لكنها تثير أيضاً قدراً كبيراً من عدم اليقين. فمن جهة، أصبح بإمكان الأفراد اليوم التعلّم والإبداع والتعليم وتبادل المعارف بحرية غير مسبوقة.

وقد تحولت المنصات الإلكترونية، والمنتديات، ووسائل التواصل الاجتماعي، وروبوتات المحادثة وغيرها من الأدوات الرقمية إلى بيئات قوية وغير رسمية للتعلّم، تتسم بالمرونة، وسرعة الاستجابة، وسهولة الاستخدام، والانفتاح أمام ملايين المستخدمين المتصلين بالإنترنت.

ومع تزايد وصول الأفراد إلى المعرفة وإنتاجها وتطبيقها خارج المؤسسات الرسمية، تصبح الأسئلة المتعلقة بالجودة والتنظيم والتحقق من المخرجات أكثر إلحاحاً. وفي غياب توجيه متسق، قد تصبح مسارات التعلّم أكثر تجزؤاً وتتفاوت نتائجها بصورة أكبر.

ولا تقتصر القضايا الأساسية على الوصول إلى المعلومات أو التكنولوجيا، بل تشمل أيضاً مدى قدرة الأنظمة التعليمية على الحفاظ على دورها بوصفها المؤسسة الرئيسية التي تعمل المجتمعات من خلالها على تنمية القدرات البشرية، والتحقق من صحة المعرفة، وضمان تكافؤ الفرص.

وتُظهر الأدلة أن منح الجميع فرصة عادلة للحصول على تعليم عالي الجودة يُعد من أكثر الوسائل فعالية في تعزيز النتائج الاجتماعية والاقتصادية على حد سواء. ومع ذلك، قد لا تُستغل بصورة كاملة الفرصة التي يتيحها الابتكار التكنولوجي لتوسيع نطاق التعلّم وإثرائه، ما لم تتوافر أطر مؤسسية قوية وآليات فعالة للحوكمة.

ينبغي للأنظمة التعليمية اعتماد الذكاء الاصطناعي بصورة مدروسة وهادفة، مع إدراك أنه يختلف جذرياً عن التقنيات التعليمية السابقة.

فعلى خلاف الأدوات السابقة، مثل أجهزة الحاسوب المحمولة، وأنظمة إدارة التعلّم، وخدمات الاتصال بالإنترنت، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تقديم المحتوى أو ربط المستخدمين ببعضهم، بل يمكنه توليد التفسيرات، والاستدلال، والحلول.

ويتطلب ذلك أن تستند القرارات إلى أدلة تثبت وجود تأثير حقيقي في التعلّم، مع الاعتراف بأن الأدلة المتاحة لا تزال جزئية، ومرتبطة بالسياق، ويصعب تطبيقها على نطاق واسع في مختلف الأنظمة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي لقادة التعليم تجاوز مرحلة التجارب القائمة على ردود الأفعال، والعمل على تطوير استراتيجيات طويلة الأمد لتنمية رأس المال البشري وتعزيز القدرات المؤسسية.

غالباً ما تعمل الأنظمة التعليمية اليوم وتتخذ قرارات مصيرية استناداً إلى أدلة محدودة، في وقت تواجه فيه سرديات متعارضة، وتطورات متسارعة، وقدراً كبيراً من عدم اليقين بشأن المسار المستقبلي للذكاء الاصطناعي.

ولذلك، يتطلب فهم التغير التكنولوجي أُطراً واضحة ومشتركة تساعد الجهات المعنية على تصفية الضوضاء المحيطة بالموضوع، وتنظيم الممارسات الناشئة، ومواءمة اعتماد التكنولوجيا مع أهداف التنمية البشرية.

ويُعد توفير أساس للعمل الجماعي أمراً بالغ الأهمية لضمان أن يؤدي الابتكار إلى تعزيز منظومات التعلّم بدلاً من زعزعة استقرارها.

ويتمثل الهدف من الإطار المقدم في هذه الورقة في توفير هذا النوع من النقاط المرجعية المشتركة التي يمكن لجميع الجهات المستثمرة في رأس المال البشري، في قطاعات التعليم والتكنولوجيا والحكومة والمجتمع، استخدامها لتوجيه التعاون فيما بينها.

يرتكز هذا الإطار على مراجعة الأدبيات ذات الصلة والاتجاهات التجريبية، إلى جانب مشاورات مع نخبة من الخبراء البارزين في هذا المجال، ويحدد العناصر الأساسية اللازمة لتمكين الأنظمة التعليمية من اعتماد الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة وفعالة. ومن خلال توضيح الشروط التي ينبغي توافرها قبل اعتماد هذه التكنولوجيا، يهدف الإطار إلى تحويل حالة عدم اليقين إلى عمل مدروس وتعاوني.

وتقوم فكرة محورية عليها بنية هذا الإطار، وهي أن التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على التعليم ذات طبيعة نظامية وليست قطاعية. وتنشأ هذه التحديات من التفاعل بين أوجه القصور في السياسات، والجمود المؤسسي، وعدم اليقين بشأن الممارسات التربوية، وسلوكيات المتعلمين التي تفتقر إلى التوجيه. ويتطلب التعامل معها تجاوز التدخلات المنفصلة والانتقال إلى نهج منسق يدرك كيف تؤثر الظروف السائدة في كل مستوى من مستويات النظام في النتائج المتحققة على جميع المستويات الأخرى، وهو ما يهدف الإطار إلى تمكينه.

تعمل الأنظمة التعليمية في ظل ظروف شديدة التباين، تشمل الاختلاف في الموارد، والقدرات المؤسسية، والسياقات الثقافية، ومراحل التنمية. ولذلك، لا يمكن فهم الجاهزية لدمج الذكاء الاصطناعي باعتبارها مساراً موحداً أو خطياً. فهناك العديد من الأنظمة التعليمية التي حققت بالفعل تقدماً في بعض مكونات الإطار، مثل تحسين الاتصال الرقمي، واعتماد أطر لمحو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطبيق أساليب التعلّم المخصص، وحماية خصوصية الأطفال على الإنترنت.

وعلى الرغم من أهمية كل فئة من هذه الفئات ووجاهتها، يشجع الإطار على تبني نهج شامل وتعاوني يتجاوز مسؤولية أي جهة معنية منفردة.

ولذلك، صُمم الإطار لدعم تطبيقات متباينة تتناسب مع اختلاف السياقات، من خلال المساعدة على تحديد الأولويات الخاصة بكل سياق، مع الحفاظ على بنية مشتركة للتحليل والحوار. ويُعد إدراك هذه الاختلافات أمراً ضرورياً لضمان أن يدعم اعتماد الذكاء الاصطناعي الإنصاف، بدلاً من أن يؤدي إلى توسيع الفجوات القائمة.

وتتناول الأقسام التالية العوامل التي تجعل هذه المرحلة لحظة حاسمة بالنسبة إلى التعليم، بما في ذلك السياقات الاقتصادية والتكنولوجية الجديدة، والمقاربات الحالية لاعتماد الذكاء الاصطناعي في التعليم، والفرص والمخاطر التي ستشكل تأثيره على المدى الطويل، إلى جانب مزيد من التفاصيل حول الإطار.

أما القسم الأخير، فيعرض بصورة أكثر تفصيلاً مؤشرات الجاهزية التي يمكنها دعم الجهات المعنية، مثل صانعي السياسات، وقادة المؤسسات التعليمية، ومبتكري المنتجات التكنولوجية.

1. السياق الجديد للتعليم

1.1 التحولات في المشهد الاقتصادي

على امتداد التاريخ، أعادت التحولات التكنولوجية الكبرى تشكيل طبيعة العمل، والبُنى الاجتماعية والاقتصادية، والمتطلبات المفروضة على الأنظمة التعليمية. فقد فرضت التحولات الصناعية على المجتمعات توسيع نطاق التعليم الجماهيري من أجل إعداد العمال للعمل في المصانع. وفي مرحلة لاحقة، أدى انتشار أجهزة الحاسوب وتقنيات المعلومات إلى زيادة الطلب على التعليم العالي، والقدرات التحليلية، والطلاقة الرقمية.

وقد غيّرت كل موجة تكنولوجية متطلبات المهارات في سوق العمل، وأجبرت الأنظمة التعليمية على التطور استجابةً لذلك.

وتكتسب هذه الأنماط التاريخية أهمية لأنها تكشف عن إحدى الوظائف الأساسية للتعليم، وهي مواءمة القدرات البشرية مع احتياجات الاقتصاد والمجتمع. فعندما تتحقق هذه المواءمة، يستفيد الأفراد والمجتمعات على حد سواء. أما عندما تختل، فتزداد أوجه عدم المساواة وتتراجع ثقة الجمهور في التعليم.

يؤدي التغير التكنولوجي السريع، المدفوع بالرقمنة والأتمتة والذكاء الاصطناعي، إلى تحويل الاقتصادات العالمية وإعادة تشكيل المتطلبات المفروضة على الأنظمة التعليمية. وفي هذا السياق، تحدد قدرة الأفراد على تنمية المهارات المعرفية والرقمية والتكيفية وتطبيقها مدى قدرتهم على المشاركة بفاعلية في التغير التكنولوجي والاستفادة منه.

وقد شكّل توسيع فرص الوصول إلى التعليم الثانوي والعالي عاملاً قوياً في تعزيز المساواة خلال جزء كبير من القرن العشرين، إذ ساعد الاقتصادات على استيعاب التغيرات التكنولوجية وتوسيع الفرص الاقتصادية. وفي الحالات التي أخفقت فيها الأنظمة التعليمية في التوسع، سواء من حيث التغطية أو الجودة، ازدادت أوجه عدم المساواة.

وعلى الرغم من أن التعليم المدرسي يوفر ميزة واضحة من حيث الأجور، فقد تزايد في الآونة الأخيرة التشكيك في قدرة المؤهلات الأكاديمية على ضمان فرص اقتصادية في الاقتصاد الجديد.

وأصبحت العلاقة بين الشهادات والقيمة في سوق العمل أكثر تعقيداً. ففي العقود السابقة، حققت المؤهلات التقنية والأكاديمية عوائد مرتفعة لأنها كانت تمثل مؤشراً موثوقاً على إتقان المهارات المطلوبة. أما اليوم، فقد أصبح هذا المؤشر أقل قوة.

إذ تتطور متطلبات المهارات بوتيرة أسرع من قدرة أطر المؤهلات على مواكبتها، كما يواجه أصحاب العمل صعوبة متزايدة في تحديد احتياجاتهم بدقة، في حين يجد الباحثون عن عمل صعوبة مماثلة في إثبات امتلاكهم للمهارات المطلوبة.

وعندما تعجز الأنظمة التعليمية عن سد هذه الفجوة، فإن العواقب لا تقتصر على المسارات المهنية وحدها.

