القائمة الرئيسية

التعاطف في المنظومة التعليمية: لمَ يُعد حجرة الزاوية لكل طالب؟

التعاطف في المنظومة التعليمية: لمَ يُعد حجرة الزاوية لكل طالب؟
ملخص المقال

يرى المقال أن الحد من التنمر المدرسي لا يتحقق باللوائح والعقوبات وحملات التوعية وحدها، بل يتطلب ترسيخ التعاطف بوصفه مهارة وسلوكًا يمكن تعلمه وتنميته داخل البيئة التعليمية. ويستعرض نتائج ندوة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أكدت أن التعاطف ينمو في بيئات توفر الأمان النفسي، ويجسده المعلمون والقيادات التربوية في ممارساتهم اليومية، مع تزويد الطلاب بالمهارات التي تمكنهم من التدخل الإيجابي عند وقوع التنمر. كما يسلط الضوء على نجاح البرنامج الفنلندي ""كيفا"" في تعزيز التعاطف العاطفي وتقليل التنمر من خلال التركيز على دور الشهود والزملاء، بدلًا من الاقتصار على المتنمرين والضحايا. ويختتم المقال بالتأكيد على أن بناء مدارس أكثر أمانًا يتطلب دمج التعاطف في السياسات والثقافة المدرسية، مع الإشارة إلى أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ستقيس هذه المهارة دوليًا لأول مرة، بما يسهم في تطوير منظومات تعليمية أكثر احتواءً ودعمًا للأطفال.

يُفترض بالمدرسة أن تكون الملاذ الآمن الذي يشعر فيه كل طفل بقيمته، وتحاط فيه كرامته بالرعاية، وتتهيأ فيه نفسه للإقبال على العلم. غير أن الواقع الملموس ينافي ذلك في كثير من الأحيان، إذ تشير أحدث البيانات الصادرة عن دراسة تقييم الطلاب الدولية إلى أن ما يقارب 20% من الطلاب يتعرضون لممارسات التنمر 2 أو 3 مرات في الشهر على أقل تقدير.

ودأبت المساعي الرامية إلى الحد من ظاهرة التنمر على الاعتماد على فرض القوانين الصارمة، وإيقاع العقوبات، وإطلاق حملات التوعية. بيد أن هناك بعداً جوهرياً لم ينل ما يستحقه من البحث والاهتمام، ألا وهو التعاطف؛ لا بوصفه حلاً سحرياً لكافة المشكلات، بل باعتباره ركيزة متينة لبناء بيئات مدرسية أكثر أماناً واحتضاناً للجميع.

قدرة اكتساب تفوق التوقعات

شهدت الندوة الرقمية الأخيرة التي نظمتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحت عنوان ""لماذا ينبغي أن نولي التعاطف في التعليم اهتماماً بالغاً؟"" مشاركة نخبة من الباحثين والممارسين الميدانيين من كولومبيا وفنلندا والهند والمملكة المتحدة. وقد خلصت نقاشاتهم إلى نتيجة جلية مفادها أن التعاطف ليس سمة شخصية جامدة لا تقبل التغيير، بل هو سلوك يُكتسب وتثري الجوانب التيمية الممتدة جذورها في الأنظمة التعليمية القدرة على تنميته ورعايته. وقد برزت في هذا الصدد 3 رؤى رئيسية:

تتمثل الرؤية 1 في أن التعاطف يتجاوز مجرد الفهم النظري لمشاعر الآخرين، بل يمتد ليعني الاتصال الوجداني الصادق بما يخوضه الطرف الآخر، والدافع الداخلي لتقديم يد العون له.

أما الرؤية 2 فتؤكد أن التعاطف لا ينمو في معزل عن البيئة المحيطة، بل يزدهر في المساحات التي ينعم فيها الطلاب بالأمان النفسي، وحيث يجسد المعلمون هذا التعاطف واقعاً حياً في تعاملاتهم اليومية، وحيث يتيح القادة التربويون المجال لتطبيقه. فالأطفال يستقون سلوكياتهم من الكبار المحيطين بهم، وإن لم يلمسوا التعاطف في أفعال أولئك الكبار، فلن يجدوا السبل الكفيلة باكتسابه وتطويره.

وتتجلى الرؤية 3 في أن التعاطف وحده لا يكفي لدحر ظاهرة التنمر، إذ يحتاج الطلاب إلى آليات واستراتيجيات عملية تمنحهم الجرأة والثقة للتدخل الإيجابي وإيقاف التنمر عند حدوده.

