منذ إطلاق نموذج ""تشات جي بي تي"" في عام 2022، انتشرت فكرة ساخرة متكررة مفادها: ""أريد من الذكالي أن يتولى عني غسيل الملابس وجلي الأطباق لأتفرغ أنا للرسم والكتابة، لا أن يتولى هو الرسم والكتابة لأتفرغ أنا لغسيل الملابس وجلي الأطباق"".
تعبر هذه المقولة ببراعة عن الشعور بأن أنشطة مثل الفن والكتابة هي أعمال إنسانية أصيلة بامتياز، وينبغي أن تظل نائية عن تغول الذكالي. غير أن الواقع، بطبيعة الحال، جاء على عكس ذلك تماماً؛ إذ اختارت موسوعة ""ميريام وبستر"" مصطلح ""ردام الذكالي"" ليكون كلمة العام، في تجسيد واضح للكميات الهائلة من المحتوى المصنوع آلياً والذي يغمر شبكة الإنترنت.
بين خيار الكتابة والتخلي عنها
بالنسبة للكثيرين ممن ينتجون هذا النوع من المحتوى، لا يتطرق القرار إلى المفاضلة بين القيمة الفنية أو الإبداعية أو الفكرية، بل يتعلق بكون المحتوى جيداً بدرجة تكفي لتحقيق أهدافهم التجارية. ومما لا شك فيه أن هؤلاء سيتشجعون بنتائج دراسة جديدة تشير إلى أن الذكالي بات قادراً الآن على محاكاة أسلوب الكاتب بدقة متناهية وإقناع شديد، إلى حد يجعله يستعصي حتى على الخبراء الأدبيين المدربين التمييز بينه وبين الأصل. وإن لهذا الأمر تبعات عميقة الأثر على مجالات الإبداع، والتجارة، وقوانين حقوق الملكية الفكرية.
أجرى هذه الدراسة باحثون من جامعة ميتشيغان، وجامعة ستوني بروك، وجامعة كولومبيا؛ حيث صمموا سلسلة من التجارب التي من شأنها أن تبعث القلق في نفس كل من يكسب قوته بسن القلم. فعندما زُودت أنظمة الذكالي بتعليمات بسيطة لمحاكاة صوت كاتب معين، وهو أسلوب يُعرف باسم ""التوجيه السياقي""، تمكن الخبراء الحاصلون على مؤهلات متقدمة في برامج الماجستير في الفنون الجميلة غالباً من كشف هذا التزوير الأدبي. غير أن القراء العاديين رَجحوا في أحيان كثيرة كفة النصوص المنتجة آلياً على تلك التي خطتها أيدي البشر.
نثر صُقل بدقة
لكن الصدمة الحقيقية تجلت عندما انتقل الباحثون إلى أسلوب ""الضبط الدقيق""، وهو منهج يعتمد على تدريب نموذج الذكالي على كافة الأعمال الكاملة لكاتب ما. وعند تلك النقطة، انهارت الدفاعات التحليلية للخبراء أنفسهم؛ إذ منحوا مراراً وتكراراً كتابات الذكالي تقييمات أعلى من حيث الأمانة الأسلوبية والجودة العامة.
إن الأرقام الاقتصادية هنا تصدم الألباب؛ إذ تبلغ تكلفة تدريب نموذج الذكالي لمحاكاة أسلوب كاتب معين نحو 81 دولاراً، في حين أن الاستعانة بكاتب محترف لإنتاج الكمية نفسها من النثر تكلف زهاء 25,000 دولار. يمثل هذا انخفاضاً هائلاً في التكلفة بنسبة 99.7 بالمائة، وهو نوع الارتفاع في الكفاءة الذي يعيد تشكيل القطاعات بأكملها بين عشية وضحاها.
تكشف الدراسة عن تباين لافت بين تفضيلات الخبراء وعامة القراء. فقد اشمأز القراء من حملة الماجستير في الفنون الجميلة من النثر المصنوع بالذكالي عبر التوجيه البسيط، حيث رصدوا ما أسماه الباحثون كتابة ""أدبية بشكل استعراضي""، تتسم عادة بالمبالغة في تفسير المشاعر، واستخدام الاستعارات المبتذلة، مع سلاسة ظاهرة غير مستحقة.
في المقابل، فضّل القراء العاديون الوضوح والانسيابية، وهما خصلتان يتفوق فيهما الذكالي باقتدار. وقد نجح أسلوب الضبط الدقيق في ردم هذه الفجوة عبر تعليم النموذج كيفية استيعاب الإيقاعات المتكررة والعادات اللفظية للكاتب، بدلاً من الاعتماد على أنماط أدبية عامة.
