القائمة الرئيسية

لماذا لا نعيش اليوم أزمة وظائف في عصر الذكالي بل أزمة في سُبل العيش؟

لماذا لا نعيش اليوم أزمة وظائف في عصر الذكالي بل أزمة في سُبل العيش؟
ملخص المقال

ينتقد المقال الافتراض السائد بأن برامج إعادة التأهيل والتدريب التقليدية كافية لمواجهة آثار الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، مؤكداً أن سرعة التحولات التقنية تتجاوز قدرة هذه البرامج على مواكبتها، وأن التركيز على حماية الوظائف لم يعد كافياً. ويرى أن إحلال الذكاء الاصطناعي محل العمالة لا يهدد الدخل فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى فقدان الخبرات التراكمية والذاكرة المؤسسية، بينما تشير الأدلة إلى أن المؤسسات تحقق أفضل النتائج عندما تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات البشرية لا لاستبدالها. كما يبرز المقال أهمية المهارات الإنسانية، مثل الإبداع والحكم الأخلاقي والتفاعل الاجتماعي، بوصفها المصدر الحقيقي للقيمة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. ويخلص إلى ضرورة إعادة صياغة السياسات العامة والاقتصادية بالانتقال من التركيز على ""حماية الوظائف"" إلى ضمان ""سبل عيش مستدامة""، عبر بناء أنظمة حماية وتنمية تركز على الإنسان وكرامته وقدرته على التكيف، بما يضمن أن تخدم مكاسب الذكاء الاصطناعي المجتمع بأسره لا أن تعمق الانقسامات الاقتصادية.

تثبت الواقعية الاقتصادية أن أطر إعادة التأهيل والتدريب الوظيفي التقليدية باتت قاصرة تماماً عن مجاراة متطلبات التحول السريع والاضطرابات المتلاحقة التي يفرضها الذكالي في الأسواق.

إن الاندفاع نحو استبدال العمالة البشرية بتقنيات الذكالي يؤدي حتماً إلى تآكل الرصيد المعرفي للمؤسسات، ويفقدها قيمتها الاستراتيجية الممتدة على المدى الطويل. ومن هذا المنطلق، أضحى لزاماً على السياسات الدولية أن تتجاوز المنظور الضيق القائم على حماية مسميات وظيفية بعينها، لتتجه نحو تأمين سُبل عيش مستدامة تصون الكرامة الإنسانية.

لقد ظل السجال العالمي القائم حول الذكالي ومستقبل سوق العمل ينطلق من زاوية خاطئة لزهاء عقد من الزمان؛ إذ نواصل الاستغراق في التساؤل عن هوية الوظائف التي ستكتب لها النجاة، بينما الحري بنا أن نتساءل بدءاً: هل لا يزال مفهوم ""الوظيفية"" بحد ذاته يمثل المعيار والأداة المناسبة للتحليل؟

إن هذا التمايز ليس مجرد ترف في الصياغة أو اختلاف في الألفاظ، بل هو تمايز جوهري يتصل بالبناء الهيكلي وبحقوق الإنسان. وطالما أننا لم نستوعب هذا الفارق، ستظل الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية توجد حلولاً قاصرة لمشكلات صُيغت على نحو خاطئ.

وهم إعادة التأهيل: أسباب تعثر البرامج التدريبية التقليدية

تتجسد الاستجابة السائدة أمام موجات التسريح التي يسببها الذكالي في إطلاق برامج إعادة التأهيل والتدريب. وتشير التقديرات إلى أن التقنية ستعيد تشكيل زهاء مليار ومئة مليون وظيفة خلال العقد القادم، مما يحتم على تسعة وخمسين بالمئة من القوى العاملة عالمياً الخضوع لبرامج إعادة تدريب بحلول عام ألفين وثلاثين. ورغم أن الطموح يبدو جلياً، إلا أن المظلة التي يستند إليها تبدو شديدة الهشاشة؛ ذلك أن التحولات الوظيفية تتسارع بمعدلات تفوق قدرة الدورات التدريبية على الملاحقة والاستيعاب. وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن إعادة التأهيل قد لا تكون الخيار الموثوق عندما تكون المهن المجهّز لها أصلًا في طريقها للانحسار والتلاشي. كما قدر تقرير مستقبل الوظائف لعام ألفين وخمسة وعشرين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن ثلاثين بالمئة من الموظفين سيضطرون للبحث عن مسارات وظيفية أخرى عقب انتهاء تدريبهم، أو سيجدون أنفسهم في مهب الضياع دون ذلك التدريب.

