تجربة السنة الجامعية الأولى
طلاب متفاعلون، عميقو النظر، بل يكادون يخطفون الأنظار في نقاشهم. ولا يكاد عضو هيئة تدريس يمر بفصول السنة الأولى دون أن يصادف أمثال هؤلاء الطلاب. ملاحظاتهم دقيقة، وأسئلتهم تفتح آفاقاً جديدة للنقاش، وقدرتهم على جذب زملائهم إلى الحوار أمر يثير الدهشة حقاً. وكل شيء يوحي بأن فصلاً دراسياً موفقاً ينتظر هؤلاء الطلاب، الذين تركوا بلا شك انطباعاً طيباً لدى أساتذتهم بوصفهم النموذج الذي يُحتذى لطالب السنة الأولى الناجح. لكن ما إن يُسلَّم أول بحث، أو يُخاض أول امتحان، حتى يتكشف أن هناك خللاً ما لا يتسق مع ذلك ""الأداء"" اللامع الذي شهدته قاعة الدرس. فالتفكير الذي بدا حاضراً بقوة أثناء الحديث يبدو شاحباً هزيلاً حين يُترجم إلى ورقة مكتوبة. والقراءات التي كان يُفترض أن تُستوعب بعين ناقدة يبدو أنها لم تكن سوى تصفح سريع عابر. وساعات طويلة من المذاكرة تنتج جهداً واضحاً للعيان، لكنه جهد يظل قاصراً عن أن يرقى إلى إتقان حقيقي للمادة. وكثيراً ما يسارع قادة التعليم العالي إلى تسمية هذا التعثر ضعفاً في الأداء، وكأن سر هذا الضعف يكمن كله في نقص الدافعية والحماس. لكن الحقيقة، في أغلب الأحيان، أبعد من ذلك بكثير، إذ إنها أخطاء تربوية في تشخيص الفجوات التعليمية التي يحملها الطالب معه إلى عتبة السنة الجامعية الأولى. فمعظم الطلاب يمتلكون فعلاً القدرة على التعلم، لكنهم لم يكتسبوا بعد العادات التي تجعل من ذلك التعلم أمراً مثمراً.
الهوة بين الوعد والاستعداد
كثيراً ما يخفق الطلاب، وهم يخطون خطواتهم الأولى في التعليم العالي، في بلوغ مستوى النجاح المأمول، وذلك بسبب افتراضات تقليدية راسخة تتعامل مع جاهزية طالب السنة الأولى وكأنها أمر بديهي لا يستحق التوقف عنده. غير أن هذا الافتراض، من أساسه، مغالطة صريحة. فالطلاب يفدون إلى الحرم الجامعي، فيما يمضي بعض الأساتذة وموظفي الدعم الأكاديمي في التعامل معهم وكأن كل واحد منهم يعرف تماماً ماذا يعني أن يقرأ نصاً بعمق، وأن يدوّن ملاحظات ذات قيمة، وأن يدير مهمة معقدة، وأن يذاكر طلباً للفهم لا للحفظ فحسب، وأن يميز اللحظة التي يتحول فيها الالتباس البسيط إلى تجنب متأصل. وحين ننظر إلى معدلات بقاء الطلاب في الفصل الأول والسنة الأولى، يتضح جلياً أن كثيرين منهم لا يصلون بالمستوى المفترض سلفاً. وهذه، ببساطة، هي الفجوات التعليمية الكامنة بين الوعد الذي يحمله الطالب والاستعداد الفعلي الذي يمتلكه. فقد لا يكون بعض الطلاب قد طُلب منهم يوماً أن يقرؤوا نصاً كثيفاً بتمهل يكفي لسماع حجته الداخلية. وقد يكون آخرون قد اجتازوا سنوات دراسية كاملة بالاعتماد على حفظ سريع ونسيان لا يقل سرعة عنه. وقد يظن فريق ثالث أن الجلوس ثلاث ساعات أمام دفتر الملاحظات يعادل التعلم بذاته. ولا يعني شيء من هذا أن هؤلاء الطلاب عاجزون عن التعلم الجيد، بل يعني أنهم يدخلون فضاءات نادراً ما تعترف أصلاً بوجود مثل هذه الفجوات لديهم. فالكليات والجامعات بارعة في قياس الأداء، لكنها أقل براعة بكثير حين يتعلق الأمر بملاحظة أوجه القصور الظاهرة والخفية في منظومة الدعم، وهي أوجه قصور تشكّل ذلك الأداء نفسه من الأساس، ناهيك عن براعتها في وضع استراتيجيات لمعالجتها.
من هم المتعلمون الحقيقيون؟
ليس المتعلم الفعّال هو ذلك الطالب الذي يأتيه العمل الجامعي بيسر وسهولة، وليس بالضرورة الطالب الأكثر صقلاً أو ثقة أو وضوحاً في أداء طقوس الحياة الأكاديمية. بل هو الطالب الذي يعرف متى لا يأتيه التعلم بسهولة، ويدرك جيداً قيمة أن يمد يده طلباً للمساعدة حين يحتاجها. فالمتعلم الحقيقي يبطئ إيقاع قراءته ويسأل نفسه: ما الذي يحاول الكاتب أن يقوله حقاً؟ ومن سمات هذا الطالب أنه:
- يختبر ذاكرته بالاستذكار بدلاً من الاكتفاء بإعادة القراءة مرة تلو الأخرى.