وتكتسب هذه الرهانات الاقتصادية أهمية كبيرة. فالاقتصادات الحديثة أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على إنتاج المعرفة وتطبيقها وتبادلها.

وقد وصف الاقتصاديون هذا التحول بأنه انتقال نحو إنتاج كثيف المعرفة، حيث لا تستمد الميزة التنافسية أساساً من رأس المال المادي أو الموارد الطبيعية، بل من تراكم الأفكار والمهارات والخبرات العملية وقدرات القوى العاملة.

وغالباً ما تحقق الاقتصادات التي تنجح في تنمية رأس المال البشري وتراكمه نجاحاً اقتصادياً مماثلاً.

تستثمر الاقتصادات اليوم بصورة متزايدة في تقنيات المعلومات لتسريع تحليل المعرفة وتبادلها وإنتاجها. وفي الوقت نفسه، ينمو الاستثمار العالمي في تنمية رأس المال البشري بوتيرة أبطأ من نمو الاقتصاد العالمي.

وبالنظر إلى المستقبل، لا توجد توقعات بحدوث قفزة كبيرة في الإنفاق على التعليم خلال السنوات القليلة المقبلة. في المقابل، تظل الاستثمارات في تكنولوجيا المعلومات قوية، إذ يُتوقع أن يتجاوز الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي وحده ضعف مستواه بين عامي 2024 و2026.

لقد جرى توثيق الانفصال بين نمو الإنتاجية وقيمة العمل على نطاق واسع منذ سبعينيات القرن الماضي. وفي الاقتصادات كثيفة المعرفة، يعيد التقدم السريع في تقنيات المعلومات، مثل الذكاء الاصطناعي، تشكيل هذه العلاقة بصورة أعمق، من خلال تغيير الكيفية التي قد تسهم بها المهارات البشرية في الناتج الاقتصادي مستقبلاً، والطريقة التي يُنجز بها العمل، والأساليب التي تُقاس بها المساهمة البشرية.

ويثير ذلك تساؤلات مهمة أمام الأنظمة التعليمية. فعلى الرغم من أن العائد الاقتصادي ليس الهدف الوحيد للتعليم، يجب على هذه الأنظمة التعامل مع هذه التحولات لضمان استمرار التعلّم في دعم التنمية البشرية والمشاركة الاقتصادية معاً.

لطالما أدى التعليم وظائف متعددة ومترابطة، تشمل تنمية القدرات البشرية، ونقل المعرفة والتحقق منها، وإتاحة الفرص الاقتصادية، ودعم الحياة المدنية والاجتماعية. وقد بدأ الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات على كل واحدة من هذه الوظائف، إذ يغير في الوقت نفسه كيفية إنتاج المعرفة وتقييمها، ويعيد تشكيل المهارات التي تدعم المشاركة الاقتصادية، ويؤثر في الديناميكيات الاجتماعية والعلاقات التي تتم من خلالها عملية التعلّم.

ويُعد فهم هذه التحديات ضرورياً لتقييم المخاطر والفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للأنظمة التعليمية.

وتظهر هذه الضغوط في شكل مخاطر وفرص في آن واحد. فقد يقوض الذكاء الاصطناعي هذه الأهداف الأساسية عندما يُدمج بصورة سيئة، لكنه يستطيع أيضاً تعزيزها عندما يتوافق استخدامه مع أهداف تعليمية واضحة ومع الظروف المناسبة على مستوى النظام.

وعلى الرغم من تزايد حالة عدم اليقين، يواصل الأفراد والأسر الاستثمار في التعليم، وغالباً بتكلفة شخصية كبيرة، انطلاقاً من إيمان حقيقي بقيمته وخوفاً من عواقب التخلف عن الركب. وتعكس هذه الرغبة الفردية في الاستثمار ثقة مستمرة في دور التعليم، لكنها تخلق أيضاً نوعاً من الهشاشة.

فمع تطور متطلبات المهارات بوتيرة أسرع من أطر المؤهلات الرسمية، ومع بدء الذكاء الاصطناعي في أداء المهام المرتبطة تقليدياً بالتعليم العالي أو تعزيزها، تصبح العلاقة بين التحصيل التعليمي والنتائج في سوق العمل أقل قابلية للتنبؤ.

وقد لا تعود المؤهلات الحالية مؤشراً موثوقاً على امتلاك المهارات ذات الصلة الاقتصادية، كما قد تتفاوت عوائد التعليم مستقبلاً بدرجة أكبر بين السياقات والأفراد. وعندما لا تتحقق العوائد المتوقعة، تتحمل العواقب بصورة غير متناسبة الفئات الأقل قدرة على استيعاب الخسائر.

ونظراً إلى أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية يغيران طريقة تقييم المهارات وكيفية حدوث التعلّم، يجب على الأنظمة التعليمية تكييف أساليب التدريس والتقييم وتنظيم عملية التعلّم حتى تحافظ على أهميتها.

ولا يتمثل السؤال في ما إذا كان ينبغي الابتكار، بل في ما إذا كانت ابتكارات اليوم تعزز معادلة رأس المال البشري.

ويقدم المبتكرون في القطاع الخاص مزايا حقيقية، تشمل الخبرة التقنية، والقدرة على الاستثمار، والسرعة التي لا يستطيع القطاع العام تحقيقها بمفرده. ولذلك، فإن دورهم في الابتكار التعليمي مهم وضروري في الوقت نفسه.

غير أن الابتكار التعليمي، عندما تحركه الحوافز التجارية بصورة أساسية، قد يتحول من منفعة عامة وحق من حقوق الإنسان إلى سلعة، بما يؤدي إلى تفاقم أوجه عدم المساواة وتركيز الفوائد لدى الفئات التي تمتلك بالفعل أفضل فرص الوصول إليها.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع تزايد تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي التجارية في كيفية تصميم التعلّم وتقديمه. ويتطلب ضمان خدمة الابتكار لجميع المتعلمين بصورة متساوية تصميماً مدروساً وحوكمة فعالة.

ولا يكمن المسار الصحيح في الحد من الابتكار، بل في توجيهه بصورة هادفة من خلال شراكة حقيقية بين المؤسسات العامة، والمبتكرين في القطاع الخاص، والمجتمع، والمعلّمين، والمتعلّمين أنفسهم.

وعندما تتكامل نقاط القوة لدى هذه الجهات، يمكن للتكنولوجيا أن توسع نطاق الوصول إلى التعليم، وتخفض التكاليف، وتوفر فرصاً جديدة وذات قيمة للتدريس والتعلّم.

1.2 تسارع التغير التكنولوجي

أوضح القسم السابق أن المواءمة بين التعليم والنتائج الاقتصادية تتعرض لضغوط متزايدة. ويتناول هذا القسم الكيفية التي يؤدي بها اعتماد الذكاء الاصطناعي إلى تعقيد هذا التحدي.

كما يطرح شكلاً ثانياً من عدم المواءمة، يتمثل في الفجوة بين سرعة اعتماد المتعلمين والمعلّمين للتكنولوجيا، والسرعة التي تستطيع بها المؤسسات تنظيمها وتوجيه استخدامها ودمجها.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد اتجاه ناشئ في مجال التعليم، أو تقنية يمكن للمؤسسات أن تختار اعتمادها في وقت ما مستقبلاً. فقد أصبح بالفعل جزءاً معتاداً من الطريقة التي يصل بها ملايين المتعلمين إلى المعلومات، وينجزون المهام الأكاديمية، ويفهمون العالم من حولهم.

وتكشف الأدلة عن اتساع هذا التحول وسرعته بصورة لافتة. ويُعد قطاع التعليم ثاني أكثر القطاعات كثافة في استخدام الذكاء الاصطناعي، بعد قطاع التكنولوجيا والمعلومات والإعلام فقط.

وتُظهر بيانات منصة لينكدإن ارتفاعاً كبيراً في اعتماد الذكاء الاصطناعي داخل قطاع التعليم من حيث الوظائف والمهارات المرتبطة به، وذلك استناداً إلى تقييم عدد المهن المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وعدد أعضاء لينكدإن الذين أفادوا بامتلاكهم مهارتين على الأقل من المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في كل قطاع.

كما ذُكر في الفصل السابق، كان نمو الإنفاق على التعليم أبطأ من النمو الاقتصادي الإجمالي. كما يشهد الإنفاق العام على التعليم، بوصفه نسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تراجعاً منذ عام 2021.

وكان الاستثمار الخاص في تكنولوجيا التعليم بطيئاً أيضاً منذ الجائحة، في حين يتغير حالياً توزيع الاستثمارات الخاصة داخل هذا السوق، مبتعداً عن تقنيات التعليم التقليدية الموجهة إلى مراحل التعليم من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، وعن منصات التعليم العامة، ومتجهاً نحو الأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

وينعكس هذا التحول أيضاً في اتجاهات الابتكار على نطاق أوسع. إذ تُظهر بيانات المجموعة العالمية السنوية للابتكارات التعليمية التابعة لمؤسسة «HundrED» أن نسبة الطلبات المقدمة من جهات تستخدم الذكاء الاصطناعي أداةً للابتكار التعليمي تضاعفت أربع مرات بين عامي 2022 و2025، لتصل إلى 21.6% من إجمالي الطلبات المقدمة.

ينتشر الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من التقنيات السابقة ذات الأغراض العامة، ما باغت العديد من المؤسسات التعليمية وجعلها غير مستعدة لهذا التحول. وقد بدأ كثير من المتعلمين باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بحماس، مما دفع إلى اعتماد هذه التكنولوجيا في التعلّم من القاعدة إلى القمة. وأصبح من الممكن اليوم قياس حجم هذا الاستخدام وطبيعته بمزيد من الدقة. فعلى سبيل المثال، تكشف بيانات حركة الزيارات عن نمط لافت، إذ ترتفع الزيارات إلى منصات الذكاء الاصطناعي الرئيسية بصورة كبيرة خلال الفصول الدراسية.

يستخدم الطلاب الذكاء الاصطناعي للحصول على التفسيرات، وصياغة المقالات، وترجمة النصوص، ووضع الخطط الأولية للمشروعات، وحل المهام الأكاديمية، ما يعني إسناد حصة متزايدة باستمرار من واجباتهم الدراسية إلى الآلات. ووفقاً لبحث أجرته مؤسسة «راند»، ارتفعت نسبة الطلاب الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المساعدة في واجباتهم المنزلية من 48% في مايو 2025 إلى 62% في ديسمبر 2025، رغم أن 67% منهم يدركون أن استخدامه في أعمالهم المدرسية قد يضر بقدراتهم على التفكير النقدي.

وأصبح كثيرون يلجؤون الآن إلى الذكاء الاصطناعي قبل البحث على الإنترنت أو الرجوع إلى كتاب دراسي. ويمثل ذلك تحولاً جوهرياً في الطريقة التي يبحث بها المتعلمون عن المعلومات.