إن فاتورة هذا التحول ليست متوقعة ولا هي متساوية الأثر؛ إذ تتعرض الوظائف ذات المهارات المنخفضة والمتوسطة للتفريغ، ويمتد هذا الأثر ليعصف بمهن كانت تُعد حتى وقت قريب عصية على الاستبدال، بما في ذلك قطاعات الاقتصاد الإبداعي. وفي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، يفقد العمال الذين يمرون بمراحل انتقالية في مساراتهم المالية — وهم البحث عن عمل أول، أو مواجهة البطالة، أو السعي لإعادة التأهيل بعد التهميش — ما يقارب ترليون ومئة مليار دولار من دخلهم السنوي، وهو ما يمثل زهاء خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويبقى جزء كبير من هذه الخسائر بعيداً عن أرقام التقييم الرسمي، نظراً لكون التقارير الوظيفية تغفل قياس المهارات الضمنية، فضلاً عن أن اقتصاد العمل الحر قد أضعف الحجة الداعية للتعليم النظامي، رغم أن هذا النوع من العمل نادراً ما يوفر دخلاً كافياً لإعالة أسرة.

ولم يعد التفوق في الأداء الموظيفي درعاً يحمي دخل الموظف؛ إذ تتزايد معدلات التسريح لا لقصور في أداء العمال، بل لأن أدائهم المتميز في الماضي أُستغل لتدريب خوارزميات الذكالي التي أضحت اليوم تحل محلهم. وفي المملكة المتحدة، فإن الشاب البالغ من العمر أربعة وعشرين عاماً الذي يفقد وظفيته ويستغرق شهراً كاملاً لتأمين غيرها، قد يخسر ما يصل إلى ثلاثمئة ألف جنيه إسترليني من إجمالي أرباح حياته المهنية؛ وتظل النساء الأكثر عرضة لهذه الخسائر الكبيرة، نظراً لكونهن أكثر عرضة لمخاطر الأتمتة بمقدار مرتين ونصف مقارنة بالرجال.

الأعباء المالية لإعادة التأهيل المستمر على مستوى الشعوب

إن ديمومة إعادة التأهيل على نطاق جماهيري واسع تشكل، في واقع أمرها، معضلة تأمين اجتماعي عويصة، في وقت ترزح فيه معظم الحكومات تحت أثقال ديون سيادية باهظة. ومع اقتراب الدين السيادي العالمي من مئة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، أكدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا أن معدلات النمو الراهنة ليست بالصلابة التي تمكنها من الاستجابة للالتزامات القائمة وتغطية تكاليف التحول نحو الذكالي في الوقت ذاته.

لقد صُممت معظم أنظمة الحماية الاجتماعية لعصر كان يتسم بالاستقرار المهني: يتأهل الفرد فيه مرة واحدة، ثم ينخرط في سوق العمل، ويدفع ضرائبه، حتى يصل إلى مرحلة التقاعد. غير أن الذكالي يدمر هذه الهندسة التقليدية؛ فقد تراجعت نسبة التوظيف في المهن العرضة لمخاطر الذكالي بمقدار ثلاثة فاصلة ستة بالمئة بعد مضي خمس سنوات فقط، وكان الأثر الأشد إيلاماً من نصيب العاملين في المستويات المبتدئة، مما أدى إلى تجريف سلم التدرج المكتسب للتمكين والارتقاء الاجتماعي. وفي المملكة المتحدة، فإن انضمام مليون شخص إلى صفوف البطالة سيكلف الخزانة العامة مئة وخمسة وعشرين مليار جنيه إسترليني، وهو رقم يتجاوز الميزانية المخصصة للتعليم بأكمله.

