القائمة الرئيسية

نماذج الأعمال في ظل الاقتصاد الدائري: أي الممارسات تحدث الفارق الحقيقي؟

نماذج الأعمال في ظل الاقتصاد الدائري: أي الممارسات تحدث الفارق الحقيقي؟
ملخص المقال

يوضح المقال أن الاقتصاد الدائري لا يقتصر على إعادة التدوير، بل يمثل تحولًا في نماذج الأعمال يهدف إلى تقليل استهلاك الموارد، وإطالة عمر المنتجات، وإعادة استخدام المواد، وتجديد الأنظمة البيئية مع الحفاظ على الجدوى الاقتصادية. ويعرض أربع إستراتيجيات رئيسية لتحقيق ذلك: تضييق الحلقة عبر رفع كفاءة استخدام الموارد، وإغلاق الحلقة من خلال إعادة التدوير والتكافل الصناعي، وإبطاء الحلقة عبر تصميم منتجات أكثر متانة وإصلاحها وإعادة استخدامها أو تأجيرها، وتجديد الحلقة بإصلاح البيئة وتعزيز الزراعة والممارسات التجديدية. ويخلص المقال إلى أن إستراتيجية إبطاء الحلقة هي الأكثر تأثيرًا في تحقيق الاستدامة رغم صعوبة تطبيقها، بينما تحقق إستراتيجيات رفع الكفاءة وإعادة التدوير مكاسب اقتصادية أسرع ولكن بأثر بيئي أقل. كما يؤكد أن نجاح التحول نحو الاقتصاد الدائري يتطلب تعاون الشركات والحكومات والمستهلكين، من خلال تشريعات داعمة، وحوافز للاستثمار، وتشجيع أنماط استهلاك أكثر كفاية واستدامة.

تقف الشركات اليوم أمام خيارات متعددة عند التحول نحو تطبيق مفاهيم الاقتصاد الدائري. يستعرض هذا المقال نماذج الأعمال التي تزاوج بين تحقيق الجدوى الاقتصادية وحماية البيئة في آن واحد.

تأتي هذه المادة ضمن سلسلة المعارف الأساسية، والتي تقدم رؤى إستراتيجية حول أبرز قضايا الاستدامة في عالم المال والأعمال.

تتعدد المداخل والمقاربات نحو تطبيق الاقتصاد الدائري، غير أن نتائجها وتأثيراتها ليست متساوية بائ أي حال من الأحوال.

تتفاوت نماذج الأعمال المتبعة في مستويات تأثيرها على الربحية المالية من جهة، وعلى تحقيق التنمية المستدامة من جهة أخرى.

يرصد هذا المقال الخيارات المتاحة لإنشاء نماذج أعمال دائرية، ويقدم تقييماً مقارناً لأثر كل منها.

تستند هذه الدراسة إلى أبحاث أعدتها الدكتورة نانسي بوكين الباحثة في جامعة ماستريخت بالتعاون مع فريقها البحثي. وقد عمل هذا الفريق على مدار عقد كامل على تحليل الاقتصاد الدائري من كافة أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية.

المحاور الرئيسية للمقال

تسلط السطور التالية الضوء على الجوانب التالية:

  • أربع إستراتيجيات محورية ترتكز عليها تطبيقات الاقتصاد الدائري.
  • نماذج الأعمال التنفيذية المرتبطة بكل إستراتيجية.
  • المبررات الاقتصادية والبيئية الداعمة لكل نموذج من نماذج الأعمال.
  • الخيار المفضل والأكثر فاعلية لحماية النظام البيئي.

يهدف هذا المقال إلى إرشاد الشركات وتوجيه جهودها المؤسسية أثناء رحلة تحولها نحو الاقتصاد الدائري.

ما هو نموذج الأعمال الدائري؟

يُقصد بنموذج الأعمال الآلية الجوهرية التي تعتمدها المنشأة في خلق القيمة وتوفيرها واكتسابها.

يسعى الاقتصاد الدائري إلى تقليل الهدر وتحجيم استهلاك الموارد الطبيعية من خلال إعادة النظر في كافة مراحل دورة حياة المنتج.

بناءً على ذلك، تعمل نماذج الأعمال الدائرية على ابتكار سُبل مجدية اقتصادياً تضمن الاستمرار في إعادة استخدام المواد والمنتجات، مع الاعتماد على الموارد المتجددة كلما أمكن ذلك، وفقاً لما أوضحته الدكتورة بوكين وزملائها في ورقة بحثية نُشرت عام ألفين وستة عشر.

