طالما صُوّرت ريادة الأعمال في الخطاب السائد باعتبارها الفردوس المنشود والمسار الأوحد لنيل الاستقلالية وتحقيق الذات. غير أن دراسة حديثة أطلقتها كلية كينجز للأعمال تأتي لِتُبيّن أن هذا الوعد لا يتحقق للجميع على حد سواء، بل إن ثمارها لا تؤكل إلا بشرط.
استند الباحثون في هذه الدراسة إلى مسح ميداني استهدف أكثر من ثلاثة آلاف رائد أعمال، يتوزعون على مائة وثلاثة وأربعين إقليماً داخل ثماني عشرة دولة أوروبية. وتوصلت النتائج إلى أن مؤسسي المشاريع الذين تنبع دوافعهم الأساسية من حب الاستقلال والشغف بالإبتكار يسجلون مستويات أعلى بكثير من الرضا عن حياتهم، مقارنة بأولئك الذين تحركهم في المقام الأول دوافع جمع المال أو نيل الجاه والمكانة الاجتماعية. ولا يرجع هذا الفارق الملموس إلى مجرد تباين في حجم الأعباء أو حدة الضغوط المالية فحسب، بل إن مردّه العميق يعود إلى المنظومة القيمية التي جذبت الفرد لتأسيس مشروعه منذ الخلية الأولى.
جوهر القيم وأثرها المزدوج
تبين الدراسة أن المنظومة القيمية لدى الإنسان تشبه أداة ذات حدين؛ فرواد الأعمال الذين يضعون أولوية قصوى لتقرير المصير، والحرية الإبداعية، والتجديد الشغوف، يظهرون قدرة أعلى على التكيف، ومستويات أدنى من الضغط النفسي، إلى جانب اندماج وجداني واستغراق أكمل في تفاصيل أعمالهم. وعلى النقيض من ذلك، فإن الأشخاص الذين يربطون بوصلتهم بالمكافآت الخارجية، مثل تحصيل الثراء السريع، أو اعتلاء المنصات، أو تحصين المكانة الاجتماعية، يدفعون ضريبة ثقيلة تتمثل في انخفاض معدلات الرضا عن الحياة وزيادة الشحن النفسي والإجهاد العصبي. والواقع أن ريادة الأعمال قد تفتح الباب للمرء للتعبير عن غاياته، بيد أن تلك الغايات لا تتساوى جميعاً في قدرتها على إغناء الروح وسكينة النفس.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الذات، بل تلعب الثقافة السائدة في البيئة المحلية دوراً محورياً؛ إذ ترتفع معدلات الطمأنينة والرفاهية النفسية كلما تجاوبت قيم رائد الأعمال وتناغمت مع البيئة الاستثمارية المحيطة به. وتستقطب المناطق التي تعزز قيم العدالة، والتعامل المتكافئ، وتشجيع المبادرات الفردية، النصيب الأكبر من النجاح النفسي والمؤسسي. وبخلاف ذلك، فإن البيئات التي تكرس ثقافة التفاخر بالمكانة والتفاضل الطبقي لا توفر أي حماية يُعتد بها حتى لأولئك المؤسسين الشغوفين بالمنافسة وحصد الألقاب. ومن اللافت في نتائج الدراسة أن أفضل البيئات الداعمة لا تتحدد دائماً على المستوى الوطني للدول، بل تظهر جلياً في أقاليم ومقاطعات بعينها داخل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وقبرص، مما يبرز حجم التباين الثقافي في ممارسة الأعمال حتى داخل الحدود الجغرافية للبلد الواحد.
يخلص الباحثون إلى وصف القيم التي يحملها رائد الأعمال بأنها سلاح ذو حدين؛ فالنزوع إلى الاستقلالية والابتكار يمنح صاحبه حصانة ومكاسب نفسية جليلة، في حين أن السعي المحموم وراء المكانة والتقييم الخارجي يفرض على صاحبه كلفة إنسانية باهظة. وإن في هذا المفهوم لدلالة بالغة العمق؛ ففي الوقت الذي يُروج فيه لريادة الأعمال كدواء عام لجميع الأسقام الاقتصادية، يتضح أن أثرها على الصحة النفسية والعقلية للمرء مرهون بالسبب الذي دفعه لخوضها، وبالبقعة التي يمارس فيها هذا النشاط.
تضع هذه الحقائق واضعي السياسات والمستثمرين أمام مسؤولية جديدة؛ إذ إن بناء بيئة ريادية صحية ومستدامة يتطلب ما هو أبعد من مجرد ضخ رؤوس الأموال وتخفيف القيود الإدارية، فللثقافة البيئية كلمتها الحاسمة. أما الدرس الأهم بالنسبة لمؤسسي المشاريع فهو درس ذاتي بامتياز: إن المحركات والدوافع الأولى التي تجذبك لدخول عالم ريادة الأعمال هي ذاتها التي ستحدد مستقبلاً ما إذا كانت هذه الرحلة ستمدك بأسسباب الحياة والارتقاء، أم أنها ستأكل طاقتك وتستنزف وجودك.