- يميز الفارق بين ترديد تعريف مصطلح ما وبين القدرة الفعلية على توظيفه.
- يكف عن تظليل كل سطر يقرؤه، ويبدأ بدلاً من ذلك بتدوين جملة واحدة على هامش كل صفحة ينهيها.
- يتوجه إلى الساعات المكتبية لا توسلاً لدرجة إضافية، بل سعياً لفهم أين تهاوت حجته بالضبط.
- يبدأ في استقبال الملاحظات لا باعتبارها حكماً قاسياً عليه، بل باعتبارها معلومة يستفيد منها.
هذه أفعال تبدو للوهلة الأولى متواضعة صغيرة، لكنها في جوهرها أفعال ذات أثر تحويلي عميق.
وغالباً ما يكون التعلم الفعّال محصلة تراكمية لمثل هذه الخيارات الحاسمة، حين تتكرر حتى تصير عادة راسخة. وقد يبدو هذا التحول ضئيلاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة الأساس الذي تُشيَّد عليه النتائج الناجحة.
النقطة العمياء في المؤسسة الأكاديمية
هنا بالتحديد يجب على قادة التعليم العالي أن يحدّقوا مباشرة في ""عين العاصفة"" بدل أن يشيحوا بوجوههم عنها. فحين يتعثر الطلاب، كثيراً ما تروَّج رواية جاهزة تُرجع المشكلة إلى افتقارهم إلى الانضباط أو الصمود أو تحمل المسؤولية الشخصية. وقد يكون بعض ذلك صحيحاً بالفعل في أحيان كثيرة، غير أن الحقيقة الأصعب، في أغلب الأحيان، هي أن الجامعات والكليات نفسها تعجز عاماً بعد عام عن معالجة هذه الفجوات التعليمية المتكررة لدى طلاب السنة الأولى. ولا بد من التخلي عن الافتراضات التقليدية جملة وتفصيلاً، فلا يجوز أن نفترض أن الطالب يعرف بالضرورة كيف:
- يقرأ نصاً ضمن تخصص علمي بعينه.
- يستعد لامتحان تراكمي شامل.
- ينتقل من التلخيص المجرد إلى التحليل النقدي.
- يستعيد توازنه بعد أداء ضعيف مخيّب.
وتعمل هذه الافتراضات كما لو كانت منهجاً خفياً موازياً، ومثل معظم المناهج الخفية، فإنها تنحاز في مكافآتها إلى الطلاب الذين سبق أن تعرفوا عليها في مكان آخر قبل وصولهم إلى الجامعة. ومن هنا فإن مهمة التدريس لا تقف عند حدود إيصال المحتوى العلمي، بل تتجاوزه إلى إظهار تلك الممارسات الفكرية التي كثيراً ما تتركها المؤسسة ضمنية غير معلنة صراحة. فحلقة دراسية للسنة الأولى تعلّم الطالب كيف يتعامل مع نص عسير، أو مقرر تمهيدي يضمّن تمارين استرجاع منخفضة المخاطر، أو أستاذ يشرح لطلابه لماذا تنجح استراتيجية دراسية معينة أكثر من غيرها، كل هذه ليست إجراءات علاجية أو تعويضية كما قد يُظن، بل هي في جوهرها أفعال من الصدق الأكاديمي. فهي تقر صراحة بأن التعلم ليس ضرباً من السحر، وأن نجاح الطالب يتوقف جزئياً على مدى استعداد قادة التعليم العالي لتعليمه الشروط التي تجعل ذلك النجاح ممكناً من الأساس.
التعلم بوصفه مساراً للصيرورة لا محطة ثابتة
الطلاب الذين يخفق وعدهم الواعد حين يُترجم إلى أعمال مكتوبة ليسوا بالضرورة أقل قدرة من أولئك الذين أتقنوا أداء دور ""الطالب الجاهز"". بل الأرجح أن هؤلاء المتعثرين لم يُعلَّموا بعد كيف يحوّلون قدرتهم الكامنة إلى منهجية عملية واضحة. فالتعلم الفعّال ليس امتيازاً محفوظاً لمن يصلون إلى الجامعة وهم بالفعل ملمّون بثقافتها الأكاديمية الخفية، بل هو حزمة من الممارسات والمواقف الذهنية وأشكال المعرفة الذاتية، وكل هذه أمور يمكن غرسها وتنميتها بالتدريج. والسؤال الحقيقي المطروح أمام الجامعات والكليات هو: هل تكتفي بانتقاء الطلاب الذين يمتلكون بالفعل هذه الأدوات مسبقاً، أم أنها مستعدة لأن تساعد عدداً أكبر من الطلاب على اكتسابها من الصفر؟ وقد لا تحدد الإجابة عن هذا السؤال من سينجح فحسب، بل قد تحدد أيضاً من يرى قادة التعليم العالي أنفسهم أنه يستحق أصلاً أن يكون متلقياً لتعليم جامعي حقيقي.