إننا لا نواجه مجرد كلفة تعديل ظرفية أو مؤقتة، بل نحن أمام التزام هيكلي عظيم تعجز معظم الاقتصاديات عن تحمله عبر شبكات حماية اجتماعية تعاني أساساً من ضغوط ديموغرافية ومالية خانقة.

التكلفة الخفية لإحلال الذكالي محل التقدير البشري

أما بالنسبة للمؤسسات والشركات، فإن الخطر الأعمق لا يكمن في كلفة أجور العمالة، بل في التآكل التدريجي للخبرة المؤسسية التراكمية؛ فعندما تندثر مهارة ما من هيكل القوى العاملة، تنمحى معها الذاكرة الضمنية التي تحركها. إن المحامي المتمرس في صياغة العقود يحمل في وجدانه ترجيحاً وتحكيماً مؤسسياً يوجه كيفية تعامل المؤسسة مع المفاهيم المتبقية ويصون ثقة العملاء. فعندما تعمد إلى أتمتة هذه المهمة، قد تكسب بعض الكفاءة، لكنك بفقدان الشخص تفقد البنية الفكرية والتنظيمية المحيطة بها.

وقد كشف مؤشر وظائف الذكالي العالمي لعام ألفين وستة وعشرين الصادر عن مؤسسة ""برايس ووتر هاوس كوبرز""، والذي حلل أكثر من مليار إعلان وظيفة عبر ست قارات، أن الشركات التي حققت أعلى معدلات في مكاسب الإنتاجية بفضل الذكالي هي تلك التي وظفته لتعزيز الكفاءة البشرية وتوسيع أفقها، لا لتخفيض النفقات. في حين أن الشركات التي تعاملت مع الذكالي كأداة إحلالية سجلت أداءً أدنى من نظيراتها التي اعتمدته كأداة تعزيزية. إن انتزاع العمق البشري لقاء مكاسب تشغيلية عابرة يحمل في طياته مخاطرة التضحية بالذكاء المؤسسي الأصيل في سبيل رفع هامش أرباح ربع سنوية.

المهارات البشرية باعتبارها دِعامات أساسية في اقتصاد الذكالي

تكمن خلف الحجج الاقتصادية المغالطة المصنعة التي تضع البشر والآلات في كفة واحدة وكأنهم يمارسون العمل ذاته، مع اعتبار الإنسان مجرد طرف أبطأ خطواً أو أعلى كلفة. ومع تولي الذكالي للمهام التحليلية والتشغيلية بنطاقات واسعة، فإن الملكات مثل الإبداع، وأخلاقيات التعامل مع السياق، والذكاء التفاعلي، لا تتحول إلى مجرد فضلات أو مهارات هامشية، بل تصبح هي العمود الفقري والمحور الأساسي للعملية برمتها.

هل سنحت لك فرصة الاطلاع على ذلك؟ إن الاستثمار في الوظائف البشرية هو الحاسم في تحديد الجهة التي تستأثر بمكاسب الذكالي.

الذكالي والوظائف المبتدئة: ما هي المخاطرة الكبرى الناجمة عن استبدال الأدوار المهنية في بداية المسار الوظيفي بالتقنية؟

إن القوى العاملة على دراية عميقة بأساسيات هذا التحول؛ فقد أظهر استطلاع واسع النطاق أن ثلاثة وثمانين بالمئة من العمال يرون أن الذكالي سيجعل المهارات البشرية الفريدة أكثر حيوية لا أقل، بينما يتطلع ستة وسبعون بالمئة منهم بشغف إلى المزيد من التواصل والتفاعل البشري كلما اتسعت رقعة الاعتماد على الذكالي.

