القائمة الرئيسية

5 مبادئ لتوجيه السياسات الصناعية في الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة

5 مبادئ لتوجيه السياسات الصناعية في الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة
ملخص المقال

يرى المقال أن نجاح السياسات الصناعية في الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة يعتمد على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الانفتاح الاقتصادي وتعزيز المرونة في مواجهة الصدمات الخارجية، دون اللجوء إلى سياسات حمائية أو دعم يشوه الأسواق. ويستعرض خمسة مبادئ رئيسية لتحقيق ذلك، تشمل تجنب دعم القطاعات المتعثرة، وتركيز الموارد المحدودة على المجالات ذات الأولوية، واعتماد نهج قائم على سلاسل القيمة والشبكات الإنتاجية بدلاً من النظرة القطاعية الضيقة، وتعزيز التنسيق الدولي لتجنب سباقات الدعم غير المجدية، ومواءمة السياسة الصناعية مع سياسات المنافسة والتجارة والابتكار. ويخلص المقال إلى أن الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة تستطيع بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود إذا صُممت سياساتها الصناعية بصورة استراتيجية، موجهة، ومنسقة دوليًا، بما يحافظ على مزايا الانفتاح الاقتصادي ويحد في الوقت نفسه من مخاطره.

يُشكل الانفتاح الاقتصادي بالنسبة للاقتصاديات الصغيرة المفتوحة سلاحاً ذو حدين، فهو مصدر قوة وسبيل هشاشة في الوقت ذاته. فبينما يمثل النفاذ إلى الأسواق العالمية، وتدفق رؤوس الأموال، وتناقل المعارف والتقنيات المحرك الأساسي لاستزادة نماء هذه الاقتصاديات، فإنه يتركها في الوقت نفسه مكشوفة أمام الصدمات الخارجية التي تولد بعيداً عن حدودها. ومن هذا المنطلق، تغدو رسم السياسات الصناعية عملية ضبط دقيقة لميزان حساس، تهدف إلى إرساء دعائم المرونة والقدرة على مواجهة الصدمات من خلال تنويع القاعدة الاقتصادية، دون الانكفاء على الذات أو الانغلاق الذي يقوض شريان الحياة الذي تعتمد عليه. وتسلط هذه المقالة الضوء على المواضع التي نجحت فيها الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة في إحكام هذا التوازن، والمجالات التي ما زالت تتطلب منها مزيداً من التطوير والتحسين.

كيف تبدو واقعية أداء الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة في إدارة سياساتها الصناعية؟ إن النتيجة تفوق التوقعات إيجاباً. إذ تظهر التحليلات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن هذه الاقتصاديات تميل إلى انتهاج سياسات صناعية أقل إحداثاً للتشوهات مقارنة بنظيراتها الكبرى، حيث تتجنب الانزلاق في فخ تقديم الدعم المالي والوقاية للقطاعات الاقتصادية المتردية. غير أن هامش الخطأ المتاح لها يظل حرجاً للغاية؛ ففي عالم المعاصرة الذي لم تعد فيه العمليات الإنتاجية تحترم الحدود القطاعية أو الجغرافية، يُعد التعثر في صياغة السياسة الصناعية رفاهية لا تملك الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة القدرة على تحمل تبعاتها. وتستعرض هذه المقالة 5 مبادئ جوهرية لتسخير السياسات الصناعية في بناء المرونة وتعزيز التنافسية، دون المساس بجوهر الانفتاح الذي تقوم عليه هذه الاقتصاديات.