أصوات يستعصي تقليدها
لم تكن جميع الأصوات الأدبية على القدر نفسه من السهولة في المحاكاة. فقد ظل صوت الكاتب توني تولاثيموتي، المعروف بدعابته الخارجة عن المألوف والتقلبات الحادة في نبرته، عصياً على التقليد حتى بعد إخضاع النموذج للضبط الدقيق. وعلى الرغم من أن النموذج استطاع إنتاج نثر سلس منحه عامة القراء تقييمات مرتفعة، إلا أنه كافح بشدة لالتقاط بصمته الصوتية الفريدة. ويشير هذا إلى أنه بينما يمكن للذكالي إتقان العديد من العناصر الأسلوبية، فإن الأصوات ذات الذاتية الفريدة حقاً تحتفظ بقدر من الحماية، على الأقل في الوقت الراهن.
بدأت التبعات القانونية تتكشف بالفعل في المحاكم الأمريكية. فالقضايا المرفوعة، ومن بينها قضية قادري ضد ميتا وقضية بارتز ضد أنثروبيك، تختبر كيفية تطبيق قانون حقوق النشر على مراحل تدريب الذكالي ومخرجاته. وتدعم هذه الدراسة موقف المدعين في نقطة حاسمة، وهي المعيار الرابع من معايير الاستخدام العادل، والذي ينظر في أثر الممارسات على سوق الأعمال المحمية بحقوق النشر. فإذا كان القراء العاديون يفضلون بالفعل النثر المنتجة آلياً، وكان الضبط الدقيق قادراً على إقناع حتى الخبراء، فإن خطر الاستبدال في السوق يتحول من مجرد فرضية إلى واقع ملموس. وبذلك، يصبح من الصعب جداً الدفاع عن الضبط الدقيق الموجه لكاتب بعينه والمصمم لإنتاج مخرجات تحاكي الأسلوب باعتباره استخداماً عادلاً، ولا سيما عندما يُسوق له كبديل للكتاب البشريين.
ولعل الأسئلة الأخلاقية تتجاوز في تعقيدها المسائل القانونية؛ إذ نادراً ما يمنح الكُتاب موافقتهم على استخدام أعمالهم لتدريب أنظمة قادرة على محاكاتهم، في ظل غياب شبه تام لآليات التعويض المالي. ورغم أن المبادئ العامة المتعلقة بالإفصاح وبيان المصدر تبدو منطقية، فإن الآليات القابلة للتطبيق الصارم تظل غائبة. فما هي التزامات شركات الذكالي عندما تجعل من محاكاة الأسلوب أمراً زهيد التكلفة وعالي الفاعلية في الوقت نفسه؟
ماذا بعد؟
بالنسبة للكتاب وبرامج التعليم الكتابي، لم يعد الإنكار خياراً مطروحاً. وقد أعرب العديد من الخبراء حاملي شهادات الماجستير في الفنون الجميلة الذين جرت مقابلتهم بعد الدراسة عن شعورهم بالارتباك؛ حيث قال أحدهم: ""كنت أعتقد أنني قادر على تمييز ما ينتجه الذكالي، أما الآن فلست متأكداً من ذلك"". وبناء على ذلك، يتعين على برامج الكتابة الإبداعية الآن ألا تكتفي بتعليم الطلاب كيفية الكتابة الجيدة فحسب، بل أن تدربهم أيضاً على كيفية تطوير أصوات متميزة بدرجة تكفي لمقاومة المحاكاة الآلية. كما يجدر بها معالجة أسئلة عملية مثل: متى يعين استخدام الذكالي على الاستكشاف، ومتى يؤدي إلى إفراغ الصوت الأدبي من أساليبه ليدمجه في قالب عام؟
لقد تبين أن الشبح القابع داخل الآلة قادر على التعلم والكتابة بأسلوب أي شخص تقريباً. ومع ذلك، فمن المؤكد تقريباً أن ردام الذكالي لا يُرفض لمجرد أنه مكتوب بأسلوب رديء، ومن ثم فإن تحسين جودة النثر قد يكون له أثر محدود في مدى قبول القراء له. إن القضية تكمن بالأساس في أننا ببساطة لا نرغب في قراءة ما ينتجه الذكالي، ذلك أن فعل القراءة، وكما توحي المقولة الساخرة في البداية، هو عملية إنسانية أصيلة في جوهرها.