من جهة، يعكس استخدام الذكاء الاصطناعي الرغبة في الحصول على الراحة وإنجاز المهام الأكاديمية بسهولة ومن دون جهد كبير. ومن جهة أخرى، تدفع إليه أيضاً الضغوط الأكاديمية المتزايدة. فقد أظهرت دراسة أُجريت على طلاب في كوريا الجنوبية أن الذين يعانون مستويات أعلى من الضغط الأكاديمي كانوا أكثر ميلاً إلى الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المساعدة، وأن الإفراط في هذا الاعتماد ارتبط بانخفاض الإبداع، وتراجع الدافعية الذاتية، وضعف التفكير النقدي.

ومن غير المرجح أن تهيئ ظروف الضغط، وأعباء العمل الثقيلة، والقلق المرتبط بالأداء بيئة تدعم الاستخدام المدروس والفعال للذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت الذي يقود فيه الطلاب عملية الاعتماد، يدمج المعلّمون أيضاً الذكاء الاصطناعي في أعمالهم اليومية. وقد وجدت دراسة حديثة أُجريت على معلّمين في إستونيا أن 53.2% منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل في التدريس، بينما بلغت نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين معلّمي المرحلة الابتدائية 66%.

وأظهر الاستطلاع العالمي لأعضاء هيئات التدريس بشأن الذكاء الاصطناعي، الصادر عن مجلس التعليم الرقمي عام 2025، أن أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي في التدريس تشمل إعداد المواد التعليمية بنسبة 75%، والمساعدة في المهام الإدارية بنسبة 58%، وتعليم الطلاب كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي وتقييمه داخل الصف بنسبة 50%، وتعزيز مشاركة الطلاب بنسبة 45%، واكتشاف الغش بنسبة 28%، وإعداد الملاحظات التقييمية للطلاب بنسبة 24%.

وتعكس هذه الاستخدامات استجابة عملية لضغوط قائمة منذ فترة طويلة، مثل إدارة أعباء العمل، وتكييف التدريس مع احتياجات المتعلمين المختلفة، وتقديم ملاحظات دقيقة واهتمام فردي بطرق كان من الصعب أو المستحيل تنفيذها سابقاً على نطاق واسع.

وعلى الرغم من أن إعداد الملاحظات التقييمية يحتل مرتبة متأخرة ضمن أولويات المعلّمين في الدراسة الإستونية المذكورة في الفقرة السابقة، فإنه يظل من أكثر الممارسات التعليمية أهمية، ومن أصعبها تنفيذاً بصورة متسقة وعلى نطاق واسع. ويوفر الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية في هذا المجال، إلا أن دمجه ليس أمراً مباشراً أو بسيطاً.

كما أن تصورات الطلاب مهمة. فقد أبرزت دراسة حديثة أجراها المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان أن المتعلمين يحملون مواقف معقدة، وأحياناً حذرة، تجاه الملاحظات التي يولدها الذكاء الاصطناعي.

ولذلك، تُعد الثقة بين الطلاب والمعلّمين والمؤسسات شرطاً أساسياً لاعتماد الذكاء الاصطناعي بصورة ذات معنى. غير أن هذه الثقة تستند حالياً إلى أسس غير مستقرة. فوفقاً لتقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد، وعلى الرغم من أن معظم الطلاب والمعلّمين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي على ما يبدو، فإن 6% فقط من المعلّمين يعتقدون أن السياسات الحالية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي توفر إرشادات واضحة.

ويبدو أن أنماط الاعتماد تتبع تسلسلاً قائماً على رد الفعل، إذ يتبنى المعلّمون الذكاء الاصطناعي استجابةً لاستخدام الطلاب له، ثم تتحرك المؤسسات استجابةً للمعلّمين. ولا تؤثر هذه الديناميكية التفاعلية في جودة الدمج فحسب، بل في نتائجه أيضاً.

وتشير الأدلة المستمدة من دراسات واسعة النطاق إلى أن الاستخدام الفعال للذكاء الاصطناعي يتطلب وقتاً، وأن اكتساب الخبرة يحسن فعلياً القدرة على العمل معه بصورة منتجة. ومن المرجح أن يظل الطلاب والمعلّمون الذين يعتمدون الذكاء الاصطناعي من دون توجيه أو ممارسة منظمة في المستويات الدنيا من منحنى التعلّم هذا، مما يحد من القيمة التي يحصلون عليها من التكنولوجيا.

ولا تزال الأبحاث الحالية حول الذكاء الاصطناعي في التعليم محدودة، ولا سيما في المراحل الممتدة من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر. ويركز جزء كبير من الأدبيات المتاحة على المتعلمين الذين تبلغ أعمارهم 18 عاماً فما فوق، ويُجرى في ظروف مقيدة، مثل التجارب التي تُنفذ مرة واحدة لمدة 20 دقيقة، كما يدرس في الغالب النتائج قصيرة الأجل.

وحتى الأساليب الراسخة والقائمة على الأدلة في التعليم كثيراً ما تعجز عن التنبؤ بالبيئات التي يمكن أن تتوسع فيها الابتكارات بنجاح. ومن الناحية المثالية، ينبغي أن تستند عملية اتخاذ القرار إلى الأدلة، إلا أن هذه الأدلة لا تزال غائبة إلى حد كبير في حالة الذكاء الاصطناعي في التعليم.

وإذا انتظر قادة التعليم ظهور نتائج حاسمة قبل اتخاذ أي إجراء، فقد تكون الفرصة المتاحة لتوجيه دور الذكاء الاصطناعي في التعلّم قد أُغلقت بالفعل.

وتبدو المفارقة واضحة، فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الطريقة التي يتعلّم بها ملايين الأشخاص، ومع ذلك لم يتلق معظم المتعلمين أي تعليم رسمي بشأن كيفية استخدامه في التعلّم.

ولا يمثل ذلك مجرد فجوة يمكن سدها من خلال تدريب أفضل، بل يعكس إخفاقاً في الحوكمة. فالتكنولوجيا التي تؤثر بصورة مباشرة في التعلّم يجري اعتمادها خارج نطاق الرقابة المؤسسية، ومن دون مواءمتها مع الأهداف التعليمية، ومن دون آليات تضمن أن يدعم استخدامها التعلّم بدلاً من تقويضه.

ولا يرجع ذلك إلى عدم رغبة المؤسسات في الابتكار، بل يعكس عدم توافق هيكلي بين سرعة تطور الذكاء الاصطناعي والسرعة التي تستطيع بها المؤسسات تكييف مناهجها وآليات التقييم واللوائح المنظمة لديها.

وقد صُممت معظم الأنظمة التعليمية حول أهداف تتعلق بالإنصاف، وإتاحة الوصول، وتحقيق نتائج اجتماعية واقتصادية أوسع، وهي أهداف تتطلب التروي واتباع الإجراءات الواجبة قبل الالتزام بالتغيير.

ولا يقتصر فهم الفجوة بين إتاحة التكنولوجيا والغاية من التعليم على كونه تمريناً تحليلياً، بل يمثل نقطة البداية للإطار المقدم في هذه الورقة. فالنمط الموصوف في هذا القسم، والمتمثل في اعتماد سريع وغير موجه يؤدي إلى عدم المواءمة بين مختلف مستويات النظام، هو تحديداً ما صُمم إطار الجاهزية المنسق لمعالجته.

1.3 الوعود التي يقدمها الذكاء الاصطناعي للتعليم

دعم دور المعلّم: التعزيز والأتمتة

تحسين التقييم وصنع القرار في التعليم

تعزيز الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي ومحو الأمية الرقمية

تخصيص محتوى التعلّم وتجربته

تناول الإصدار السابق من هذه السلسلة، بعنوان «صياغة مستقبل التعلّم: دور الذكاء الاصطناعي في التعليم 4.0»، الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأنظمة التعليمية.

وقد أدت التقنيات الرقمية دوراً محورياً في توسيع فرص الوصول الشامل إلى التعليم خلال العقود الأخيرة، إلا أن مخاوف كبيرة لا تزال قائمة، كما لا تزال بعض الفجوات واسعة.

وسلط التقرير الضوء على إمكانات الذكاء الاصطناعي في معالجة تحديات مستمرة، مثل ارتفاع أعباء العمل على المعلّمين، ومحدودية تخصيص التعلّم، والتأخر في التقييم وتقديم الملاحظات.

ومع تسارع وتيرة الاعتماد، أصبحت هذه الفرص أكثر واقعية ووضوحاً. غير أن أياً منها لن يتحقق تلقائياً. فكل فرصة تعتمد على ظروف ينبغي توافرها على مستوى النظام، مثل الحوكمة، والقدرات المؤسسية، وكفاءة المعلّمين، وجاهزية المتعلمين. ولا يمكن افتراض وجود هذه الظروف، بل يجب بناؤها بصورة مقصودة.

ويكتسب فهم ما قد يحدث في غياب هذه الظروف أهمية لا تقل عن إدراك الإمكانات التي يمكن تحقيقها عند توافرها.

ولا تزال إمكانات الذكاء الاصطناعي في دعم المعلّمين وتعزيز عملهم كبيرة. وتكتسب هذه الفرصة أهمية خاصة في ضوء التوقعات بحدوث نقص عالمي يبلغ 44 مليون معلّم بحلول عام 2030، مع تأثر بلدان الجنوب العالمي بدرجة أكبر.

ويمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في إعادة تعريف طبيعة العمل في التعليم وجودته من خلال أتمتة المهام المتكررة والإدارية، مما يتيح للمعلّمين التركيز على الأنشطة الأعلى قيمة، مثل التدريس الفردي، والإرشاد، والإبداع.

وتشير الأبحاث إلى أن ما يصل إلى 20% من وقت المعلّمين يُخصص حالياً لأداء مهام إدارية يمكن أتمتتها، في حين يمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز ما بين 8% و20% من المهام التحليلية، مثل تخطيط الدروس وتقييم الأداء.

ومن خلال تخفيف هذه الأعباء، يستطيع الذكاء الاصطناعي تمكين المعلّمين من تخصيص مزيد من الاهتمام للتفاعلات الشخصية، والدعم العاطفي، والتواصل مع أولياء الأمور.

غير أن تحقيق هذه الفوائد يتطلب تصميماً مدروساً على مستوى النظام، واستثماراً مستداماً في تدريب المعلّمين، لضمان قدرتهم على إدارة الأتمتة بفعالية وتعزيز الكفاءات التي تركز على الإنسان.

غالباً ما تكون أساليب التقييم التقليدية خطية وتستغرق وقتاً طويلاً، وقد تعجز عن تقديم ملاحظات للمتعلمين في الوقت المناسب. ويمكن للتحليلات القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تقدم ملاحظات فورية ومخصصة على نطاق واسع، مما يساعد المتعلمين على تحديد الأخطاء، ويتيح للمعلّمين تكييف التدريس في الوقت الفعلي.