تكتسب هذه النماذج أهمية بالغة بالنظر إلى الضغوط الهائلة التي يفرضها النمط الاقتصادي الحالي على كوكب الأرض. فقد تضاعف معدل استهلاك الموارد الطبيعية على المستوى العالمي أكثر من ثلاث مرات منذ عام ألف وتسعمائة وسبعين وما زال في تصاعد مستمر وفق تقارير الهيئة الدولية للموارد. وتتسبب عمليات استخراج الموارد وتجهيزها في أكثر من تسعين بالمئة من حالات فقدان التنوع البيولوجي، إلى جانب آثارها الجسيمة على التغير المناخي.

التغيير التدريجي أم التحول الجذري؟

في الوقت الذي أعلنت فيه العديد من الشركات التزامها بمبادئ الدائرية، أظهرت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة باين أن معظم هذه الشركات مكتفية بإجراء تغييرات طفيفة. حيث يقتصر تركيزها على عمليات إعادة التدوير أو إدارة النفايات دون إحداث تغييرات بيئية جوهرية.

في هذا السياق، أوضحت الباحثة بوكين بالتعاون مع لورا نيسين وسام شورت في دراسة نُشرت عام ألفين واثنين وعشرين، أن الاقتصاد الدائري يقف حالياً عند مرحلة مفصلية. فهو إما أن يستمر في إدخال تحسينات جزئية وتدريجية على حركة الموارد مع الإبقاء على المنظومة الاقتصادية غير المستدامة على حالها، أو أن ينخرط في حركة تحولية شاملة تقود نحو مجتمع دائري مستدام.

وهنا يتجلى السؤال المحوري: كيف يمكن لنماذج الأعمال الدائرية المختلفة أن توازن بين الطموحات الاقتصادية والغايات البيئية؟

أربع إستراتيجيات للاقتصاد الدائري ونماذج الأعمال التابعة لها

بدايةً، ما هي الخيارات المتاحة أمام المؤسسات لتطبيق نماذج الأعمال الدائرية؟

استمد الاقتصاد الدائري تسميته من سعيه الحثيث لإبقاء الموارد في حلقة مغلقة ومستمرة. وتكمن الغاية في الاحتفاظ بالموارد ذاتها داخل هذه الحلقة لأطول فترة ممكنة، عبر الحد من استخدام المواد الخام الجديدة، وتقليص حجم النفايات الخارجة من منظومة الإنتاج.

تتوزع هذه الرؤية على أربع إستراتيجيات رئيسية، ينبثق عن كل منها نماذج أعمال محددة.

إستراتيجية تضييق الحلقة

تعتمد إستراتيجية التضييق على تقليل كمية الموارد الداخلة في العملية الإنتاجية. ويتحقق ذلك من خلال رفع كفاءة الاستخدام وتصنيع المنتجات باستهلاك قدر أقل من الموارد. فإذا كانت مؤسستك قد اتخذت خطوات عملية مثل ترشيد استهلاك الطاقة أو خفض استخدام المياه أو تخفيف أوزان المنتجات، فأنت تطبق هذه الإستراتيجية بالفعل.

تتضمن هذه الإستراتيجية أيضاً استبدال المواد الملوثة ببدائل صديقة للبيئة، ويعد الانتقال نحو الاعتماد على الطاقة المتجددة نموذجاً بارزاً لهذا التوجه.

تركز نماذج الأعمال القائمة على تضييق الحلقة على تعظيم كفاءة الموارد، كما هو الحال في منهجية التصنيع الرشيق التي تستهدف إلغاء الهدر. وترتكز ممارسات التصنيع الرشيق، والمستلهمة من نظام شركة تويوتا للإنتاج، على تقليص أي استهلاك زائد للموارد.

إستراتيجية إغلاق الحلقة

ترتبط هذه الإستراتيجية بإنعاش عمليات إعادة تدوير النفايات المترتبة على العملية الإنتاجية أو تلك الناتجة عن الاستهلاك الفردي. وتُعرف نماذج الأعمال في هذا المجال بأسماء علمية مثل استدامة قيمة الموارد أو التكافل الصناعي. ويهدف كلاهما إلى استخلاص قيم جديدة من النفايات عبر إبقائها داخل الدورة الاقتصادية.

