القائمة الرئيسية

الذكالي بوصفه فن إدارة الدولة: كيف تعيد آسيا صياغة قواعد القوة التقنية

الذكالي بوصفه فن إدارة الدولة: كيف تعيد آسيا صياغة قواعد القوة التقنية
ملخص المقال

يتناول المقال التنافس الجيوسياسي في مجال الذكالي من منظور يتجاوز حجم الاستثمارات والتقنيات المتاحة، ليقارن بين نماذج تبني التقنية في آسيا والاتحاد الأوروبي. ويرى أن الدول الآسيوية تنظر إلى الذكالي بوصفه معضلة تنسيق تتطلب تدخلاً حكومياً لتسريع التبني عبر التشريعات، والدعم المالي، وتوفير البنية التحتية، وهو ما انعكس في ارتفاع معدلات الاستخدام والإنتاجية. في المقابل، يركز الاتحاد الأوروبي على إدارة المخاطر والامتثال التنظيمي، مما أدى إلى تباطؤ تبني الذكالي، خاصة بين الشركات الصغيرة والمتوسطة. ويخلص المقال إلى أن التفوق المستقبلي لن يتحدد بمن يمتلك أفضل القوانين أو أكبر الاستثمارات، بل بمن ينجح أولاً في نشر الذكالي على نطاق واسع وبناء قدرات إنتاجية ومؤسسية تتراكم آثارها مع مرور الوقت.

أصبح الذكالي اليوم محوراً رئيسياً من محاور التنافس الجيوسياسي. ومع ذلك، تكتفي معظم التحليلات المقارنة لسباق التقنية بالوقوف عند مؤشرات المدخلات: أعداد وحدات المعالجة الرسومية، وأرقام الاستثمار، وعدد براءات الاختراع. لكن هذه المؤشرات ليست تفسيراً بحد ذاتها، بل مجرد بدائل تقريبية عنه. أما السؤال الأصعب، الذي يهمّ الباحث في العلاقات الدولية وصانع السياسة والاستراتيجي في الشركات على حد سواء، فهو: لماذا تتقارب اقتصادات سياسية مختلفة على استراتيجيات تبنٍّ متباينة، وماذا تكشف تلك الاستراتيجيات عن افتراضات أعمق بشأن قدرة الدولة، وحدود تحملها للمخاطر، والعلاقة بين القدرة التقنية والقوة الوطنية؟ فالتباين بين آسيا والاتحاد الأوروبي ليس، في جوهره، قصة عن فجوة استثمارية أو فلسفة تنظيمية مجردة، بل قصة عن الغاية التي يُراد للذكالي أن يخدمها. ففي آسيا، يُنظر إلى الذكالي بوصفه معضلة تنسيق يتعين على الدولة حلّها، بينما يُنظر إليه في أوروبا، في المقام الأول، بوصفه معضلة مسؤولية قانونية يتعين على الدولة إدارتها. وهذا الاختلاف في الإطار الذهني يترتب عليه تداعيات بنيوية تتراكم مع الوقت، وقد باتت الأدلة التجريبية الممتدة بين عامي 2024 و2026 تكشف هذه التداعيات بوضوح متزايد.