أولاً: تجنب إحداث التشوهات في البيئة الداخلية والأسواق الخارجية

تتمثل أبرز المآخذ الشائعة على السياسات الصناعية في أنها قد تكافئ التقاعس وترسخ ضعف الكفاءة عبر ضخ الدعم الحكومي للقطاعات المتعثرة التي عجزت عن الصمود في وجه التنافسية. ويبدو أن الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة قد نجحت إلى حد كبير في تفادي هذا المزلق. وتؤكد البيانات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمتعلقة بترميز الاستراتيجيات الصناعية أن الدعم القطاعي في الاقتصاديات الكبرى غالباً ما يوجه نحو الصناعات ذات الأداء التصديري الضعيف، حيث يعكس رسم التوضيح الأول وجود علاقة عكسية بين نسبة الدعم القطاعي من القيمة المضافة وبين الميزة النسبية للقطاع. وبكلام آخر، تبتعد الاقتصاديات الكبرى عن دعم القطاعات الواعدة، لتوجه مواردها بدلاً من ذلك إلى إسعاف القطاعات المتردية؛ وهو مسار يتباين تماماً مع ما تنتهجه الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة الموضحة في الرسم الثاني، والتي يظل تجنبها لهذه التشوهات أمراً مصيرياً في ظل ما تواجهه من منافسة دولية محمومة.

ولا تقف خطورة التشوهات عند حدود الدولة الإقليمية؛ فبالنسبة لاقتصاديات تتوقف حركتها على إبقاء الأسواق مفتوحة لتصريف المنتجات واستيراد المدخلات واكتساب المعارف، فإن الانجرار وراء سباقات الدعم المالي أو التسبب في تجزئة حركة التجارة العالمية يُعد سلوكاً يضر بوجودها ذاته. وفي هذا السياق، لا يمثل الانفتاح مجرد سمة عابرة، بل هو رصيد استراتيجي تتوجب حمايته بكل السبل.

ثانياً: تركيز السياسات الصناعية بدقة في ظل محدودية الموارد

يغدو التوجيه الدقيق خياراً لا مناص منه؛ إذ لا يمكن لأي اقتصاد صغير مفتوح أن يمتد بدعمه ليشمل كافة القطاعات في آن واحد، نظراً لضيق المساحة المتاحة في الميزانيات العامة، ومحدودية تنوع بيئات الابتكار، وتواضع القدرات التمويلية. وتؤكد بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الواقع، حيث يبلغ متوسط إنفاق الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة على المنح والإعفاءات الضريبية نحو 1.48% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 1.68% في الاقتصاديات الكبرى، أي بنقص يتجاوز 12%.

ولما كان من المستحيل على أي اقتصاد صغير أن يحوز الريادة العالمية في كل مجال، جاز اتخاذ قرارات حاسمة وتحديد أولويات جليّة. إذ يجب على الاستراتيجية الصناعية أن تعين القطاعات التي ينبغي فيها خوض غمار الابتكار المتقدم، وتلك التي يتوجب فيها التركيز على نقل واستيعاب التقنيات المطورة خارجياً وتنويعها محلياً، وهو قرار يتطلب تقييماً واقعياً ونزيهاً لنقاط القوة والضعف والفرص الواعدة في الاقتصاد. وتكشف سجلات الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة عن نتائج متباينة تجمع بين إخفاقات وتجارب نجاح ملهمة؛ فقد تمكنت كوريا الجنوبية، التي كانت تصنف حينها كاقتصاد صغير مفتوح، من التحول بنجاح نحو الصناعات الثقيلة والكيماوية خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تجري تحولاً استراتيجياً متطورت مع بداية الألفية الثالثة نحو مجالات الأدوية الحيوية، والتشخيص الطبي، والتقنيات الطبية، والتصنيع المتقدم.

ويتمثل التحدي التصميمي هنا في إحكام المعايرة والموازنة؛ إذ إن الإفراط في التركيز الضيق يحمل في طياته مخاطر التخصص المفرط والانكشاف أمام الصدمات القطاعية الخاصة، في حين يؤدي التوسع المفرط إلى تشتيت الموارد المحدودة وتجريدها من أثرها الملموس. ويعتمد النهج القويم على قرن الدعم الموجه بالاستثمار في التنسيق وتبادل المعلومات وتيسير الأعمال، بدلاً من الاتكال على الإعانات المالية وحدها، مع إخضاع هذه السياسات للمتابعة والتقييم المستمرين لتسهيل إعادة توجيه الموارد في حال تدني كفاءتها. وتغدو النافذة المتاحة للتركيز واستيعاب الهدف ضيقة للغاية ويصعب التكهن بها في حالة الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة شحيحة الموارد.