كما يمكن لنماذج التقييم المستمر أن تقلل الاعتماد على الامتحانات ذات العواقب المصيرية، مما يعزز بيئات تعلّم أكثر تفاعلاً وقدرة على التكيف.

وعلى مستوى النظام، تستطيع التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تمكين المدارس ووزارات التعليم من اكتشاف فجوات التعلّم، والتنبؤ باتجاهات الأداء، واتخاذ قرارات مدروسة وقائمة على البيانات في الوقت المناسب، بما يحول إدارة التعليم من نموذج قائم على رد الفعل إلى نموذج أكثر استجابة وقدرة على التنبؤ.

ويتجاوز دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم مجرد اعتماد أدوات جديدة، إذ يتطلب أيضاً تعليم الطلاب كيفية فهم هذه الأدوات، والتشكيك في مخرجاتها، واستخدامها بصورة مسؤولة.

وينبغي أن يتعلم الطلاب كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقييم المعلومات المتاحة عبر الإنترنت، والتعرف على المعلومات المضللة، والتفاعل النقدي مع بيئات التعلّم الرقمية، مع فهم الآثار المجتمعية الأوسع للذكاء الاصطناعي.

وسيساعد تدريس هذه الكفاءات في المدارس على إعداد المتعلمين للتعامل مع اقتصاد تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، والمشاركة في المجتمع بوصفهم مواطنين واعين.

كما يضمن إدماج الأمن السيبراني، والوعي بالتحيزات، وأخلاقيات البيانات في المناهج الدراسية قدرة الطلاب على استخدام الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، والمساهمة في تشكيل مستقبل تكنولوجي أكثر إنصافاً.

وربما يتمثل الأثر الأكثر مباشرة للذكاء الاصطناعي في قدرته على تقديم تعلّم مخصص على نطاق واسع. واستناداً إلى الأبحاث التي تثبت فعالية التدريس الفردي، تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي محاكاة بعض عناصر التعليم المخصص من خلال تعديل المحتوى، وسرعة التعلّم، ومستوى الصعوبة وفقاً لتقدم كل طالب وتفضيلاته واحتياجاته.

كما يمكنها تحديد فجوات التعلّم، وتوقع التحديات، وإنشاء مسارات تعليمية مخصصة، وتقديم ملاحظات ومواد تتوافق مع نقاط قوة المتعلمين وتساعدهم في معالجة جوانب الضعف.

ومن المهم أن يظل المعلّمون في صميم عملية تفسير الرؤى التي يولدها الذكاء الاصطناعي ووضعها في سياقها، بما يضمن ملاءمتها ثقافياً، واستخدامها بصورة أخلاقية، والحفاظ على تفاعل عاطفي ذي معنى مع الطلاب.

ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أيضاً تعزيز إمكانية الوصول من خلال الترجمة الفورية، وإضافة النصوص المصاحبة، وتقديم المحتوى بصيغ متعددة، مما يدعم المتعلمين من ذوي الإعاقة ويعزز التعليم الشامل.

ومن خلال هذه الفرص الرئيسية، يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على تعزيز القدرات البشرية في التعليم، ولكن بشرط توافر الظروف اللازمة.

ففي غياب الحوكمة المناسبة، قد تُستخدم هذه الأدوات من دون مساءلة. وفي غياب الاستثمار في المعلّمين، قد يجري اعتمادها بصورة سطحية أو تواجه مقاومة. وفي غياب الاهتمام بالإنصاف، ستتركز فوائدها لدى الفئات التي تحصل بالفعل على أفضل الخدمات التعليمية.

ويتناول القسم التالي المخاطر التي تنشأ عند غياب هذه الظروف على مستوى النظام، والتي تزداد حدتها مع استمرار اعتماد الذكاء الاصطناعي من دون استجابة منسقة.

2. مخاطر اعتماد الذكاء الاصطناعي بصورة غير منظّمة

يعكس كل خطر من المخاطر التالية طريقة مختلفة قد يقوّض بها الذكاء الاصطناعي الأهداف الأساسية للأنظمة التعليمية إذا لم تُدر إدارته بصورة مقصودة ومدروسة. والمخاطر الموضحة أدناه ليست افتراضية، بل يمكن ملاحظتها بالفعل في الأنظمة التعليمية حول العالم. وتشترك جميعها في سمة واحدة، وهي أن حدتها تتفاقم في غياب الظروف النظامية التي يحددها إطار الجاهزية.

إذ يزداد الضمور المعرفي عندما تعجز الممارسات التربوية عن التكيف، وتنتشر المعلومات المضللة بدرجة أكبر عندما تغيب الثقافة الرقمية، وتتآكل النزاهة الأكاديمية عندما تتأخر أطر الحوكمة عن مواكبة التطورات التكنولوجية، ويضعف التواصل الإنساني عندما تعطي المؤسسات الأولوية للكفاءة على حساب التعلّم القائم على العلاقات الإنسانية.

ولا تمثل هذه المخاطر مشكلات منفصلة تتطلب حلولاً منفصلة، بل هي نتائج مترابطة لاختلال المواءمة على مستوى النظام.

2.1 الضمور المعرفي

تمثل قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليل الجهد المعرفي تهديداً محتملاً للتعليم، ليس على الرغم من فعاليته، بل بسبب هذه الفعالية تحديداً. ويصبح هذا الخطر أكثر وضوحاً لدى الأطفال والشباب الذين لا يزال نموهم العصبي في طور التشكّل.

قال عالم الفيزياء ليونارد سوسكيند ذات مرة: «إذا كانت الحاجة أمّ الاختراع، فإن الكسل أبوه». ويعكس ذلك، من جوانب عديدة، سمة أساسية في الدماغ البشري، وهي ميله إلى الحفاظ على الطاقة وتقليل الجهد كلما كان ذلك ممكناً.

يسعى البشر بطبيعتهم إلى إيجاد طرق أسهل لإنجاز المهام، وقد اعتمدت المجتمعات عبر التاريخ أدوات تقلل الجهد الذهني. غير أن هناك فرقاً مهماً بين الأدوات التي توسّع القدرات المعرفية للإنسان وتلك التي تحل محلها.

فعندما يستخدم الطالب آلة حاسبة للتحقق من عملية حسابية معقدة، يظل فهمه الرياضي قائماً. أما عندما يستخدم نظاماً للذكاء الاصطناعي لتنفيذ جميع خطوات التفكير اللازمة لحل مسألة ما، فقد لا يحدث أصلاً ذلك العمل المعرفي الذي كان سيبني الفهم.

وينتقل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مستوى جديد يختلف من حيث طبيعته. فبينما كانت الأدوات السابقة تؤتمت المهام الميكانيكية الروتينية، أصبحت النماذج اللغوية الكبيرة قادرة على أداء وظائف معرفية عليا، مثل صياغة الحجج، ومقارنة الأدلة، وتنظيم التحليل، وإنتاج التفسيرات.

ومن خلال أتمتة عملية التفكير، قد تحرم هذه الأدوات الدماغ من الجهد والصراع الذهني اللذين يتكون الفهم من خلالهما.

وتدعم نتائج الأبحاث هذا الاستنتاج. ففي إحدى التجارب، تحسن أداء الطلاب الذين أُتيح لهم استخدام أداة للذكاء الاصطناعي في البداية، لكن أداءهم أصبح أسوأ من أداء الطلاب الذين لم يستخدموا الأداة مطلقاً بعد سحبها منهم.

فالتعلّم ليس عملية سلبية لامتصاص المعلومات، بل هو جهد نشط يعزز البنية العصبية المسؤولة عن التعلّم.

وينمو الدماغ البشري من خلال الانخراط الذي يتطلب جهداً. فالمسارات العصبية التي تُنشَّط بصورة متكررة تصبح أكثر كفاءة من خلال عملية تُعرف باللدونة المعتمدة على الخبرة.

وعندما تظل هذه المسارات خاملة بسبب إسناد العمل المعرفي إلى جهة أخرى، فقد تضعف بالطريقة نفسها التي تضمر بها العضلات عند عدم استخدامها.

ويمكن أن يستمر نمو قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن التفكير والتركيز والتحكم في السلوك، حتى العقد الرابع من العمر. ولذلك، قد يؤدي عدم تحفيز هذه المسارات العصبية بالقدر الكافي لدى الأطفال والشباب إلى عواقب مدمرة على قدرتهم المستقبلية على التعلّم.

ويحتاج الفضول أيضاً إلى الممارسة. فعندما يحصل المتعلمون باستمرار على الإجابات بدلاً من العمل للوصول إليها، قد تضمر لديهم الرغبة في الفهم ذاتها.

وقد يصبح جيل من المتعلمين تُحل مشكلاتهم الفكرية بصورة روتينية بالنيابة عنهم أقل قدرة، ليس فقط على التفكير باستقلالية، بل حتى على امتلاك الرغبة في ذلك.

وتتداخل هذه المخاطر مع تحديات قائمة بالفعل لدى الشباب، مثل تزايد القلق، وصعوبة التركيز، وقِصر مدة الانتباه، وصعوبة تعلّم أشياء جديدة، وهي مشكلات وثقتها دراسات متعددة.

وتتزامن هذه الظواهر مع انتشار الهواتف الذكية والمحتوى الذي تنظمه الخوارزميات وفقاً لاهتمامات المستخدمين. وقد أعادت هذه التطورات مجتمعة تشكيل الطريقة التي يتفاعل بها الشباب مع المعلومات.

وتُظهر الأبحاث المتعلقة بتعدد المهام الرقمية بصورة متكررة ارتباطه بانخفاض الأداء الأكاديمي، وضعف الفهم، وتراجع القدرة على التنظيم الذاتي، وهي أنماط تشبه ما يحدث عند إسناد الجهد المعرفي إلى الذكاء الاصطناعي.

ويعزز هذان التحديان أحدهما الآخر. فالطلاب المعتادون على الانتقال المستمر بين المهام يكونون أقل ميلاً إلى الانخراط في العمل البطيء والصعب الذي يتطلبه التعلّم العميق، بينما تزيد أدوات الذكاء الاصطناعي التي تزيل هذه الصعوبة من ترسيخ هذا السلوك.

ويصبح خطر إسناد العمليات المعرفية إلى التكنولوجيا أكثر حدة في ظل التراجع القائم بالفعل في نتائج التعلّم.

فحتى قبل الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التجارية، أظهرت بيانات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تراجعاً كبيراً في أداء الطلاب في الرياضيات والقراءة والعلوم منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

ولا يقتصر الأمر على الأطفال والشباب؛ فالبالغون أيضاً ليسوا بمنأى عن هذه التحديات. فقد أظهر مسح مهارات البالغين لعام 2024، الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تراجع مستويات القراءة والكتابة في 11 دولة، وانخفاضها بين البالغين الحاصلين على تعليم عالٍ في 13 دولة. وتعكس هذه الاتجاهات تفاعلاً معقداً بين عدة عوامل، من بينها تزايد استخدام الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والجائحة، وغيرها من الاضطرابات.