المشهد العالمي لتبني الذكالي: ماذا تقول البيانات اليوم

قبل الخوض في كيفية استجابة الدول المختلفة، من المفيد أن نستعرض أولاً ما تقوله الأدلة عن الحالة الراهنة لانتشار الذكالي. فوفقاً لمؤشر ستانفورد للذكالي لعام 2026، بلغ معدل تبني الذكالي التوليدي بين عموم السكان عالمياً 53 بالمئة خلال ثلاث سنوات فقط، متجاوزاً بذلك سرعة انتشار الحاسوب الشخصي أو الإنترنت. أما على مستوى المؤسسات، فتشير دراسة ماكنزي لعام 2025 حول حالة الذكالي إلى أن 88 بالمئة من المؤسسات باتت تستخدمه في وظيفة تجارية واحدة على الأقل، ارتفاعاً من 78 بالمئة في العام السابق. وقد تضاعف حجم الاستثمار الشركاتي العالمي في الذكالي أكثر من مرتين خلال عام 2025 ليبلغ 581.7 مليار دولار، منها 344.7 مليار دولار استثمارات خاصة وحدها. وهذه الأرقام الإجمالية لافتة بالفعل، لكنها تخفي وراءها تبايناً بنيوياً هو جوهر القصة الحقيقية: فمعدل التبني على مستوى السكان يتراوح بين 61 بالمئة في سنغافورة و28.3 بالمئة في الولايات المتحدة. وفي المقابل، يقف متوسط تبني المؤسسات في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين عند 20 بالمئة فقط (يوروستات، 2025)، وهو رقم إجمالي يخفي بدوره هوّة سحيقة بين الشركات الكبرى والصغرى، وهي هوة تحتل موقعاً مركزياً في تحليل المعضلة الأوروبية.

وتزداد الحجة الداعمة لسد فجوة التبني هذه رسوخاً مع تراكم الأدلة التجريبية على أثرها في الإنتاجية. فقد خلصت دراسات تجريبية أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وورد استعراضها في ورقة بحثية صدرت في يوليو 2025، إلى أن العاملين في خدمة العملاء وتطوير البرمجيات والاستشارات شهدوا مكاسب إنتاجية متوسطة تراوحت بين 5 بالمئة وأكثر من 25 بالمئة بفضل إدماج الذكالي التوليدي في عملهم. وبدأت الأدلة على المستوى الاقتصادي الكلي بدورها تؤكد هذا الأثر الإجمالي: فقد وجد بحث نُشر في أبريل 2026 أن ارتفاع نسبة المستخدمين المنتظمين للذكالي عبر مختلف المهن، من نحو 12 بالمئة في منتصف عام 2024 إلى 26 بالمئة بحلول أواخر عام 2025، يقابله ارتفاع في الناتج الحقيقي يتراوح بين 1.4 و2.8 بالمئة تقريباً، أي ما يعادل نقطة إلى نقطتين مئويتين من النمو السنوي. وهذه ليست توقعات نظرية، بل نتائج مقيسة فعلياً. والاقتصادات التي تبادر إلى سد فجوة التبني ستكون أول من يجني هذه المكاسب، وستتراكم لديها بمرور الوقت. ويوضح الشكل رقم 1 الحالة الراهنة لتبني المؤسسات عبر الدول التي يتناولها هذا المقال.

ثلاثة نماذج لتبني تقوده الدولة

لا تشترك الاقتصادات الآسيوية الخمسة موضع الدراسة هنا، وهي الصين وكوريا الجنوبية واليابان والهند وسنغافورة، في نموذج واحد. لكنها تتفق على فرضية جوهرية واحدة: أن تبني الذكالي لن يبلغ الحجم أو السرعة المطلوبين من دون تدخل مقصود من الدولة لتسريع الطلب عليه. غير أن شكل هذا التدخل يختلف اختلافاً كبيراً من دولة إلى أخرى، بما ينسجم مع الخصائص البنيوية لكل اقتصاد سياسي.

