القائمة الرئيسية

هل يمكن تسريع عجلة الابتكار لتحقيق التنمية المستدامة؟

هل يمكن تسريع عجلة الابتكار لتحقيق التنمية المستدامة؟
ملخص المقال

يوضح المقال أن الابتكار من أجل التنمية المستدامة لا يعتمد على سرعة التنفيذ وحدها، بل على مدى عمق التغيير، واتساع نطاقه، وقدرته على تجنب الآثار السلبية غير المقصودة. ويبين أن الشركات الكبرى تميل إلى الابتكارات التدريجية التي تحسن الكفاءة وتخفض المخاطر، بينما تكون الشركات الصغيرة والمجتمعات المحلية أكثر قدرة على إطلاق ابتكارات جذرية تعيد تشكيل نماذج الأعمال وسلاسل القيمة بفضل مرونتها. كما يؤكد أن التحولات الكبرى غالبًا ما تتطلب ضغوطًا تنظيمية أو حوافز قوية، وأن الحلول المحلية المتعددة قد تكون أكثر فعالية واستدامة من المبادرات الضخمة المركزية. ويختتم المقال بأن تسريع الابتكار المستدام يتطلب شراكات بين الشركات والحكومات والجامعات والمجتمع المدني، مع الاستفادة من أدوات عملية مثل بوصلة الابتكار لتطوير حلول تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية طويلة الأجل.

تتسم التحديات المرتبطة بالاستدامة بالحرج والشدة، مما يدفع إلى التساؤل حول مدى إمكانية ابتكار حلول سريعة لها. تعتمد الإجابة عن هذا الطرح على نطاق الابتكار المتبع ومدى جذريته.

تتواجه الشركات بدرجة متزايدة بطلبات ملحة لإيجاد حلول لقضايا الاستدامة الكبرى، مثل الفقر، والتغير المناخي، وفقدان التنوع البيولوجي. يتطلب هذا الوضع غالباً تقديم منتجات وخدمات جديدة، أو تطوير عمليات تشغيلية ونماذج أعمال مبتكرة.

يُطلق على هذا المسار اسم الابتكار من أجل التنمية المستدامة، وهو مفهوم ينطوي على تقديم منافع اجتماعية وبيئية طويلة الأجل، بالتوازي مع تحقيق الأرباح والمكاسب الاقتصادية.

توضح الدكتورة تيما بانسال، الأستاذة في كلية آيفي للأعمال، أن معظم الشركات تبتكر بهدف زيادة حصتها السوقية، إلا أن التركيز على التنمية المستدامة يمنح فوائد أكبر بكثير. يحقق هذا النوع من الابتكار النفع للمجتمع والكوكب، ويضمن في الوقت ذاته تدفقاً مالياً مستداماً للشركات على المدى الطويل، إذ تكتسب المؤسسات قدرة أكبر على الصمود والمواجهة عندما تأخذ القضايا الاجتماعية والبيئية بالحسبان.

البحث عن ابتكار سريع ومثمر

تتفاقم تحديات الاستدامة بمرور الوقت، حيث تجاوزت درجات الحرارة العالمية الحدود الآمنة على سبيل المثال. يثير هذا الواقع تساءلاً لدى الكثيرين حول كيفية مواجهة هذه التحديات الجسيمة في ظل الإطار الزمني الضيق المتاح. وقد طرح أحد قراء شبكة استدامة الأعمال تساءلاً مفاده: كيف يمكن تسريع منحنى التعلم وتطبيق إجراءات الابتكار؟

للإجابة عن هذا السؤال، استضافت شبكة استدامة الأعمال نخبة من الخبراء المتخصصين في الابتكار للتنمية المستدامة، حيث أجرت حواراً مع الدكتورة تيما بانسال، ودلفت إلى تحليلات مشاركيها الدكتورة سيلفيا جريواتش، الأستاذة المساعدة في جامعة بروك، والمهندس برادلي وامبولدت، الشريك الرئيسي في مؤسسة هوك آند سكوير للابتكار.