وفي ظل هذه الظروف، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم أوجه الضعف القائمة من خلال تقليل فرص الانخراط المعرفي النشط، بدلاً من أن يكون السبب الرئيسي وراء هذا التراجع.

وتكشف هذه النتائج أن حتى الفئات ذات المستويات التعليمية المرتفعة بدأت تفقد الكفاءات اللازمة للتعامل مع بيئة تتسم بوفرة المعلومات. وقد تعكس الأنماط المذكورة أعلاه تغيراً في الطريقة التي ينبغي للبشر أن يستخدموا بها أدمغتهم في نهاية المطاف. فعلى سبيل المثال، نستخدم اليوم هواتفنا الذكية في معظم العمليات الحسابية، ولذلك لا نمارس بعض المهارات العددية بالانتظام نفسه. كما تتراجع الثروة اللغوية، وربما يعود ذلك إلى تغير عادات القراءة لدى الناس.

ووفقاً لإطار «التعليم 4.0» الصادر عن المنتدى، فإن الكفاءات الأكثر أهمية خلال العقود المقبلة، مثل حل المشكلات المعقدة، والتفكير التحليلي، والإبداع، تعتمد على ممارسة مستمرة للعمليات المعرفية التي تتطلب جهداً.

ومع تحوّل أسواق العمل نحو مهام غير روتينية تتطلب إصدار الأحكام، والاستدلال القائم على السياق، والحدس الأخلاقي، فإن هذه القدرات تحديداً هي التي يُفترض أن ينمّيها التعلّم العميق، بينما يميل إسناد الجهد المعرفي إلى الذكاء الاصطناعي إلى إضعافها.

ولا يمثل ذلك مصدر قلق للتعلّم الفردي فحسب، بل أيضاً لتكوين رأس المال البشري على المستوى الجماعي. إذ يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تدعم الممارسين ذوي الخبرة من خلال توسيع نطاق وصولهم إلى المعلومات وتقليل الأعباء الروتينية.

غير أنها قد تفرض تحديات على المبتدئين الذين يفتقرون إلى المعرفة الضمنية اللازمة للحكم على الحالات التي تكون فيها مخرجات الآلة خاطئة. فإذا جرت الخبرات المهنية التكوينية من خلال أنظمة تتولى التفكير نيابة عن المتدربين، فقد لا يتمكن ممارسو المستقبل مطلقاً من تطوير الحدس المعرفي والأخلاقي الذي تتطلبه أدوارهم.

ولذلك، لا يتمثل القلق في أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الخبراء، بل في أنه قد يمنع، في ظل ظروف معينة، ظهور هؤلاء الخبراء من الأساس.

وتزداد هذه التطورات إثارة للقلق في ضوء أن «الاستعداد للتعلّم» بات يظهر في نحو 20% من إعلانات الوظائف المنشورة عبر الإنترنت في أوروبا، وهي نسبة تفوق أي متطلب آخر مذكور.

غير أن قابلية التعلّم تعتمد على القدرات الأكثر عرضة للتهديد بسبب الاعتماد غير النقدي على الذكاء الاصطناعي، وهي الوعي بعمليات التفكير، والانتباه المستمر، والذاكرة.

وتنشأ الرؤى الإبداعية من إعادة تنظيم عصبي تلقائية للعلاقات بين المفاهيم المخزنة بالفعل في العقل. ولا يستطيع الدماغ إنشاء روابط بين مفاهيم لم تُخزّن فيه أصلاً. فالعقل الذي أسند قاعدته المعرفية إلى أنظمة خارجية يكون قد أسند أيضاً الشروط الأساسية اللازمة لإنتاج أفكار أصيلة.

ولا تقتصر وظيفة المدارس على نقل المعرفة، بل تدرب الدماغ أيضاً على التعامل معها. وعندما يتجاوز المتعلمون هذه العملية باستمرار، فإنهم يتجاوزون أيضاً عملية التثبيت العصبي التي تجعل التعلّم المستقبلي ممكناً.

2.2 الهلوسة والمعلومات المضللة

يمثل إنتاج الذكاء الاصطناعي للمعلومات المضللة تهديداً للتعليم يختلف نوعياً عن مخاطر المعلومات السابقة، لأنه يقوض العادات المعرفية المرتبطة بتقييم المعرفة، وهي العادات التي يُفترض أن يبنيها التعليم نفسه.

فللمرة الأولى، لا تُنقل المعلومات فحسب، بل تُركّب أيضاً بواسطة أنظمة تتجاوز طلاقتها اللغوية في كثير من الأحيان مستوى موثوقيتها الواقعية.

وتُنتج النماذج اللغوية الكبيرة جملاً مترابطة استناداً إلى أنماط إحصائية، وأحياناً من دون أدلة، مما يؤدي إلى ما يسميه الباحثون «الهلوسة»، أي تقديم عبارات غير صحيحة من الناحية الواقعية أو مختلقة بالكامل بثقة بلاغية تامة.

ولا يكمن الخطر في مجرد وجود معلومات غير دقيقة، بل في وصولها بصيغة مصممة لتعزيز قابلية تصديقها، وهو ما يجعلها مثيرة للقلق بصورة خاصة في البيئة التعليمية.

وحتى مع تحسن النماذج، تظل الهلوسة خطراً كبيراً. وتشير أبحاث حديثة إلى أنه عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي...

وتشير أبحاث حديثة إلى أنه عندما تهلوس نماذج الذكاء الاصطناعي، فإنها تميل إلى استخدام لغة أكثر ثقة مقارنةً بالحالات التي تقدم فيها معلومات صحيحة، ما يجعلها أكثر ميلاً بنسبة 34% إلى استخدام عبارات مثل «بالتأكيد» و«حتماً» و«من دون أدنى شك» عند توليد معلومات خاطئة.

وفي البيئات التعليمية، يواجه المتعلمون خطر ترسيخ معيار معرفي يحل فيه ما يبدو معقولاً محل الحقيقة. فعندما يتلقى الطالب إجابة من الذكاء الاصطناعي تتسم بالطلاقة وحسن التنظيم، تكون الصفات التي تدل عادةً على الموثوقية في التواصل البشري، مثل الاتساق والثقة والشمول الظاهري، حاضرة بصرف النظر عن الدقة الواقعية للمحتوى.

ويهدف التعليم إلى تنمية اليقظة المعرفية، أي القدرة على طرح السؤال: «كيف أعرف أن هذا صحيح؟». فالتعلّم يشمل التحقق من المصادر، وإثبات النظريات، وتقييم الادعاءات التاريخية أو العلمية. غير أن الإفراط في الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما الأدوات التجارية غير المهيأة للتعلّم، قد يقلب هذه العلاقة رأساً على عقب، ويشجع على القبول بدلاً من الاستقصاء.

ولا تتوزع أوجه الضعف هذه بالتساوي بين مختلف الفئات العمرية. فالأطفال في المرحلة الابتدائية أقل ميلاً إلى التشكيك في مصدر يتحدث بنبرة توحي بالسلطة، وأكثر عرضة لتكوين تصورات خاطئة تستمر معهم. أما الطلاب الأكبر سناً، فعلى الرغم من قدرتهم الأكبر على تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، فقد يختارون عدم القيام بذلك بسبب الضغوط الأكاديمية.

كما أن المعلّمين ليسوا بمنأى عن هذه المخاطر. فالمعلّمون الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي معرضون بالقدر نفسه للمحتوى المختلق، وقد ينقلون معلومات غير دقيقة إلى الطلاب مع ما تضيفه مكانتهم المهنية من سلطة ومصداقية.

وتتفاقم هذه المخاطر بفعل ما يصفه الباحثون بحالة «ما بعد محو الأمية»، وهي وضع تظل فيه مهارات القراءة والكتابة الأساسية منتشرة، بينما تتراجع المهارات الأعمق المرتبطة بالتفسير والتقييم والتحقق من المصادر. وفي البيئات التي تشهد فيها مهارات التقييم المتقدمة تراجعاً بالفعل، يصبح المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، بطلاقته وأسلوبه الواثق، أكثر قابلية للقبول من دون تمحيص.

وخلف الواجهة المقنعة للذكاء الاصطناعي توجد بنية بيانات غامضة. إذ تعتمد معظم النماذج اللغوية الكبيرة على نصوص عامة جُمعت آلياً من الإنترنت من دون التحقق منها، مع قدر محدود من الشفافية بشأن مصدرها أو مؤلفيها أو دقتها.

وتوجد الأبحاث الخاضعة لمراجعة الأقران، والمحتويات التجارية، والتعليقات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي جنباً إلى جنب من دون تمييز، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج التحيزات القائمة وتضخيمها. ويُعد ضبط هذه البيانات على نطاق واسع مهمة شبه مستحيلة، كما هي الحال بالنسبة إلى المعلومات المضللة.

وعلى الرغم من إمكانية الحد من المعلومات المضللة وإدارتها، فإنه لا يمكن القضاء عليها بالكامل. وحتى التصحيحات الفعالة كثيراً ما تفشل في احتواء آثارها، لأن المعلومات الكاذبة تميل إلى الانتشار على نطاق أوسع والاستمرار مدة أطول من الجهود المبذولة لتصحيحها.

ومن المتوقع أن يتفاقم تحدي المعلومات المضللة. فقد صنفت تقارير المخاطر العالمية لعامي 2024 و2025 المعلومات المضللة والمعلومات الزائفة ضمن أبرز المخاطر قصيرة الأجل، في ظل تمكين أدوات الذكاء الاصطناعي من نشرها عبر مقاطع الفيديو والصور والصوت والنصوص، وتزايد صعوبة التمييز بين المحتوى الذي ينتجه الإنسان والمحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى المؤسسات التعليمية، تترتب على ذلك آثار مباشرة، إذ يتعلّم الطلاب في بيئة معلوماتية أصبح تقييم مصداقية المحتوى فيها أكثر صعوبة باستمرار.

وتعمل المؤسسات الأكاديمية بوصفها بنية تحتية للتحقق من المعرفة، لأنها تحافظ على معايير الأدلة والاستشهادات ومراجعة الأقران التي تميز المعرفة الموثقة عن الادعاءات غير المتحقق منها.

غير أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يضع هذه البنية التحتية اليوم تحت ضغط متزايد. فعلى الرغم من أن الأبحاث المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتيح فوائد غير مسبوقة، توجد مخاوف حقيقية بشأن قدرة المؤسسات الأكاديمية على التحقق من الحجم المتزايد للأبحاث والمعارف التي ينتجها الذكاء الاصطناعي وتقييمها من دون المساس بالمعايير العلمية.

