القائمة الرئيسية

دليل عملي لتطبيق الابتكار المستدام في عالم الأعمال

دليل عملي لتطبيق الابتكار المستدام في عالم الأعمال
ملخص المقال

يستعرض المقال بوصلة الابتكار التي طورتها مؤسسة الابتكار الشمالي كإطار عملي يساعد المؤسسات على ابتكار حلول تحقق الربحية وتُحدث أثراً إيجابياً للمجتمع والبيئة في ظل عالم سريع التغير. وترتكز البوصلة على تحديد ""النجم القطبي"" بوصفه الغاية العليا للمؤسسة، ثم التنقل بصورة تكرارية بين أربعة محاور هي: المشكلات، والإدراك، والأفكار، والإجراءات لفهم التحديات من منظور شامل، وتوليد حلول مبتكرة، واختبارها عملياً قبل التوسع فيها. ويوضح المقال أن الابتكار المستدام يتطلب تجاوز التركيز على المكاسب قصيرة الأجل والنظر إلى التأثيرات طويلة المدى على المؤسسة والمجتمع والبيئة، مستعرضاً مثال ارتفاع معدلات إرجاع المنتجات في التجارة الإلكترونية وكيف أسهمت البوصلة في إعادة تعريف المشكلة وتطوير حلول أكثر استدامة. ويخلص إلى أن هذا الإطار يساعد المؤسسات على التعامل مع التعقيد، وتعزيز التعلم المستمر، وبناء ابتكارات تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية في آن واحد.

تطرح مؤسسة الابتكار الشمالي إطاراً عملياً يُعرف بـ بوصلة الابتكار، وهو دليل موجه للمؤسسات الساعية إلى صناعة تغيير إيجابي والابتكار من أجل صياغة مستقبل أفضل.

تتردد في أروقة مؤسسة الابتكار الشمالي تساؤلات وعبارات عديدة يعبر من خلالها قادة الأعمال عن التحديات اليومية التي تواجههم، ومن أبرزها:

  • كيف يمكنني الابتكار في ظل هذه التغيرات المتسارعة؟
  • أشعر باستمرار وكأننا نعيد بناء محرك الطائرة أثناء طيرانها في الجو.
  • يطالبني الرئيس التنفيذي بإثبات نجاح الفكرة أولاً قبل أن يسمح لي باختبارها على أرض الواقع.

تعكس هذه التساؤلات الواقع الفعلي الذي استدعى تأسيس شبكة الابتكار الشمالي، وهي مجتمع علمي وتطبقي يضم نخبة من الباحثين والشركاء الممارسين الملتزمين بالمشاركة في إرساء نهج جديد للابتكار يواكب بيئة الأعمال الاضطرابية في عصرنا الحالي.

تتخذ هذه المبادرة من كلية آيفي للأعمال في كندا مقراً لها، وتدار تحت قيادة الدكتورة تيما بانسال، المدير التنفيذي السابق لشبكة استدامة الأعمال. وينطلق المشاركون في هذه المبادرة من قناعة راسخة مفادها قدرة الشركات على تطوير منتجات وخدمات وممارسات تشغيلية مبتكرة تحقق الربحية المالية، وتسهم في الوقت نفسه في خدمة المجتمع وحماية الكوكب، وهو المفهوم الذي يصطلح على تسميته في الأدبيات الحديثة بـ الابتكار المستدام.

تستعرض هذه المادة الأداة التي جرى تطويرها بالتعاون مع نخبة من الخبراء، والمتمثلة في بوصلة الابتكار الشمالي، مع بيان كيفية استغلالها لتوجيه المؤسسات نحو مستقبل أكثر استدامة.

الدوافع وراء تطوير بوصلة الابتكار

بات عالمنا المعاصر أكثر تعقيداً وتشابكاً باعتباره منظومة متكاملة، غير أن كثيراً من المنظمات والمؤسسات لا تزال تتبنى رؤية ضيقة لمفهوم الابتكار. يميل المبتكرون في غالب الأحيان إلى إيجاد حلول تبسيطية قد تحقق قيمة مالية سريعة للشركة على المدى القريب، دون إدراك أن هذه الحلول قد تعود بالضرر على المنشأة والمجتمع على المدى البعيد. إن هذا التركيز الداخلي المحدود يضعف قدرة الشركات على الجاهزية والاستعداد لما يحمله المستقبل من تحديات.

من المؤكد أن العديد من المبتكرين على دراية بالنماذج التقليدية للابتكار، مثل نظام المراحل والبوابات، والابتكار المفتوح، والتفكير التصميمي. وعلى الرغم من أهمية هذه الأساليب وحضورها في سياقات معينة، إلا أن المنظمات الراغبة في تقديم ابتكارات تحقق نفعاً عالي القيمة على المدى الطويل تجد في البوصلة خياراً أكثر فاعلية، إذ تساعد الشركات على صياغة استجابات سريعة ومرنة للأزمات الطارئة، مع الحفاظ على الرؤية الشاملة طويلة الأجل.