برنامج كيفا والنموذج الفنلندي الرائد

حظي برنامج كيفا المخصص لمكافحة التنمر، والذي طورته الدكتورة الكريستينا سال ميفالي برفقة فريقها البحثي في جامعة توركو الفنلندية، باهتمام علمي واسع ونطاق تطبيق عريض في مختلف أنحاء العالم. وما يميز هذا البرنامج أنه لا يكتفي بالتركيز المباشر على المتنمرين أو ضحاياهم فحسب، بل يوجه ثقله نحو الشهود والمشاهدين من الزملاء، والذين يشكل موقفهم نقطة الفصل بين تأجيج التنمر أو كبح جماحه. ولكي ينجح البرنامج في تغيير سلوكيات هؤلاء الزملاء، فإنه يعمل على غرس قيم التعاطف تجاه الضحايا من خلال أنشطة منهجية تفاعلية تجعل الطلاب يخوضون تجربة واعية تتأمل ما يعنيه أن يعيش الفرد تحت وطأة التنمر يوماً تلو الآخر. وقد أثبتت الدراسات العلمية قدرة برنامج كيفا على تعزيز ما يُعرف بالتعاطف العاطفي لدى الطلاب، وهو القدرة على استشعاره وإدراك مشاعر الآخرين ومشاركتهم إياها، وهي نتيجة أثبتت صحتها بغض النظر عن جنس الطالب، أو مستويات التعاطف الأولية لديه، أو طبيعة البيئة المدرسية التي ينتمي إليها.

وفي هذا الصدد، أوضحت الدكتورة الكريستينا سال ميفالي للمشاركين في الندوة أن التعاطف ليس مجرد مهارة مكتسبة، بل هو يرتبط أشد ارتباط بالرغبة والدافع لوضع الإنسان نفسه في موقع الآخرين. فالتعاطف ينبض في دواخلنا جميعاً بدرجات متفاوتة، وكل ما نحتاجه هو التحفيز المستمر لتفعيله وإبرازه في حياتنا العملية.

وعلى صعيد متصل، تخوض العاصمة الفنلندية هلسنكي جولات متتابعة ضمن الدراسة المسحية للمهارات الاجتماعية والعاطفية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما في ذلك الدورة المسحية المقبلة.

ويُعد هذا الانخراط الفاعل من قبل المدينة نموذجاً حياً لما ينبغي أن يكون عليه الالتزام المؤسسي الشامل بالتعلم الاجتماعي والعاطفي، بدءاً من القيادات المدرسية التي ترسم الملامح العامة وتحدد التوجهات، مروراً بالمعلمين الذين يتلقون الدعم الكافي لتمثيل التعاطف في سلوكهم، وصولاً إلى توفير الأدوات الكفيلة بقياس ورصد نمو هذه المهارات عبر الزمن، في ظل ثقافة تنموية تتعامل مع البناء الاجتماعي والعاطفي بوصفه جزءاً أصيلاً لا ينفصل عن العملية التعليمية برمتها.

المسار المستقبلي والخطوات القادمة

إن النهوض بقيمة التعاطف لا يعني إثقال كاهل الجدول المدرسي المزدحم بدرس إضافي، بل يتمثل في صياغة سياسات تعليمية متكاملة، وتهيئة بيئة احتضانية داخل الفصول الدراسية وغرف الهيئات التدريسية تتيح ممارسة التعاطف وجعله أسلوب حياة مستدام. وهذا يتطلب بيئات تعليمية متعدية الأبعاد، ومعلمين يحظون بالدعم النفسي والوجداني، وقيادات تؤكد من خلال ممارساتها أن العلاقات الإنسانية لا تقل أهمية عن التحصيل الأكاديمي والنتائج الرقمية. وفي وقت لاحق من هذا العام، تستعد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتقييم مهارة التعاطف بشكل مباشر ولأول مرة من خلال مسح المهارات الاجتماعية والعاطفية عبر أكثر من 20 منظومة تعليمية حول العالم. ومن المرتقب أن تقدم نتائج هذا المسح، والمتوقع صدورها في عام 2027، القراءة الأكثر شمولاً وتعمقاً على المستوى الدولي لكيفية نمو التعاطف لدى الأطفال والسبل الكفيلة بالارتقاء بالمنظومات التعليمية لتعزيزه وتنميته.

المصدر

مقالات ذات صلة