أما بالنسبة إلى المتعلمين، فإن الأثر التراكمي لهذه الظاهرة يقوض الثقة بصورة تدريجية. فالاستشهادات التي يولدها الذكاء الاصطناعي ولا تقود إلى أي مصدر، والمعلومات الخاطئة التي تُعرض بثقة وتبدو موثوقة، تضعفان الثقة ليس فقط في الأدوات الرقمية، بل في عملية التعلّم ذاتها.

وعندما تبدو آليات التحقق من المعرفة غير موثوقة، تتراجع الدافعية إلى بذل الجهد في التحقق من المعلومات. وقد ينحدر التعليم إلى ما يمكن تسميته «الحقيقة الأدائية»، حيث تُقبل الأفكار لا لأنها خضعت للفحص، بل لأنها تبدو مترابطة ومقنعة.

2.3 انهيار النزاهة الأكاديمية

يهدد الذكاء الاصطناعي بتقويض الثقة والمصداقية اللتين تقوم عليهما المؤهلات المستندة إلى الجدارة والجهد البشري الحقيقي، مما يضعف العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه التعليم.

ولم تعد النزاهة الأكاديمية تقتصر على تجنب الانتحال. بل أصبحت بصورة متزايدة تتعلق بالتوضيح الصريح لما أنجزه الطلاب بأنفسهم، وما الذي ساعدهم الذكاء الاصطناعي في إنجازه، وما إذا كان التكليف يتوافق مع ناتج التعلّم المقصود.

وأصبحت النزاهة تتطلب الحفاظ على علاقة شفافة بين الجهد البشري، والمساعدة التي تقدمها الآلة، والغاية التعليمية. غير أن هذه العلاقة يصعب تعريفها أو مراقبتها أو تقييمها.

ويعكس هذا الغموض تحولاً هيكلياً في معنى إنتاج العمل الأكاديمي. فقد أظهر تحليل أجرته شركة «أنثروبيك» لنحو 575 ألف محادثة طلابية مجهولة الهوية على منصة «Claude.ai» أن قرابة 47% منها كانت تفاعلات تهدف إلى الحصول على إجابات أو محتوى جاهز مع حد أدنى من الانخراط المعرفي، بما في ذلك طلبات مباشرة للتحايل على أدوات كشف الانتحال.

وعندما تحل الأتمتة محل التأمل والتفكير، يصبح التعليم مهدداً بالتحول إلى تمرين في إنتاج الأعمال بدلاً من عملية للتعلّم.

ويكتسب حجم هذا التحدي أهمية كبيرة. فوفقاً لاستطلاع أجرته شركة «Turnitin»، يرى 95% من المشاركين، ومن بينهم معلّمون وإداريون وطلاب، أن الذكاء الاصطناعي يُساء استخدامه بدرجة ما.

وعلى الرغم من أن الانتحال والاستعانة بالغير لإنجاز التكليفات الأكاديمية كانا دائماً من المشكلات القائمة، فقد خفّض الذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة العوائق أمام هذه الممارسات، وجعل التمييز بين إنتاج الطالب الحقيقي والمحتوى غير الأصيل أكثر صعوبة بكثير.

وخلف المخاوف المباشرة المتعلقة بالنزاهة يكمن سؤال أكثر جوهرية بشأن قيمة التقييم وغايته. فالدرجات تؤدي وظيفة عقد اجتماعي، إذ تشهد المؤسسات بأن الدرجة تعكس فهماً حقيقياً، ثم يعتمد المجتمع خارج المنظومة التعليمية على هذه الشهادة عند اتخاذ قرارات تتعلق بالتوظيف والفرص.

ولا يتمثل هدف التعليم في تحسين الدرجة، بل في تطوير المتعلّم. فإذا كانت المؤهلات تقدم صورة غير حقيقية عن أصحابها، ينهار هذا العقد، سواء بالنسبة إلى الذين طوروا قدراتهم ومهاراتهم فعلياً، أو بالنسبة إلى أصحاب العمل الذين يعتمدون على المؤهلات لاتخاذ قراراتهم.

ومن جهة أخرى، يسهم الذكاء الاصطناعي في تقليص بعض أوجه عدم المساواة القديمة في الدعم الأكاديمي. فالطلاب الذين لم تكن لديهم سابقاً إمكانية الحصول على دروس خصوصية أو مساعدة أسرية في الأعمال المدرسية أصبح بإمكانهم اليوم الاستفادة من مساعدة رقمية متاحة باستمرار.

ويمثل هذا الإتاحة الأوسع للدعم الأكاديمي فائدة حقيقية ومهمة. غير أنها تثير في الوقت نفسه مزيداً من المعضلات المتعلقة بالغش، لأن الأدوات نفسها التي قد تقوض الإنصاف تستطيع أيضاً توسيع الفرص.

ويتفاقم هذا التوتر بسبب تفاوت مستويات الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي. فالطلاب الذين يعرفون كيفية صياغة التعليمات للأداة، وتقييم مخرجاتها، وتحسينها، يحصلون على مزايا ملموسة في الاستخدامات المشروعة وغير المشروعة على حد سواء.

وقد يُعد سلوك معين متوافقاً مع النزاهة في بيئة ما، بينما يُعد مخالفة في بيئة أخرى. وتتمثل النتيجة في ظهور شكل جديد من عدم المساواة في التعليم، لا يقوم على تفاوت الوصول إلى التكنولوجيا، بل على تفاوت القدرة على استخدامها بصورة نقدية ومسؤولة.

كما تمتد مخاطر النزاهة إلى الجهات المسؤولة عن التقييم والاعتماد. فمع اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي في وضع الدرجات، وتقديم الملاحظات، وإجراء التقييمات المخصصة، يؤدي غموض الخوارزميات وتحيزاتها إلى تقويض الإنصاف والثقة اللذين تعتمد عليهما عملية التقييم.

وفي بيئة تعليمية مشبعة بالذكاء الاصطناعي، لا تُعد الشفافية في التقييم مجرد متطلب إجرائي، بل شرطاً أساسياً للجاهزية من أجل الحفاظ على الثقة والمساءلة ونزاهة التعلّم.

كما يفرض استخدام الأدوات التي تتتبع أنماط الكتابة، والتحليلات التنبؤية، ومؤشرات التفاعل لاكتشاف المحتوى غير الأصيل أو تخصيص المحتوى تحدياً إضافياً.

فمن جهة، تتيح هذه الأدوات فرصاً لتعزيز الإنصاف وتخصيص التعلّم. ومن جهة أخرى، تطمس الحدود بين التقييم والمراقبة.

وقد تخدم هذه الأساليب أغراضاً مشروعة في التقييم، لكنها تنطوي على خطر إحداث تحول جذري في العلاقة التعليمية، من علاقة قائمة على الثقة والتطور إلى علاقة مبنية على المراقبة والشك.

ولذلك، تتطلب حماية النزاهة الأكاديمية الاهتمام بكيفية استخدام بيانات الطلاب بالقدر نفسه الذي تتطلب فيه الاهتمام بما تكشفه هذه البيانات.

وإذا استمر الاعتقاد وانعدام الثقة بأن المخرجات الأكاديمية يمكن محاكاتها باستخدام الذكاء الاصطناعي، فقد يضعف ذلك ثقة الجمهور في الأنظمة التعليمية ذاتها، مثلما قوضت المعلومات المضللة الثقة في وسائل الإعلام.

ولن تكون النتيجة توسيعاً ديمقراطياً للفرص، بل العكس تماماً، أي تراجع ثقة أصحاب العمل، وانخفاض القدرة على الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي، وضعف الإيمان بالإنجاز القائم على الجدارة.

2.4 تآكل التواصل الإنساني

يهدد الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية بإضعاف الأسس القائمة على العلاقات الإنسانية في التعلّم، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن العديد من الأدوات صُممت لتحقيق الكفاءة والتخصيص والعمل على نطاق واسع، بدلاً من دعم التجربة الإنسانية المشتركة.

فالتعلّم ليس عملية معرفية فحسب، بل هو أيضاً عملية قائمة بصورة عميقة على العلاقات، وتُبنى على الثقة والتعاطف والشعور بالانتماء.

ولا يشمل ذلك التفاعل الاجتماعي وحده، بل يشمل أيضاً الحضور الجسدي. فالحركة واللعب والرياضة وغيرها من أشكال النشاط البدني تمثل عناصر أساسية في التعلّم والرفاه، وتسهم في النمو المعرفي والانتباه وتنظيم المشاعر.

ولا يتعلّم الطفل من المحتوى وحده، بل من التواصل أيضاً، مع معلّمين يلاحظونه، وأقران يتحدونه، ومرشدين يؤمنون بقدراته.

ولا يتمثل خطر الوساطة الرقمية في التشتت وحده، بل في الانفصال أيضاً، أي الضعف التدريجي في الروابط الاجتماعية والعاطفية التي يقوم عليها التعلّم الفعال.

وتظهر الأدلة على هذا الانفصال بالتزامن مع الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي. ففي عام 2024، أفادت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بأن 40% من طلاب المدارس الثانوية في الولايات المتحدة عانوا شعوراً مستمراً بالحزن أو اليأس خلال الأشهر الاثني عشر السابقة، وأن نحو نصفهم فقط شعروا بالقرب من الأشخاص في مدارسهم.

وتشير هذه المؤشرات إلى وجود صعوبات أساسية في الطريقة التي تدعم بها الأنظمة التعليمية المشاركة والانتماء والرفاه. وقد يؤدي الدمج السريع للذكاء الاصطناعي في التعلّم إلى تفاقم هذه التحديات، إذ تُعاد صياغة العناصر الأساسية للتجربة التعليمية من دون إرشادات واضحة أو دعم كافٍ.

وتؤكد الأبحاث في علوم التعلّم والتعليم ما لاحظه المعلّمون ذوو الخبرة منذ وقت طويل، وهو أن الأمان العاطفي والثقة القائمة على العلاقات شرطان أساسيان للتعلّم الفعال.

وعندما يتراجع الترابط الاجتماعي، غالباً ما يتبعه انخفاض في الانتباه والدافعية والقدرة على الصمود.

وتكون الرهانات التنموية أعلى ما يمكن في مرحلة الطفولة المبكرة، عندما يكوّن الدماغ أكثر من مليون وصلة عصبية في الثانية، تتشكل معظمها من خلال التفاعل الإنساني المستجيب.

فالتواصل البصري، ونبرة الصوت، والانتباه المشترك، والتناغم العاطفي ليست إضافات عاطفية ثانوية، بل هي الأسس البيولوجية للتعلّم.

ولا تتراجع أهمية العلاقات مع تقدم الأطفال في العمر. فالحوار التعاوني، وحل المشكلات ضمن مجموعات، وملاحظات الأقران، جميعها من العوامل القوية التي تعزز الفهم والاحتفاظ بالمعلومات على المدى الطويل.