أكد الخبراء أن الأثر الإيجابي للابتكار لا يتوقف على عنصر السرعة فحسب، بل يتطلب تقييم عدة عناصر رئيسية أخرى:

درجة التحول التي يحققها الابتكار، وما إذا كان جذرياً يعيد تشكيل سلاسل القيمة، أم تدريجياً يكتفي بالتحسين المحدود.

نطاق الابتكار وحجمه، وما إذا كان التغيير واسع الانتشـار بحيث تتبناه الشركات الكبرى، أم مقتصراً على الصعيد المحلي.

التبعات غير المقصودة، حيث تنطوي الابتكارات السريعة واسعة النطاق على مخاطر حدوث آثار سلبية غير متوقعة.

تناول الخبراء عبر هذا المقال أشكال الابتكار للتنمية المستدامة، مع توضيح أسباب تفضيل الشركات الكبرى للتغيير التدريجي ودوره في تقليل المخاطر، بالإضافة إلى قدرة الشركات الصغيرة على صياغة حلول تحولية أسرع، مع تقديم توجيهات عملية للتطبيق.

المفاهيم الأساسية: الأشكال المختلفة للابتكار من أجل التنمية المستدامة

يشير الابتكار للتنمية المستدامة إلى مستويات مختلفة من التغيير، تبدأ من الخطوات التراكمية البسيطة وتصل إلى التحولات الجذرية. يستعرض التقويم الصادر عن الباحث ريتشارد أدمز وزملاؤه لشبكة استدامة الأعمال هذه الخيارات بالتفصيل.

يمكن للمؤسسات اعتماد ثلاثة مسارات من الابتكار المستدام وفقاً لأدمز وزمائله.

يشير الخيار الأول، والمتمثل في تحسين العمليات التشغيلية، إلى التغييرات التقنية المحدودة التي تستهدف رفع الكفاءة. في حين تركز الخيارات الأكثر جذرية، مثل التحول المؤسسي وبناء الأنظمة المتكاملة، على استحدث نماذج أعمال وسلاسل قيمة جديدة.

بالنسبة لشركات النفط والغاز، يعني تحسين العمليات التشغيلية تعزيز إجراءات السلامة وتقليل استهلاك المياه والطاقة في عمليات الإنتاج. بينما يتطلب التحول المؤسسي أو التغيير المجتمعي اعتماد نماذج أعمال وسلاسل قيمة مختلفة، مثل التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة.

يعتمد هذا المقال قطاع الطاقة كدراسة حالة نظراً للخبرة العريضة التي يتمتع بها الخبراء المشاركون فيه، حيث تعاون وامبولدت وبانسال وجريواتش في مشروع استهدف مساعدة قطاع الرمال النفطية في كندا، وهو قطاع ملوث للبيئة، على تسريع ابتكارات الاستدامة. كما شغل وامبولدت سابقاً مناصب هندسية وإدارية في شركتي سُنكور وشل. يرى الخبراء أن دروس الابتكار وديناميكياته تتشابه عبر مختلف القطاعات الاقتصادية.

تستعرض السطور التالية كيفية حدوث هذه التغييرات في الشركات الكبرى والصغيرة، وهو أمر حاسم لتحديد نطاق التغيير وحجم انتشاره.

الشركات الكبرى تتجه نحو التغيير التدريجي

يرى الخبراء أن الشركات الكبرى تجد صعوبة في تحقيق ابتكارات تحولية جذريـة في مجال التنمية المستدامة، كما تتسم خطواتها بالبطء شديد. يعلق وامبولدت على ذلك بالإشارة إلى أن التحرك السريع يستلزم التعامل مع القضية باعتبارها تهديداً وجودياً يمس بقاء المؤسسة في السوق.

في قطاع النفط الكندي، تتجنب الشركات الكبرى إحداث تحولات جذرية في سلاسل القيمة أو النظم التشغيلية. يوضح وامبولدت أن شركات النفط والغاز كان بإمكانها الانخراط في مجالات جديدة ومستدامة مثل مرافق الهيدروجين، أو الوقود الحيوي، أو المفاعلات النووية المصغرة، إلا أنها أحجمت عن ذلك لعدة أسباب، أبرزها:

استراتيجيات الاستثمار المتبعة، حيث يبحث المستثمرون في شركات الطاقة عن عوائد مالية آمنة ومستقرة، ويرون في تحول شركات الرمال النفطية إلى نمط الشركات الابتكارية المعتمدة على النمو إخلالاً بهذه الفلسفة الاستثمارية.