تعد عمليات إعادة تدوير الورق والمعادن والزجاج من الممارسات الشائعة، غير أن نطاقها قابل للتوسع من خلال الشراكات الإستراتيجية وتفعيل أنظمة استرداد المنتجات. أما التكافل الصناعي فيفتح آفاقاً لتبادل المخرجات والنفايات بين الشركات، سواء داخل القطاع الواحد أو عبر قطاعات متعددة. ومثال ذلك قيام مصانع الخزف ببيع مخلفاتها الزجاجية لمصانع البناء. كما تمكنت شركة السكر البريطانية من تحويل المخرجات الثانوية للإنتاج إلى أعلاف حيوانية واستغلال الحرارة الفائضة في تشغيل البيوت الزجاجية الزراعية.

إستراتيجية إبطاء الحلقة

تسعى إستراتيجية الإبطاء إلى المحافظة على الموارد داخل المنظومة الاقتصادية عبر خفض الاستهلاك الفائض، وإطالة العمر التشغيلي للمنتجات، وتحفيز إعادة الاستخدام.

وتضم هذه الإستراتيجية ستة أساليب رئيسية لنماذج الأعمال الهادفة إلى ترشيد معدلات الاستهلاك.

من أبرز نماذج الأعمال في هذا الإطار ما يُعرف بـ أنظمة خدمة المنتجات، والتي تقدم الخدمات للعملاء دون حاجتهم لتملك السلع ذاتها. على سبيل المثال، توفر شركة بوجابو لمستلزمات الأطفال خدمة تأجير يطلق عليها بوجابو فليكس، تتيح للعملاء ترقية العربات المستأجرة واستعادتها لاحقاً.

ومع ذلك، ترتبط غالبية نماذج أعمال إبطاء الحلقة بتطوير قيمة المنتجات وإطالة عمرها. وتتلخص أبرز هذه الأساليب في النقاط التالية:

التصميم بغرض المتانة وسهولة الإصلاح. تتحدد معظم الآثار البيئية للمنتج في مرحلة التصميم الأولى. وتتضمن الإستراتيجيات الدائرية في التصميم تسهيل عمليات تبديل القطع، وهو ما يُعرف بـ المفهوم النمطي أو إمكانية التفكيك.

تقديم خدمات الضمان الشامل والإصلاح. التركيز على صيانة المنتجات وإصلاحها بدلاً من التخلص منها. وتجسد شركة فيليبس هذا التوجه عبر توفير خدمات الإصلاح لضمان استدامة تشغيل المعدات الطبية.

إعادة استخدام المنتجات. إتاحة الفرصة للمنتجات ليد ملكيتها إلى مستخدمين جُدد عبر المنصات الرقمية مثل إي باي، أو من خلال المبادرات المؤسسية للمصنعين، مثل خدمة إعادة الشراء والبيع التي تقدمها شركة إيكيا للأثاث.

إعادة التصنيع وتجديد الكفاءة. إعادة بناء المنتجات عبر المصنع الأصلي أو شركات متخصصة لاستعادة وظيفتها الأساسية، وتطبق هذه الممارسة على نطاق واسع في قطاعات متعددة تبدأ من الهواتف الذكية وتصل إلى المحركات الثقيلة.

تبني مفهوم الكفاية وتقليل الاستهلاك النهائي. إعادة تشكيل السلوك الاستهلاكي للمجتمع بحيث يقل الطلب غير الضروري. ويتحقق ذلك عبر الاعتماد على تسويق متوازن يبتعد عن إغراءات الشراء المفرط، مثل العروض الترويجية القائمة على منح قطع مجانية أو التغيير المستمر في التصاميم. وتعمل شركة فيتسو للأثاث وفق هذا المبدأ عبر تقديم قطع جودة عالية تدوم طويلاً بدلاً من ملاحقة صيحات الموضة.

إستراتيجية تجديد الحلقة

تركز إستراتيجية التجديد على إصلاح البيئة الطبيعية واستعادتها باعتبارها المصدر الأساسي للموارد. تعتمد الشركات في هذا السياق على إستراتيجيات الأثر الإيجابي الصافي لمعالجة الأضرار التي لحقت بالنظام البيئي، كاستصلاح التربة وتنظيفها، بالإضافة إلى السعي لإلغاء المواد السامة من العمليات الإنتاجية.

ما زالت نماذج الأعمال التجديدية في مراحل تطورها الأولى، وهي تسعى لمكافأة المجتمع والبيئة من خلال الشفافية، وبناء شراكات حقيقية مع الطبيعة، وتبني قيادات مؤسسية تؤمن بهذه المبادئ. ومثال ذلك ما تقوم به شركة دانون للأغذية من تقديم دعم مالي وفني للمزارعين للتحول نحو أنماط الزراعة التجديدية.