 

دراسة حالة: التسوق عبر الإنترنت وإرجاع المنتجات

يوضح النموذج التالي كيف يمكن للاستجابات السريعة للأزمات قصيرة الأجل أن تتحول إلى مصدر ضعف على المدى الطويل.

اتجهت شركات عديدة نحو التوسع في البيع عبر الإنترنت خلال فترة الجائحة، حيث قفزت حصة المبيعات الإلكترونية من نحو أربعة بالمئة في عام ألفين وتسعة عشر لتصل إلى ستة بالمئة في عام ألفين واثنين وعشرين.

كان إتاحة شراء المنتجات عبر الإنترنت في تلك الظروف الضبابية يُعد ابتكاراً ضرورياً، ففي الوقت الذي تعذر فيه على المستهلكين الوصول إلى المحال التجارية، أتاح لهم التسوق الإلكتروني تلبية احتياجاتهم، بينما استمرت الشركات في تحقيق الإيرادات والوصول إلى أسواق جديدة.

غير أن هذا التوسع السريع في التسوق الإلكتروني أدى إلى تبعات غير مقصودة، كان من أبرزها ارتفاع معدلات إرجاع المنتجات؛ حيث تُعاد نسبة تصل إلى ثلاثين بالمئة من المشتريات الإلكترونية، مقارنة بأقل من تسعة بالمئة في المتاجر التقليدية. يترتب على ذلك ارتفاع التكاليف التشغيلية على تجار التجزئة، فضلاً عن تراكم النفايات، إذ ينتهي المطاف بغالبية المنتجات المرتجعة في مكبات النفايات.

تتجه الشركات غالباً نحو الابتكار بنظرة ضيقة تستهدف زيادة الأرباح المالية المباشرة، مما يجعل من الصعب استحضار المنظومة الكلية، خاصة عندما تكون الغالبية العظمى من المؤسسات مستغرقة في مواجهة الضغوط اليومية قصيرة الأجل.

القيمة التي تقدمها بوصلة الابتكار

تعد البوصلة أداة أُنتجت بجهود مشتركة بين فريق من باحثي الإدارة وقادة الابتكار المؤسسي في كندا، وتتميز بالخصائص التالية:

تسترشد بالنجم القطبي، وهو غاية مؤسسية تقود المبتكرين نحو أهداف تتجاوز حدود الأرباح المادية.

تدرك أن مسار الابتكار لا يسير دائماً في خط مستقيم، بل يتخذ طابعاً دائرياً يدمج الأفكار والمقاربات الجديدة باستمرار.

تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات العالم الواقعي، مما يدفع المبتكرين للبحث عن حزمة من الإجراءات لمعالجة التحديات المترابطة، بدلاً من الارتهان لحل سحري واحد.

تشجع على التجريب المستمر؛ فالأنظمة والنظم المتكاملة في حالة تغير دائم، وتعد الممارسات الميدانية وسيلة لفهمها وتعديلها، ومن ثم يتعين اختبار النماذج والتحقق من فاعليتها قبل ضخ استثمارات مالية ضخمة.

كيفية استخدام بوصلة الابتكار الشمالي

تعمل هذه البوصلة على معالجة المشكلات المعقدة من خلال توليد أفكار مبتكرة وقابلة للتطبيق، تقرب الشركات خطوة إضافية نحو غايتها الكبرى.

يبدأ المبتكرون بالتركيز على الغاية الأساسية، والتي تُسمى النجم القطبي، ثم يتحركون بين أربعة مجالات محورية هي: المشكلات، والإدراك، والأفكار، والإجراءات. تتوفر للفرق مجموعة من نماذج العمل والتطبيقات التفاعلية لترشيد حركتهم في كل مرحلة من هذه المراحل.

يشكل النجم القطبي الهدف الأسمى والغاية الكبرى للمنظمة، حيث يشير إلى المستقبل المرغوب، ويعطي عملية الابتكار الوجهة والغاية المرجوة، مبيناً المسار والأسلوب المتبع للوصول إليها. يعمل المبتكرون على تحديد النجم القطبي لمؤسستهم لضمان استحضاره دائماً أثناء التنقل بين المجالات المختلفة للبوصلة.

عند الانتقال إلى مجال المشكلات، والذي يمثل الفجوة بين الواقع الحالي والمستقبل المرغوب، يعمل المبتكرون على تحليل كيفية حدوث المشكلة على مستويات مختلفة داخل المنظومة. إن فهم هذه الديناميكيات يساعد في تفكيك المشكلة وإعادة صياغتها. يتعين في هذه المرحلة دراسة أثر المشكلة على الشركة، وسلسلة التوريد، والقطاع الصناعي، والمجتمع والكوكب بوجه عام.