كما تُعد قوة العلاقات بين الطلاب والمعلّمين والمرشدين ومقدمي الرعاية مؤشراً قوياً على المشاركة والنجاح التعليمي.

وعلى الرغم من أن تقنيات المعلومات حسنت كفاءة تقديم المحتوى، يظل البعد الاجتماعي للتعلّم صعب الأتمتة، حتى مع تزايد قدرة الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي على محاكاة الرفقة.

ويضيف انتشار روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي بُعداً جديداً إلى هذا التحدي، من خلال تغيير الطريقة التي يبحث بها المتعلمون عن الدعم والتواصل الاجتماعي عبر الأدوات الرقمية.

وبالنسبة إلى بعض المستخدمين، ولا سيما الذين يعانون الوحدة أو القلق الاجتماعي، قد تؤدي الرفقة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي دوراً مفيداً بالفعل.

غير أن الاعتماد المستمر على العلاقات المحاكية يهدد بطمس التمييز بين التواصل الحقيقي وتقليده، في مرحلة تنموية دقيقة تتشكل خلالها القدرة على بناء العلاقات الواقعية.

ويصبح هذا التحول مثيراً للقلق عندما يبدأ المتعلمون في إسناد التعاطف والانتباه وتنظيم المشاعر إلى الآلات، بدلاً من ممارسة هذه المهارات بأنفسهم.

وقد يشير الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي بهذه الصورة أيضاً إلى تحول في مصادر الثقة، إذ قد يمنح بعض الطلاب الآلات ثقة أكبر من تلك التي يمنحونها للعلاقات الإنسانية.

فالطلاب الذين يجدون معالجة مشاعرهم مع الذكاء الاصطناعي أسهل من مناقشتها مع أقرانهم أو آبائهم أو معلّميهم قد يواجهون صعوبة في نقل هذه المهارات إلى السياقات الواقعية، مما يعزز أنماط الإسناد الاجتماعي التي تُفوّض فيها الرعاية والتعاطف والانتباه بصورة متزايدة إلى التكنولوجيا.

وستزداد في مستقبل التعلّم أهمية القدرة على التواصل الهادف مع الآخرين، والاستماع، والانتباه، والتعاون، والاهتمام بهم.

ويؤكد إطار «التعليم 4.0» أن التكنولوجيا ينبغي أن تعزز البعد الإنساني في التعلّم، لا أن تحل محله.

كما يعكس تآكل التواصل الإنساني في بيئات التعلّم تحولات أوسع في المجتمع وسوق العمل. فمع تولي الذكاء الاصطناعي والأتمتة نطاقاً متزايداً من المهام المعرفية والروتينية، تستمر قيمة القدرات الإنسانية المميزة في الارتفاع.

وقد حدد تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي المهارات المتمحورة حول الإنسان، مثل القدرة على الصمود، والمرونة، والتعاطف، والاستماع الفعال، بوصفها من أكثر القدرات المطلوبة في أسواق العمل المستقبلية.

غير أن هذه القدرات هشة بصورة لافتة في الواقع، وشديدة التأثر بالصدمات الخارجية. ويشير تحليل صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن هذه المهارات تراجعت خلال جائحة كوفيد-19، عندما انخفضت فرص ممارستها والتعاون وتلقي الملاحظات، وأنه بحلول عام 2025 لم تعد أي مهارة متمحورة حول الإنسان إلى مستويات ما قبل عام 2019.

وإذا تراجعت هذه القدرات القائمة على العلاقات على نطاق واسع، فلن تقتصر العواقب على التعليم. فالحياة المدنية، والتماسك في أماكن العمل، والمشاركة الديمقراطية، والثقة الاجتماعية، تعتمد جميعها على القدرة على التعاون رغم الاختلافات، والاستماع باهتمام حقيقي، والاهتمام بنتائج تتجاوز المصالح الفردية.

وفي عالم تتزايد فيه وساطة الأنظمة الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي لهذه التفاعلات أو حلولها محلها، يجب الحفاظ عليها بصورة مقصودة وإدماجها في البنية الجديدة للتعلّم، بدلاً من افتراض أنها ستنشأ تلقائياً منها.

3. بناء جاهزية التعليم لعصر الذكاء الاصطناعي

3.1 إطار جاهزية الذكاء الاصطناعي للتعليم

لا تزال الاستجابات الحالية للذكاء الاصطناعي في التعليم مجزأة. إذ تركز الجهود المتعلقة بالسياسات على التنظيم والبنية التحتية، وتنصب المقاربات التربوية على الممارسات الصفية، بينما تركز الحلول التكنولوجية على الأدوات والمنصات. وعلى الرغم من أهمية كل تدخل من هذه التدخلات، فإن أياً منها لا يكفي بمفرده. فنتائج التعليم تتشكل من خلال التفاعلات بين مستويات متعددة داخل النظام، في حين تتوزع المسؤولية عن هذه النتائج بين جهات فاعلة مختلفة.

وقد صُمم الإطار المقترح لتنظيم هذه الاستجابة الجماعية وتنسيقها. ويتمثل هدفه في تحديد التغييرات التي يمكن تنفيذها اليوم، مع التركيز لا على الحلول الجذرية المزعزعة، بل على تعزيز الأسس التي يمكن من خلالها تقوية التعليم وتطويره.

3.2 مبادئ تصميم الإطار

يحدد الإطار الشروط اللازمة لتمكين الأنظمة التعليمية من اعتماد الذكاء الاصطناعي بطرق تعزز التعلّم، وتحمي الإنصاف، وتحافظ على الثقة في المؤسسات، وتدعم التنمية البشرية. وينتظم الإطار حول أربعة أبعاد مترابطة، هي: الأسس التمكينية، والقدرات المؤسسية، والممارسات التربوية، وتجارب التعلّم. ويُعد كل بُعد منها ضرورياً، لكن لا يكفي أي منها بمفرده.

المواءمة بين مختلف المستويات

رُتبت الأبعاد الأربعة عمودياً لتعكس المستويات المختلفة للنظام التعليمي، بدءاً من الأسس التمكينية العامة ووصولاً إلى التجارب الفعلية للمتعلمين. ومع الانتقال من الأعلى إلى الأسفل، يتدرج الإطار من العوامل التي تشكل البيئة العامة للنظام، إلى القدرات المؤسسية، ثم ممارسات التدريس، وأخيراً الظروف التي يتفاعل في ظلها المتعلمون مع الذكاء الاصطناعي ويستفيدون منه.

تشير الأسس التمكينية إلى الظروف الخارجية التي تحدد كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في منظومات التعلّم الأوسع. ومع حدوث التعليم بصورة متزايدة داخل بيئات رقمية ومدعومة بالذكاء الاصطناعي، لم تعد مسؤولية تشكيل هذه الظروف مقتصرة على المؤسسات الأكاديمية الرسمية، بل امتدت إلى المنظومة الأوسع من المنصات والتقنيات التي لم تُصمم أساساً لأغراض تعليمية، لكنها أصبحت اليوم مؤثرة في كيفية وصول المتعلمين إلى المعلومات وتفاعلهم معها. وتحدد هذه الظروف ما إذا كان اعتماد الذكاء الاصطناعي قابلاً للتطبيق ومنصفاً ومستداماً مالياً ومسؤولاً بيئياً على نطاق واسع.

تعكس القدرات المؤسسية قدرة المدارس والجامعات ومقدمي التدريب على توظيف الذكاء الاصطناعي عملياً بطرق تعزز التعلّم، وتحمي النزاهة والرفاه والثقة. ويشمل ذلك تنظيم النزاهة الأكاديمية والملكية الفكرية، وتهيئة ظروف آمنة للابتكار التعليمي في ظل إشراف بشري وضوابط أخلاقية، وحماية المساحات الاجتماعية والمادية التي تدعم التواصل والرفاه، وإشراك الأسر والمجتمعات بوصفها شريكاً حقيقياً في الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.

تتعلق الممارسات التربوية بالظروف التي تمكّن المعلّمين من ممارسة حكم مهني مستنير عند دمج الذكاء الاصطناعي في التعلّم. فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تحسين الوصول إلى المحتوى وتبسيط المهام التدريسية، فإن التدريس الفعال يتطلب فهماً للسياق، ومهارات قائمة على العلاقات الإنسانية، والقدرة على تحديد الحالات التي يدعم فيها الذكاء الاصطناعي التعلّم والحالات التي لا يفعل فيها ذلك. ويعتمد هذا على الاستثمار في قدرات المعلّمين، وإدارة أعباء العمل، وتصميم تقييمات ملائمة للغرض، ووضع أطر متينة لمحو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي والثقافة الرقمية.

تركز تجارب التعلّم على القدرات والظروف التي تمكّن المتعلمين من الاستفادة من التعلّم المعزز بالذكاء الاصطناعي، مع الحد من المخاطر المرتبطة به. وقد طُورت تجارب التعلّم هذه للمرة الأولى عام 2020 ضمن إطار «التعليم 4.0»، وشهدت هذه الأساليب التربوية انتشاراً كبيراً منذ نشرها.

ويتطلب تعزيز الجاهزية للتعلّم بذل جهود متواصلة من أجل تقوية التصميم الشامل والمتاح للجميع، وتطوير أساليب التعلّم التعاوني والقائم على حل المشكلات، وتوفير مسارات مخصصة وذاتية الوتيرة، وبناء أنظمة تدعم التعلّم المستمر الذي يقوده الطالب طوال حياته. وتُعد هذه الظروف مجتمعة المتعلمين ليكونوا مستخدمين فاعلين وأخلاقيين وقادرين على الصمود معرفياً في تعاملهم مع الذكاء الاصطناعي، بحيث يستفيدون من التخصيص وسرعة الحصول على الملاحظات، مع مواصلة تطوير القدرات الأعمق التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محلها.

الموازنة بين المعايير والإنصاف من جهة، والاستقلالية والمرونة من جهة أخرى

يعكس الإطار، عبر أبعاده الأربعة، مبدأ تنظيمياً ثانياً يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين المعايير والإنصاف من جهة، والاستقلالية والمرونة من جهة أخرى.

في أحد طرفي هذا التوازن، توجد الظروف التي تعطي الأولوية للاتساق والسلامة والعدالة. وتشمل هذه الظروف القواعد الواضحة، والمعايير المشتركة، والضمانات القوية، مثل حوكمة البيانات، والسلامة على الإنترنت، وتكافؤ الوصول إلى البنية التحتية. وتُعد هذه العناصر ضرورية لبناء الثقة وضمان حماية جميع المتعلمين ودعمهم على قدم المساواة.