القاعدة المعرفية الحالية، حيث تتردد الشركات في الاستثمار في المهارات الضرورية للابتكار الجذري والتقنيات الحديثة، وتفضل الاعتماد على الخبرات الموجودة لدى كوادرها.

غياب القيادة والتعاون المتبادل، حيث يغيب المتبنون للابتكارات الجريئة الراغبون في خوض المخاطر، كما تفتقر الشركات الكبرى للرؤية المشتركة، بحسب الدكتورة جريواتش.

التكاليف العالية للتغيير، إذ يتطلب بناء نظم طاقة جديدة ضخ استثمارات مالية هائلة في مرحلة التنفيذ الفعلي والميداني، وهو ما يصعب اتخاذ قرار بشأنه.

نتيجة لهذه العوامل، تفضل الشركات الكبرى إجراء تحسينات تقنية تدريجية في العمليات التشغيلية. وقد نجحت شركات النفط والغاز في جعل عملياتها الداخلية أكثر استدامة عبر خفض الانبعاثات وتقليل مخلفات التعدين واستهلاك المياه، إلا أن هذه الإجراءات تتم خدمةً لنموذج عملها الحالي دون التطلع لبناء سلاسل قيمة جديدة.

تتسم هذه التحسينات التدريجية بالبطء ما لم تكن هناك ضغوط حاسمة، كما يظهر في نموذج التدخل الحكومي التالي:

حالة مخلفات التعدين في الرمال النفطية بكاندا

واجهت شركات الرمال النفطية في أوائل القرن الحالي خياراً صعباً جراء التشريعات الحكومية التي حظرت إنشاء أحواض جديدة لمخلفات التعدين. يروي وامبولدت أن السعة الاستيعابية للمخلفات كانت ستنفد في غضون عشر سنوات، مما هدد بإغلاق المناجم بالكامل. استجابة لهذا التحدي، طورت شركة سُنكور طريقة جديدة لتثبيت المخلفات بسرعة، وانتقلت الفكرة من التجارب المصغرة إلى التطبيق التجاري في غضون عامين. أسهمت القرارات الحكومية والتهديد الوجودي في دفع عجلة الابتكار بسرعة قياسية.

توضح جريواتش أن الحكومات قادرة على قيادة حلول أكثر تحولاً، غير أن التغييرات الكبرى واسعة النطاق تحمل في طياتها مخاطر وتبعات غير مقصودة.

التغييرات الجوهرية تحمل مخاطر مرتفعة

ينطوي الابتكار السريع والجذري واسع النطاق على مخاطر واقعية، حيث تشير بانسال إلى أن الآثار غير المقصودة للحلول الكبرى قد تتجاوز النفع المرجو منها. يظهر ذلك في تقنيات الهندسة الشمسية التي تستهدف إطلاق جزيئات في الغلاف الجوي لتبريد الكوكب، والتي قد تتسبب في إتلاف المحاصيل الزراعية وتغيير أنماط هطول الأمطار.

في ظل هذه الضغوط البيئية الحادة، يبحث الجميع عن المصادر الفاعلة للحلول.

الجهود المحلية أكثر جرأة وسرعة وتحقق نطاقاً جامعاً

أين يمكن العثور على سلاسل قيمة ونظم حديثة تحقق التحول المؤسسي وبناء الأنظمة؟

تجيب بانسال بضرورة التوجه نحو الشركات الصغيرة والمجتمعات المحلية، حيث يمكن للتغيير التحولي أن يتحقق بسهولة وسرعة أكبر. تتسم الشركات الصغيرة بالمرونة والسرعة في الحركة، على الرغم من أن نطاق أثرها الفردي قد يبدو محدوداً.

تمتلك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قدرات إبداعية تؤهلها للتحول نحو نماذج أعمال جديدة بعيداً عن القيود التي تواجه الشركات الكبرى. تستطيع هذه المؤسسات جذب مستثمرين يركزون على النمو والأثر الاجتماعي والبيئي، وتستفيد من مرونتها الناتجة عن قلة أعداد العاملين والمشاريع والأصول الثابتة.