أما مجال الإدراك فيعني البحث في الأسباب الجوهرية التي تؤدي إلى حدوث هذه المشكلات. يعد التواصل مع مختلف الأطراف المعنية وسيلة ذات قيمة عالية لجمع البيانات والمعلومات، والهدف هو فهم العوامل المؤثرة في المنظومة المحيطة بالمشكلة، مثل الفاعلين والأنشطة الرئيسية. تسهم هذه العملية في كشف العوائق والمحفزات، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى ابتكار طرق جديدة للتفكير في المشكلة.

في مجال الأفكار، يطرح المبتكرون أكبر قدر ممكن من الحلول والبدائل، والتي قد تتراوح بين الأفكار التحولية الجذرية والحلول التراكمية البسيطة. لا يوجد حل مثالي واحد، لذا يقوم المبتكرون بتجميع الأفكار وترتيب أولوياتها بناءً على التكلفة والمدى الزمني وفرص النجاح.

أخيراً، تمثل الإجراءات الممارسات والخطوات التي يتم اتخاذها اليوم وفي المدى القريب لمعالجة المشكلات، بحيث يصبح المستقبل المرغوب في متناول اليد. قد تتجسد هذه الإجراءات في إطلاق منتجات وخدمات جديدة، أو في إحداث تحولات نوعية مثل تعديل أساليب التقديم والتواصل المؤسسي.

قد يحتاج المبتكرون للتنقل بين مجالات البوصلة مراراً وتكراراً قبل التوصل إلى حزمة واضحة من الإجراءات التنفيذية. فعلى سبيل المثال، قد تطرأ أفكار جديدة عند استكشاف جوانب إضافية في المشكلة، مما يعزز الإدراك والوعي بالنظام ككل. وتشبه هذه العملية حركة إبرة البوصلة أثناء محاذاتها للمجال المغناطيسي للأرض، حيث تتطلب وقتاً لتوجيه الإجراءات لتتوافق مع النجم القطبي للمنظمة. يُنصح بالمرونة والابتكار أثناء التفاعل مع مجالات البوصلة المختلفة.

تطبيق نموذج إرجاع المنتجات في إطار الابتكار المستدام

تستعرض هذه الحالة تجربة نائبة الرئيس كلارا، المسؤولة عن معالجة أزمة ارتفاع معدلات إرجاع المنتجات في إحدى شركات التجزئة، حيث استعانت بالبوصلة للوصول إلى حلول مستدامة.

فيما يلي كيفية تطبيق مجالات البوصلة على حالة كلارا:

النجم القطبي: تتشارك العديد من شركات التجزئة في غاية كبرى تتمثل في تحسين حياة العملاء من خلال تجربة تسوق متميزة، وهو ما شكل الغاية الأساسية لابتكار كلارا.

المشكلات: تتسبب زيادة ارتجاع المنتجات في رفع التكاليف واستهلاك وقت الشركة، فضلاً عن كونها تجربة محبطة للعملاء، وتترك آثاراً بيئية ضارة بسبب النفايات.

الإدراك: أظهرت الحوارات مع الزملاء والأطراف المعنية أن التسوق عبر الإنترنت هو المحرك الرئيسي لارتفاع معدلات الإرجاع. قامت كلارا برسم خريطة لعملية الإرجاع لتحديد نقاط الخلل الرئيسية، وإعادة صياغة المشكلة بتجاوز مجرد التكاليف المباشرة.

الأفكار: أسفرت جلسات العصف الذهني عن توليد مجموعة من الأفكار وترتيب أولوياتها، وكان من بينها فرض أسعار إضافية على العملاء الراغبين في خيار إرجاع المنتجات، وتطوير تطبيق سوق إلكتروني خاص بإعادة بيع المنتجات المرتجعة.

الإجراءات: عملت شركة كلارا على اختبار هذه الأفكار ميدانياً للتحقق من فاعليتها في تقليل المرتجعات الناجمة عن التسوق الإلكتروني، مما ساهم في الاقتراب تدريجياً من النجم القطبي للمؤسسة.

تطبيق البوصلة في مختلف القطاعات

تُطبق مبادرة الابتكار الشمالي مفاهيم الابتكار المستدام في قطاعات متعددة تشمل المنتجات الزراعية والغذائية والخدمات المالية وقطاع الإنشاءات. وتعمل المبادرة باستمرار على تطوير أدوات جديدة للمبتكرين وبناء شراكات مع المؤسسات الجاهزة لتطبيق الابتكار المستدام.

تتيح المبادرة للمؤسسات الراغبة في استخدام البوصلة الوصول إلى مجموعة نماذج العمل التطبيقية للبدء في التنفيذ المباشر. كما ترحب المبادرة بالتعرف على تجارب الشركات في إدارة تعقيدات الابتكار خلال هذه الظروف المحورية.

المترجم

مقالات ذات صلة