وفي الطرف الآخر، توجد الظروف التي تعطي الأولوية للمرونة وسرعة الاستجابة والابتكار. وتشمل هذه الظروف الأساليب التي تمكّن المعلّمين والمتعلمين من التكيف مع السياق، مثل مسارات التعلّم المخصصة، وتعزيز قدرة الطلاب على اتخاذ القرار، ودمج التقنيات الناشئة في التدريس والتعلّم. وتتيح هذه الأساليب للأنظمة الاستجابة للاحتياجات المتنوعة وللبيئة سريعة التغير.

ولا يمثل ذلك تقسيماً ثابتاً، بل طيفاً متصلاً يمتد عبر جميع أبعاد الإطار. وبوجه عام، تميل الظروف على مستوى النظام إلى الحاجة إلى قدر أكبر من التوحيد ووضع المعايير، بينما تسمح الظروف الأقرب إلى ممارسات التدريس والتعلّم بدرجة أكبر من المرونة.

ومن المهم أن هذين المطلبين مترابطان؛ فوجود معايير قوية في مجالات مثل الحوكمة والسلامة يضع الأساس لمنح قدر أكبر من الاستقلالية في مجالات أخرى.

ويدعو الإطار القادة إلى التفكير في مدى ملاءمة هذا التوازن لسياقاتهم، إذ قد تؤدي الصرامة المفرطة إلى إعاقة الابتكار، بينما قد تقوض الاستقلالية غير المنضبطة الإنصاف والثقة. ولا يتمثل الهدف في إعطاء الأولوية لأحد الجانبين على حساب الآخر، بل في إدارة هذا التوازن بصورة مقصودة عبر مختلف أجزاء النظام.

ومن خلال دراسة كل فئة من فئات الإطار من هذا المنظور، لا يؤدي الإطار دور أداة تشخيصية فحسب، بل يعمل أيضاً بوصفه دليلاً استراتيجياً لتطوير أنظمة تعليمية تتسم بالإنصاف والاستعداد للمستقبل في آن واحد.

3.3 تطبيق الإطار

تكمن أهمية هذه الدراسة في سعيها إلى تجاوز النقاشات المستقطبة حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيعزز التعليم أم يضعفه. فهناك فرصة كبيرة لتسخير التكنولوجيا من أجل تحقيق قيمة ملموسة للمتعلمين.

ويتطلب ذلك فهماً مشتركاً للتحديات والفرص المقبلة، إلى جانب إطار موحد للعمل. ويمكن لهذا الإطار أن يشكل نقطة انطلاق للعمل التعاوني والتنفيذ العملي على المستويات العالمية والوطنية والمؤسسية.

وتكون هذه التطبيقات أكثر فعالية في الممارسة عندما تُنفذ من خلال حوار منظم بين الجهات المعنية. إذ يستطيع صانعو السياسات، وقادة المؤسسات، والمعلّمون، وغيرهم من الجهات الفاعلة، استخدام الإطار معاً لتقييم الظروف الحالية، وتحديد الفجوات، ومواءمة الأولويات، بما يضمن أن تكون الإجراءات المتخذة على أحد مستويات النظام مستنيرة بالإجراءات المتخذة على المستويات الأخرى ومنسقة معها، وذلك من خلال:

– إجراء تقييمات للجاهزية على مستوى النظام أو المؤسسة.

– تحديد الفجوات ذات الأولوية ضمن الفئات الست عشرة.

– مواءمة السياسات والتمويل وجهود بناء القدرات مع احتياجات الجاهزية الأكثر إلحاحاً.

– دعم المبادرات التجريبية لاختبار أساليب دمج الذكاء الاصطناعي وتحسينها.

– إنشاء آليات لرصد التقدم المحرز بمرور الوقت.

وفي حين لا تزال قاعدة الأدلة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في التعليم تتطور، فإن شروط الجاهزية تظل قابلة للتطبيق في مختلف سيناريوهات التطور التكنولوجي.

وفيما يلي مجموعة من الأسئلة المقترحة التي يمكن لخمس فئات رئيسية من الجهات المعنية أن تطرحها بعضها على بعض، بالاستناد إلى مؤشرات الإطار، من أجل توجيه العمل العملي.

وتكون هذه الأسئلة أكثر فاعلية عندما تُستخدم ضمن حوار منظم يجمع مختلف الفئات، مثل مجموعات العمل على مستوى المدارس، أو مراجعات السياسات الوطنية، أو المنتديات متعددة الأطراف التي تُعقد حول أحد أبعاد الجاهزية المحددة.

وعند استخدامه بهذه الطريقة، يتحول الإطار إلى أداة للتنسيق، ولغة مشتركة تربط بين الظروف النظامية التي تتحكم فيها الوزارة، والقرارات المؤسسية التي تتخذها المدرسة، والأحكام التربوية التي يمارسها المعلّم، وعادات التعلّم التي يطورها الطالب.

مسؤولو التعليم وصانعو السياسات

يوفر الإطار بنية تشخيصية تساعد على تحديد المجالات التي تسبق فيها السياسات الممارسات الفعلية، والمجالات التي لا تزال تعاني فجوات أساسية.

– هل لدينا ضمانات قابلة للإنفاذ لحماية بيانات الأطفال وخصوصيتهم، صُممت خصيصاً لبيئات التعلّم المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أم أننا نعتمد على أطر عامة لم تُصمم لهذا الغرض؟

– ما الأدلة المستقلة والمتاحة للجمهور التي نستخدمها لتقييم ما إذا كانت الاستثمارات الحالية في تكنولوجيا التعليم تحسن نتائج التعلّم، وهل نفهم التكلفة الإجمالية لامتلاك هذه التقنيات وتشغيلها؟

– هل نهيئ الظروف اللازمة للابتكار الآمن من خلال البيئات التنظيمية التجريبية، ومعايير المشتريات، وبروتوكولات الاعتماد، أم أن التقنيات تصل إلى الفصول الدراسية من دون تقييم منهجي؟

مديرو المدارس وقادة المؤسسات

يتعين على قادة المؤسسات تحويل السياسات الموضوعة على مستوى النظام إلى واقع تشغيلي. ويوفر الإطار أساساً منظماً للمناقشات القيادية بشأن وضع المؤسسة الحالي والمجالات التي قد تكون معرضة فيها للمخاطر.

– هل لدينا سياسة واضحة ومعلنة وقابلة للإنفاذ بشأن الاستخدام المقبول للذكاء الاصطناعي، يفهمها الموظفون والطلاب وأولياء الأمور، وهل نحدّثها مع تطور التكنولوجيا؟

– هل نعمل بصورة فاعلة على حماية المساحات المادية، والوقت المخصص، والفرص المنظمة للتفاعل الاجتماعي والتعلّم التعاوني، أم نسمح لها بالتآكل؟

– هل نشرك الأسر بوصفها شريكاً حقيقياً في القرارات المتعلقة باستخدام التكنولوجيا، وحوكمة البيانات، ورفاه الطلاب، أم نكتفي بإبلاغها بعد اتخاذ القرارات؟

المعلّمون والمربّون

يشكل المعلّمون حلقة الوصل الأساسية بين السياسات والتعلّم. ويدعم الإطار حكمهم المهني من خلال توضيح الظروف التربوية التي يدعم فيها الذكاء الاصطناعي التعلّم، والحالات التي قد يعرقله فيها.

– متى ينبغي لي أن أشجع الطلاب على استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة، ومتى ينبغي أن أصر على إنجازهم المهمة بأنفسهم؟ وهل أمتلك القدرة اللازمة لاتخاذ هذا القرار بثقة؟

– كيف يمكنني إعادة تصميم التقييمات بحيث تقيس الاستدلال والتأمل والفهم الحقيقي، بدلاً من قياس مخرجات يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاجها بسهولة؟

– هل أتلقى التطوير المهني والوقت والدعم المؤسسي اللازم لدمج الذكاء الاصطناعي بصورة مدروسة، أم يُتوقع مني التعامل مع هذا التحول إلى جانب أعباء عملي المرتفعة بالفعل؟

أولياء الأمور ومقدمو الرعاية

لأولياء الأمور مصلحة مباشرة ودائمة في تعليم أطفالهم. ويمنح الإطار الأسر لغة عملية تساعدها على الانتقال من القلق العام بشأن الذكاء الاصطناعي إلى طرح أسئلة محددة ومثمرة.

– هل يستخدم طفلي الذكاء الاصطناعي بشفافية؟ وهل أمتلك قنوات فعالة لفهم الأدوات المستخدمة، والبيانات التي تُجمع، وكيفية تأثر أدائه الأكاديمي؟

– هل يطور طفلي المهارات والعادات والعلاقات التي يُفترض أن يبنيها التعلّم، أم أنه ينتج مخرجات بمساعدة الذكاء الاصطناعي تبدو شبيهة بالتعلّم لكنها تتجاوز العملية التعليمية نفسها؟

– كيف يمكنني وضع حدود مستنيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المنزل، وأين يمكنني الحصول على إرشادات تساعدني في دعم تعامل طفلي المسؤول مع هذه الأدوات؟

الطلاب والمتعلمون

يمثل الطلاب أطرافاً فاعلة تؤثر اختياراتهم في نموهم الشخصي. وتتناول مؤشرات جاهزية المتعلم في الإطار هذه القدرة على اتخاذ القرار بصورة مباشرة.

– هل أعمل على بناء قدرات ستظل مهمة خارج الفصل الدراسي، مثل الاستدلال والتعاون والمثابرة، أم ألجأ إلى طرق مختصرة تبدو مفيدة الآن لكنها تضعف قدراتي بمرور الوقت؟

– هل أفهم الفرق بين أن يساعدني الذكاء الاصطناعي على التعلّم وأن يتولى التعلّم نيابة عني؟ وهل أكون صادقاً مع نفسي بشأن ما يحدث فعلياً؟

– هل أحافظ على علاقات حقيقية، وأسعى إلى تعاون فعلي، وأمارس المهارات الاجتماعية والعاطفية التي لا تستطيع أي تكنولوجيا تطويرها نيابة عني؟

تعني سرعة التغير التكنولوجي أن التوازن بين المعايير والاستقلالية، وبين الكفاءة والتواصل الإنساني، سيتطلب إعادة ضبط مستمرة.

فالفجوة الهيكلية نفسها التي دفعت إلى تطوير هذا الإطار، والمتمثلة في الفرق بين سرعة تطور الذكاء الاصطناعي والسرعة التي تستطيع بها المؤسسات الاستجابة له بصورة مدروسة، ليست مشكلة يمكن حلها مرة واحدة، بل هي حالة ينبغي إدارتها بصورة نشطة ومتواصلة.

وقد صُممت مؤشرات الإطار لدعم هذه العملية المستمرة، لا بوصفها أداة تدقيق ثابتة، بل مرجعاً حياً للمناقشات التي تحافظ على جاهزية الأنظمة التعليمية بصورة حقيقية.

مقالات ذات صلة