إن هذا المنطق ليس مسعى لحماية مجردة أو انغلاق، بل هو موقف يرتبط بكرامة الوجود؛ فالذكالي يعالج البيانات والإشارات، بينما يستوعب الإنسان المعاني ويستنبطها ويصنع القرارات التي تحمل وزناً أخلاقياً. وإن الخلط بين الهويتين يفقر التفكير البشري والآلي معاً. وتبقى المسألة الجوهرية محصورة في التساؤل: هل نولي القيمة الكبرى للإنسان وإنسانيته، أم للآلة؟

إعادة صياغة مفهوم العمل: التحول من ""الوظائف"" إلى ""سُبل العيش المستدامة""

إن سُبل العيش لا تتحدد في مسمى وظيفي، بل هي القدرة الممتدة على توليد القيمة، وتحقيق الكرامة، واستدامة الأمان عبر الزمن للفرد وأسرته ومجتمعه. وهي تشتمل على الدخل المادي، وتتعداه لتلمس الغاية، والهوية، والانتماء، وتتميز بقابليتها للصمود أمام الاضطرابات بطريقة تعجز عنها التوصيفات الوظيفية، لكونها تتنظم حول الكائن البشري لا حول المهام الصماء. كما أنها حق إنساني أصيل كُفل منذ عام ألفين وتسعمئة وثمانية وأربعين في المادة الخامسة والعشرين من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، والتي تضمن مستوى معيشياً لائقاً وأماناً متكاملاً عند وقوع البطالة.

إن الحكومات مطالبة بالانتقال من أسلوب شبكات الأمان السلبية إلى بناء بنية تحتية استباقية لسُبل العيش. كما يتوجب على الشركات إعادة رسم أطر علاقاتها مع القوى العاملة لتتحول من المنظور النفعي العابر إلى المنظور التنموي؛ فقد وجدت مؤسسة ""ستاندارد تشارترد"" أن توفير ما يقارب تسعة وأربعين ألف دولار عن كل موظف يُعاد تأهيله وإعادة توظيفه داخلياً مقارنة ببديل يُستقطب من خارج المؤسسة. كما ينبغي للمؤسسات الدولية متعددة الأطراف تثبيت أجندة الذكالي وقضايا العمل حول مفهوم أمان سُبل العيش باعتباره نفعاً عاماً عالمياً، لأن المرحلة الانتقالية الفاصلة بين الواقع والمأمول هي المساحة التي يقطنها معظم العمال، وهي المساحة ذاتها التي تخفق السياسات الحالية في حمايتهم داخلها.

نحو بناء اقتصاد محوري إنساني في عصر الذكالي

ترسم استشرافات السيناريوهات الحديثة ملامح مستقبل يتسارع فيه تقدم الذكالي بمديات تتجاوز قدرة القوى العاملة على التكيف، حيث تتصاعد الإنتاجية بينما تتشقق المجتمعات اقتصادياً. إن هذا السيناريو ليس مصيراً محتوماً، ولكنه المسار التلقائي إذا ما واصلنا إدارة هذه التغيرات الهائلة بمهام وأطر صُممت لعالم أكثر استقراراً وسكوناً.

إن اقتصاد الذكالي لا يعاني من أزمة وظائف، بل يعاني من أزمة في المعنى والغاية. وإن التحول من أسر الوظائف إلى رحابة سُبل العيش يمثل الخيار الهيكلي الفاصل بين اقتصاد يستغل الإنسان واقتصاد يرعاه ويصونه، ولن نصل إلى هذا الخيار بمحض المصادفة؛ بل يتطلب الأمر قرارات واعية وشجاعة من الحكومات والشركات وصناع السياسات بشأن ما سيمولونه، وما سيحمونه، وتسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية.

ليس السؤال المطروح هو أي الوظائف ستكتب لها النجاة، بل السؤال الحقيقي هو: أي اقتصاد نقوم ببنائه اليوم، ولصالح من؟

المصدر

 

مقالات ذات صلة