القيمة المضافة والتحديات في نماذج الأعمال الدائرية

أمام هذا التنوع في نماذج الأعمال، ما هو الخيار الأنسب الذي يجدر بالشركات تبنيه؟

تتيح الأبحاث الممتدة لسنوات، واللقاءات الميدانية مع المئات من التنفيذيين، رؤية شاملة للتقييم الاقتصادي والبيئي لهذه المقاربات. وتعتمد التحليلات الموضحة أدناه على مقال نُشر عام ألفين وواحد وعشرين في مجلة ستانفورد للمراجعة الابتكارية الاجتماعية، وتقرير صادر في العام نفسه عن الصندوق العالمي للطبيعة.

نظر لأن هذه الممارسات تتسم بالتعقيد وتتفاوت حسب ظروف كل قطاع، فإنه يصعب تعميم النتائج، غير أن النقاط التالية تلخص أبرز الخلاسات:

إبطاء الحلقة: ترشيد الاستهلاك وإطالة عمر المنتج

من الناحية البيئية، يرى الباحثون أن هذه الإستراتيجية هي الأعلى تأثيراً والأكثر فاعلية، لكنها في الوقت نفسه الأكثر صعوبة في التطبيق الميداني لأنها تتطلب إعادة هيكلة شاملة لنموذج الأعمال القائم.

يتطلب الإبطاء الانتقال من مبدأ البيع بالحجم إلى التركيز على تقديم القيمة، والتحول من الاستهلاك السريع إلى النمط المستدام. وقد تفرض الشركات رسوماً أعلى في البداية لتغطية تكاليف الصيانة والخدمات الممتدة. أما عند تطبيق نموذج خدمة المنتجات، فيمكن تحصيل مقابل مالي بناءً على الاستخدام، مما يعزز ولاء العملاء وتكرار التعامل. ورغم أن هذا النموذج يسهم في خفض تكاليف المواد الخام لقلة عدد المنتجات المصنعة، إلا أنه قد يرفع من تكاليف العمالة والخدمات اللوجستية، ويتطلب تعديل التصاميم والتعاقد مع شبكات صيانة خارجية.

في حين يبحث بعض المستهلكين عن المتانة والضمانات الممتدة وخدمات الصيانة، يفضل آخرون مواكبة كل ما هو جديد. وهنا توفر نماذج التأجير حلاً متوازناً يتيح للمستهلكين تبديل المنتجات بعد فترات استخدام قصيرة نسبياً.

تضييق حلقات الموارد: رفع الكفاءة والاعتماد على مدخلات مستدامة

تحقق إستراتيجيات خفض الاستهلاك عوائد مالية المباشرة دون الحاجة لإجراء تغييرات جذرية في هيكل نموذج الأعمال. فخطوات بسيطة مثل استبدال أنظمة الإضاءة ببدائل موفرة تضمن تقليل التكاليف وتدعم البيئة. على سبيل المثال، وفرت شركة يونيليفر أكثر من ثمانمائة وثلاثة وسبعين مليون يورو بفضل تحسين كفاءة استخدام الطاقة في مصانعها.

غير أن استخدام مدخلات أكثر استدامة، مثل الاستغناء عن المواد الكيميائية السامة أو الاعتماد على الموارد المحلية، قد يرفع تكاليف الإنتاج والأسعار النهائية. ولكن كما هو الحال في معظم الإستراتيجيات الدائرية، يثمر هذا التوجه فوائد ملموسة على صعيد السمعة المؤسسية واهتمام العملاء.

إغلاق حلقات الموارد: إعادة التدوير والتكافل الصناعي

يحقق التدوير نتائج ملموسة ولكنه يظل محدود الأثر. فمن الناحية البيئية، لا تكفي إعادة التدوير وحدها لمعالجة الاستنزاف المستمر للموارد. وحتى لو أمكن تدوير جميع النفايات بنسبة مئة بالمئة، فإن ذلك لن يغطي سوى خمس الاحتياجات السنوية من المواد الخام.

عقبات وتحديات إعادة التدوير

تواجه عمليات إعادة التدوير تحديات اقتصادية وبيئية إضافية، أبرزها:

تباين التكاليف: غالباً ما تكون المواد الخام البكر أقل تكلفة من المواد المعاد تدويرها.

تعقيد العمليات واستهلاك الطاقة: في الصناعات الكبرى مثل الصلب والأسمنت والورق والزجاج والبلاستيك والألومنيوم، تتسم عمليات التدوير بالتعقيد، ولا تكون نتائج توفير الطاقة فيها مضمونة دائماً.