ثالثاً: تبني التفكير الشبكي المتكامل بدلاً من النظرة القطاعية الضيقة

ما زالت غالبية السياسات الصناعية تتعامل مع القطاعات الاقتصادية ككيانات معزولة، وتؤكد بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن هذا النهج يبرز بوضوح في الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة، والتي تخصص ثلث إنفاقها الصناعي للمبادرات الموجهة لقطاعات بعينها (أي بنسبة 0.47% من الناتج المحلي الإجمالي من أصل 1.48%)، مقارنة بأقل من الربع في الاقتصاديات الكبرى (0.41% من الناتج المحلي الإجمالي من أصل 1.68%). ومع ذلك، أصلح هذا النهج يتعارض بشكل صارخ مع آليات الإنتاج في العصر الحديث.

فالإنتاج المعاصر يتسم بالتجزؤ عبر حدود الدول المتعددة، ويرتبط ببعضه عبر شبكات معقدة من المدخلات والمخرجات، وهي الشبكات التي تنخرط فيها الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة بكثافة تتجاوز غيرها. إذ يتغلغل اندماجها في سلاسل القيمة العالمية بشكل أعمق، ويتعاظم اعتمادها على شبكات الإنتاج العابرة للحدود مقارنة بالاقتصاديات الكبرى. وتكشف التقديرات الحديثة للتجارة في القيمة المضافة لعام 2024 والصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن اتساع هذه الفجوة؛ إذ تمثل القيمة المضافة الأجنبية ما يصل إلى 65% من إجمالي صادرات لوكسمبورغ و42% من صادرات أيرلندا، مقابل 22% في ألمانيا و8% فقط في الولايات المتحدة. وبالمتوسط، تعتمد الاقتصاديات الصغيرة على المدخلات الأجنبية بنسبة تفوق اعتماد الاقتصاديات الكبرى بمقدار أضعاف مضاعفة تتراوح بين الضعفين و5 أضعاف.

وينجم عن ذلك أن استهداف قطاع ينفرد بذاته دون النظر إلى موقعه ضمن منظومة الشبكة الإنتاجية الكلية، يحمل مخاطر إغفال المسارات الفعلية التي تسري عبرها أثار هذه السياسات. إذ إن وقوع خلل في توريد عنصر أولي صغير ولكنه حاسم، يمكن أن تتداعى آثاره لتتجاوز القطاع المتأثر أولاً، مثلما تجلى بوضوح في أزمة النقص العالمي في أشباه الموصلات مع بدايات العقد الحالي عام 2020.

وبناءً عليه، يتحتم على السياسة الصناعية الناجحة في الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة الانتقال من المنطق القطاعي الضيق إلى منطق سلاسل القيمة المترابطة. ولا يعني هذا التخلي التام عن الأدوات القطاعية، بل إعادة صياغتها ضمن إطار أوسع يراعي موقع القطاع في الشبكة، والعلاقات المتبادلة بين القطاعات، والاعتمادات العابرة للحدود؛ وهو الإطار الكفيل بتحديد المواقع التي يحقق فيها التدخل أكبر عائد اقتصادي شامل، سواء من حيث النمو أو المرونة.

رابعاً: تعزيز التنسيق في السياسات الصناعية العابرة للحدود

بالنسبة للاقتصاديات الصغيرة المفتوحة، لا توجد استراتيجية صناعية يمكن اعتبارها شأناً داخلياً صرفاً. فالأعباء المالية للسياسة الصناعية، والمتمثلة في الدعم والمزايا الضريبية، تُتحمل محلياً، في حين أن منافعها غالباً ما تفيض إلى الخارج عبر انتقال المعارف أو زيادة الطلب على المنتجات الأجنبية. وفي هذا السياق، تتحقق المرونة عبر تمتين الروابط الدولية التي تتأسس عليها هذه الاقتصاديات، وليس عبر التقوقع والانكفاء على الذات.