تؤكد بانسال أهمية إدماج المجتمعات المحلية في عملية الابتكار، فالأفكار النابعة من القاعدة والمجتمع المحلي تحقق نتائج أفضل مقارنة بالحلول الفوقية المسقطة من الأعلى. يمتلك القادة المحليون القدرة على بناء الثقة وتعديل الحلول وفق الاحتياجات، بينما يمتلك أفراد المجتمع سيطرة أكبر على كيفية استخدام التكنولوجيا، كما هو الحال في مشروعات توليد الطاقة المصغرة كالمقابس الشمسية والحرارية المنزلية.

يختلف هذا النمط من الابتكار عن مشروعات التعدين الضخمة في الرمال النفطية بكاندا، والتي حققت إنتاجاً وفاقاً ونمواً اقتصادياً، لكنها تسببت في تبعات اجتماعية وبيئية سالبة لكونها أُديرت بأسلوب فوقي دون مراعاة للخصوصيات المحلية.

الحلول المحلية الصغيرة تؤدي إلى نتائج أفضل

في ظل تعقيدات قضايا الاستدامة، يُعد التحرك المتأني أو إجراء تجارب مصغرة المسار الأفضل. تصرح بانسال بفضل الاعتماد على حلول صغيرة وجريئة بدلاً من المراهنة على ابتكارات ضخمة تحمل تبعات غير محسوبة، حيث تمنح الحلول المحلية المتعددة مرونة وقدرة عالية على التحول على المستوى العالمي، كما حدث في التحول نحو الطاقة المتجددة وسلاسل الغذاء المحلية التي قادتها منظومات واسعة من المبتكرين الصغار.

توجيهات للمهتمين بالابتكار من أجل التنمية المستدامة

تكشف الحوارات مع الخبراء عن التعقيد الذي يكتنف الابتكار المستدام، فالهدف لا يقتصر على مجرد التسريع، بل يتطلب تقييم مدى جذرية الابتكار، ونطاق انتشاره، والسرعة المناسبة لتطبيقه.

تتوفر حالياً العديد من الأدوات والإرشادات التي تساعد المؤسسات في هذه المسيرة، مما يؤكد أهمية بناء الشراكات وعدم العمل بصفة فردية.

الشراكة كعنصر أساسي

تعد الشراكة ركيزة محورية في الابتكار المستدام، حيث تتطلب العملية مشاركة مختلف الأطراف من حكومات، ومؤسسات أكاديمية، وجمعيات نفع عام، وشركات بكافة أحجامها. تتفق جريواتش مع هذا الطرح مؤكدة أن عدم التفاعل مع المنظومة الشاملة يعوق تسريع الابتكارات التقنية.

الموارد المتاحة عبر مبادرة الابتكار الشمالي

يوفر مركز الابتكار الشمالي التابع لكلية آيفي للأعمال مجموعة من الأدوات والموارد لمساعدة الشركات في التعامل مع معضلات الاستدامة.

يقدم المركز أداة البوصلة لتوجيه الشركات عبر تحديد النجم القطبي، ودراسة المشكلات وأسبابها، وتطوير الأفكار والإجراءات. وتتضمن الموارد المتاحة أدلة عمل ومواد مرئية ودراسات حالة.

قد لا يكون الابتكار من أجل التنمية المستدامة مساراً سهلاً، لكنه يشكل هدفاً تسعى إليه العديد من المؤسسات، ويمكن للخبرات المشتركة أن تسهم في التوجيه نحو النجم القطبي الجامع.

دوافع كتابة هذا المقال

كشف استطلاع أجرته شبكة استدامة الأعمال عن رغبة قادة الأعمال في فهم آليات تحقيق الابتكار المستدام، واستخدام أدوات التغيير، وتكامل الاستدامة عبر مختلف القطاعات المؤسسية. كما تساءل القراء عن عنصر السرعة وكيفية تسريع الابتكار لمواجهة تحديات الاستدامة الملحة، وهو ما سعى هذا المقال إلى الإجابة عنه.

المصدر

مقالات ذات صلة