تراجع جودة المواد: تتأثر خامات المواد المعاد تدويرها بالتلوث وتفقد جزءاً من جودتها الأصلية جراء التكرار.

على الجانب الآخر، يقدم التكافل الصناعي قيمة اقتصادية أكبر، حيث تتبادل الشركات المخلفات أو تعيد استخدامها داخلياً لإنتاج منتجات ذات قيمة أعلى. وتشير أبحاث الدكتورة بوكين إلى أن مبادرات شركة السكر البريطانية في إعادة استخدام النفايات أدت إلى رفع الكفاءة والإنتاجية وتنويع مصادر الدخل، حيث شكلت المبيعات القائمة على استغلال المخلفات نحو خمسة وعشرين بالمئة من إجمالي إيرادات الشركة، إلى جانب النتائج البيئية الإيجابية.

تجديد حلقات الموارد: إعادة التأهيل البيئي

يحمل مفهوم التجديد بعداً بيئياً سامياً، فمن البديهي أهمية العمل على حماية البيئة وإصلاحها.

لكن هل يحقق هذا التوجه جدوى اقتصادية؟ بالنظر إلى الواقع الجوهري، فإنه لا يمكن لأي نشاط تجاري أن يستمر على كوكب مهار. تمنح مبادرات التجديد مكاسب كبيرة للسمعة المؤسسية، وتصنع رصيداً من الثقة لدى المستهلكين والمجتمعات والمؤسسات غير الحكومية، وهي أصول ذات أثر اقتصادي ملموس.

كما أن هناك منافع مالية مباشرة؛ فقد لاحظت شركة يونيليفر تحسناً في خصوبة التربة وزيادة في الكائنات الملقحة نتيجة مشاريع الزراعة التجديدية التي نفذتها. ورغم هذه النتائج، فإن تحقيق الأرباح والعوائد المرتفعة من هذا النموذج قد يستغرق وقتاً أطول.

الاقتصاد الدائري كمحرك للتحول الشامل

تشكل مبادئ الكفاية في الاقتصاد الدائري الركيزة الأساسية لأحدث أبحاث الدكتورة بوكين، وهو نموذج ينبثق من إستراتيجية إبطاء الحلقة من خلال ترشيد استهلاك الأفراد.

وفي هذا الصدد، تذكر بوكين مع الباحثين لورا نيسين وسامويل، أن الهدف هو توفير ما يكفي لعيش الأفراد برغد دون إفراط، وتلبية الاحتياجات الأساسية لضمان حياة كريمة، مع إعطاء الأولوية لجودة الحياة في العمل والتعليم والترفيه، بدلاً من الجري الوراء إشباع الرغبات المادية اللامحدودة.

دور الشركات في تعزيز أسلوب استهلاك الكفاية

يمكن للشركات والمستهلكين التعاون لبناء هذا المفهوم. إذ استطاعت الشركات حث المستهلكين على ترشيد الشراء، وتصنيع منتجات أقل استهلاكاً للموارد، ومساعدة العُملاء على الاستفادة من المنتجات لأطول فترة ممكنة. وذلك عبر اتخاذ خطوات مثل:

تقديم تصاميم مبتكرة وعابرة للزمن لا تتأثر بتبدل صيحات الموضة.

تمكين المستهلكين من استخدام المنتجات للمدة التي يحتاجونها فقط عبر خيارات التأجير.

طرح خيارات بيئية متوازنة، كالتشجيع على التحول نحو الأنظمة الغذائية القائمة على النباتات.

إن هذا التوجه لا يعني إفلاس الشركات أو خروجها من المنافسة، بل يتيح لها كسب حصص سوقية جديدة على حساب المنشآت التي تنتج سلعاً قصيرة العمر وغير مستدامة. ومع ذلك، قد لا يؤدي هذا النموذج إلى طفرات نمو سريعة. ومثال ذلك شركة ميلي للأجهزة المنزلية التي تمنح ضماناً يصل إلى عشرين عاماً على غسالاتها، في قطاع لا يتعدى فيه العمر الافتراضي للمنتج عشر سنوات. وتفضل الشركة قبول معدلات نمو مستقرة ومتحفظة في سبيل الحفاظ على معايير الاستدامة الخاصة بها.