ويكمن الخطر الحقيقي في التنافس أحادي الجانب؛ فعندما تتسابق الدول لاجتذاب ذات الصناعات عبر تقديم إعانات مالية متزايدة، ينتهي المطاف بدخول سباق ينحدر نحو القاع، حيث تُهدر الموارد العامة لصالح الشركات دون تحقيق مكاسب اقتصادية مستدامة. وهنا يقدم التنسيق الدولي البديل الأمثل؛ فمن خلال الشراكات الثنائية أو الأطر متعددة الأطراف، مثل المشاريع ذات الاهتمام الأوروبي المشترك، تستطيع الدول حشد مواردها، والموصول إلى الحجم الاقتصادي الكفيل بالتنافس عالمياً، وتوحيد الحوافز بدلاً من تكرار الجهود. وبناءً عليه، لا يُعد التنسيق بالنسبة للاقتصاديات الصغيرة المفتوحة مجرد خيار ثانوي، بل هو مكون هيكلي حاسم لإنجاح أي استراتيجية صناعية.

خامساً: السياسة الصناعية لا تعمل بمعزل عن المكونات الأخرى

في الاقتصاديات الصغيرة المفتوحة، كما هو الحال في الاقتصاديات الكبرى، لا تستطيع السياسة الصناعية بلوغ أهدافها بمفردها. إذ تعمل سياسات حماية المنافسة على إبقاء الأسواق مفتوحة ومتاحة للتنافس، وتمنع تحول الصناعات المحمية إلى احتكارات تقتات على الريع، وهو خطر يتعاظم في الاقتصاديات الصغيرة التي يقل فيها عدد الفاعلين وتزداد فيها معدلات التركز الطبيعي. كما تكفل السياسات التجارية استمرار النفاذ إلى المدخلات وأسواق التصدير، وهو أمر مصيري لهذه الاقتصاديات. وفي الوقت نفسه، تسهم سياسات الابتكار في استيعاب التقنيات الأجنبية وتدعم جهود التنويع التي تحد من الهشاشة على المدى البعيد. وبدون تحقق الانسجام بين هذه القطاعات، فإن أكثر السياسات الصناعية إحكاماً قد تتعرض للتقويض بسبب اختلال البيئة التي تعمل في ظلها.

الخاتمة: المسار المستقبلي للاقتصاديات الصغيرة المفتوحة

تؤكد المبادئ الـ 5 المذكورة على ضرورة تحري ذات التوازن، بين الانفتاح المحرك للرخاء والتنمية، وبين المرونة الحامية من المخاطر. ولا شك أن إحكام هذا الميزان ليس بالأمر اليسير، غير أنه يمثل بدقة المجال الذي يمكن لجهود منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تحدث فيه فارقاً جوهرياً؛ من خلال تقديم إطار متكامل، وأدلة علمية موثوقة، ومنهجيات بيانات مجربة، وركيزة للتعاون الدولي، مما يساعد الحكومات على تشخيص احتياجاتها بدقة أعلى، ومراقبة النتائج، وتعديل المسارات عندما تقصر السياسات عن تحقيق غاياتها.

لقد عادت السياسات الصناعية إلى الواجهة في عالم أكثر تجزؤاً، وأشد تقلباً، وأكثر نزوعاً إلى التفكير الاستراتيجي مقارنة بالعقود الماضية. وبالنسبة للاقتصاديات الصغيرة المفتوحة، فإن تحقيق النجاح يمثل تحدياً جسيماً؛ فهو يتطلب أن تكون السياسات مركزة ومفتوحة في آن واحد، واستراتيجية دون أن تكون محدثة للتشوهات، ووطنية التصميم لكنها عالمية التنسيق. فالهدف الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الانفتاح والمرونة، بل في جعل الانفتاح الذي تعتمد عليه هذه الاقتصاديات أكثر مرونة وصموداً، مع تجنب الفخاخ التقليدية المتمثلة في الدعم العشوائي، وضعف المنافسة، والتدابير التي تستمر بعد انتهاء الحاجة إليها.

المصدر

 

مقالات ذات صلة