التحول المطلوب: تكاتف مجتمعي وسياسي

تتعدد العوامل التي قد تسهم في الإسراع بتطبيق الاقتصاد الدائري، وفي مقدمتها ندرة الموارد الطبيعية. إلا أن التدخل الحكومي يظل حاسماً في هذه المعادلة. فالانتقال نحو الاقتصاد الدائري يمثل تحدياً كبيراً للشركات في الوقت الراهن، لما ينطوي عليه من غموض ومخاطر استثمارية. غير أن الوضع سيتغير جذرياً في حال اتخاذ قرارات مثل:

تخصيص صناديق حكومية لدعم الابتكار وإعطاء الأولوية في المشتريات الحكومية للممارسات الدائرية.

إنشاء مراكز معرفية متخصصة تقديم الدعم والإرشاد الفني للشركات.

سن تشريعات تفرض المسؤولية البيئية الكاملة أو حظر الممارسات غير المستدامة مثل المنتجات ذات الاستخدام الواحد.

من شأن هذه الإجراءات أن تحقق تكافؤ الفرص بين جميع الشركات، وأن توجه الحوافز الاستثمارية نحو اعتماد نماذج الأعمال الدائرية، بما ينعكس إيجاباً على المجتمع والبيئة.

المراجع البحثية المعتمدة في المقال

نتوجه بالشكر والتقدير للدكتورة نانسي بوكين على مساهمتها الاستشارية ومراجعتها لمحتوى هذا المقال. كما نثمن الجهود البحثية القيمة التي قدمتها بالتعاون مع فريقها البحثي الذي يضم كلاً من: كوني باكر، كلير بارلو، ماريان شيرتو، أنكيتا داس، إنغريد دي باو، غونثر دوبراوز، ثيجس جيرادتس، جان كونييتزكو، أنطونيوس كومباراكيس، باتريشيا ماتزدورف، لورا نيسين، موريتز أوبست، صامويل شورت، والتر شتاهل، وبرام فان دير غرينتن. وتشمل قائمة أبحاثهم المعتمدة:

دراسة بوكين وجيرادتس عام ألفين واثنين وعشرين حول تصميم نماذج الأعمال الدائرية، المنشورة في مجلة ستانفورد للمراجعة الابتكارية الاجتماعية.

تحليل بوكين ونيسين وشورت عام ألفين واثنين وعشرين حول الاقتصاد الدائري القائم على الكفاية عبر دراسة مائة وخمسين شركة، المنشور في مجلة حدود في الاستدامة.

ورقة بوكين ودي باو وباكر وفان دير غرينتن عام ألفين وستة عشر حول إستراتيجيات تصميم المنتجات ونماذج الأعمال للاقتصاد الدائري، المنشورة في مجلة الهندسة الصناعية والإنتاجية.

تقرير بوكين وشتاهل ودوبراوز وكومباراكيس وأوبست وماتزدورف عام ألفين وواحد وعشرين حول الدائرية كمعيار جديد لملائمة إستراتيجيات الأعمال السويسرية للمستقبل، الصادر عن شركة بي دبليو سي سويسرا.

بحث كونييتزكو وداس وبوكين عام ألفين وثلاثة وعشرين حول التحول نحو نماذج الأعمال التجديدية، المنشور في مجلة الإنتاج والاستهلاك المستدام.

دراسة شورت وبوكين وبارلو وشيرتو عام ألفين وأربعة عشر حول تطور نماذج الأعمال والبيئة الصناعية من تكرير السكر إلى زراعة الطماطم، المنشورة في مجلة البيئة الصناعية.

دوافع كتابة المقال

أجرت شبكة أبحاث الاستدامة استطلاعاً لرأي قرائها في شهر يناير من عام ألفين وثلاثة وعشرين للوقوف على الموضوعات الأكثر أولوية في مجال استدامة الأعمال. وقد تركزت تساؤلات المشاركين حول المحاور التالية:

ما هي ماهية نماذج الأعمال الخاصة بالاقتصاد الدائري؟

كيف يمكن لهذه النماذج أن تدمج إستراتيجيات محددة مثل التصميم القابل للتفكيك، واللوجستيات العكسية، وإعادة التدوير المتقدم، وخدمات الإصلاح وإعادة الاستخدام، والمنتجات المعاد تدويرها، واستبدال الملكية بالاشتراك، والتخزين الوسيط؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات، أوصى الدكتور سامولي باتالا الخبير في الاقتصاد الدائري وعضو لجنة المحتوى بالشبكة، بالاعتماد على المخرجات البحثية للدكتورة نانسي بوكين وفريقها العلمي.

المصدر

 

مقالات ذات صلة