النموذج الأول هو الانتشار بالتوجيه الإلزامي. ففي أغسطس 2025، أصدر مجلس الدولة الصيني توجيهات ""الذكالي زائد""، التي تضع هدفاً يقضي ببلوغ 90 بالمئة من نسبة انتشار الأجهزة الذكية ووكلاء الذكالي عبر ستة قطاعات محددة بحلول عام 2030. والمهم تحليلياً هنا ليس طموح هذا الرقم بحد ذاته، بل المنطق الكامن خلفه. فبكين تتعامل مع انتشار الذكالي بالطريقة نفسها التي تعاملت بها سابقاً مع الكهربة أو نشر شبكات النطاق العريض: باعتباره معضلة تنسيق تعجز آليات السوق وحدها عن تسعيرها بشكل صحيح، لأن الفاعلين الأفراد لا يستطيعون الاستحواذ على كامل العائد الاجتماعي لتبنيها. والحل، بالتالي، هو سنّ تشريعات تفرض معدلات تبني معينة، لا مجرد دعم المدخلات. ويشير تحليل صادر عن مؤسسة ""تريفيوم تشاينا"" إلى أن هذا النهج يعيد إنتاج المنطق البنيوي ذاته الذي قامت عليه مبادرة ""الإنترنت زائد"" عام 2015. والنتائج واضحة: فقد تضاعفت قاعدة مستخدمي الذكالي في الصين أكثر من مرة واحدة خلال النصف الأول من عام 2025، لتبلغ 515 مليون مستخدم، بمعدل نمو بلغ 36.5 بالمئة خلال ستة أشهر عقب إطلاق نموذج ""ديب سيك آر1"" في يناير 2025 (بيانات المركز الصيني لمعلومات شبكة الإنترنت، كما أوردها موقع أخبار الذكالي). أما على مستوى المؤسسات، فيبلغ معدل التبني نحو 58 بالمئة وفق مؤشر آي بي إم العالمي لتبني الذكالي لعام 2025. وتتصدر الصين العالم أيضاً في عدد طلبات براءات اختراع الذكالي، إذ تستحوذ على 38.58 بالمئة من الإجمالي العالمي حتى أبريل 2025. ويخلص تحليل صادر عن مؤسسة راند في يونيو 2025 إلى أن السياسة الصناعية الصينية ستسرّع على الأرجح من وتيرة تقدمها، خصوصاً عبر دعم الحوسبة ونشر التطبيقات، حيث باتت النماذج الصينية تقترب من مستوى أداء أفضل النماذج الأمريكية، بفارق لا يتجاوز 2.7 بالمئة على مقياس ""أرينا إيلو"" (ستانفورد، 2026).

أما النموذج الثاني فهو الجمع بين التشريع ورأس المال، وتمثله كوريا الجنوبية خير تمثيل. فقد أصبحت كوريا، بموجب ""القانون الإطاري لتطوير الذكالي""، الساري المفعول منذ يناير 2026، أول دولة تجمع الحوكمة والسياسة الصناعية وإدارة المخاطر ضمن تشريع واحد موحد. وقرنت كوريا هذا التشريع بمضاعفة ميزانيتها الوطنية للذكالي ثلاث مرات لتبلغ 10.1 تريليون وون (نحو 6.94 مليار دولار) في سنة مالية واحدة، إلى جانب نشر 260 ألف وحدة معالجة رسومية من طراز ""بلاكويل"" موزعة بين سامسونغ وإس كيه هاينكس وهيونداي ونايفر والبنية التحتية الحكومية. ويشير مؤشر ستانفورد للذكالي لعام 2026 إلى أن كوريا الجنوبية باتت تتصدر العالم في عدد براءات اختراع الذكالي نسبة إلى عدد السكان، وهو مقياس لكثافة الابتكار يعكس عمق التكامل الصناعي. والسمة المميزة لهذا النموذج هي التزامن: فكوريا لا ترتب التنظيم قبل النشر أو رأس المال قبل القواعد، بل تسير في المسارين معاً بالتوازي، مستخدمة التشريع كآلية تنسيق، والتزام رأس المال كإشارة مصداقية موجهة للفاعلين من القطاع الخاص.

والنموذج الثالث هو الدعم بوصفه بنية تحتية، وتمثله الهند خير تمثيل. فمشروع ""إنديا إيه آي""، الذي حظي بالموافقة في مارس 2024، يتعامل مع الحوسبة بالطريقة ذاتها التي تعاملت بها دول التنمية سابقاً مع الكهرباء: باعتبارها منفعة عامة يؤدي نقص إنتاجها عبر السوق إلى فرض سقف بنيوي على النشاط الذي يعتمد عليها. وقد نشر البرنامج أكثر من 38 ألف وحدة معالجة رسومية، من بينها 1050 وحدة معالجة موترية من طراز ""تريليوم"" من غوغل، متجاوزاً بذلك هدفه الأولي البالغ 10 آلاف وحدة. وبات بإمكان الشركات الناشئة والباحثين الوصول إلى حوسبة من فئة ""إتش 100"" بسعر لا يتجاوز 65 روبية (0.72 دولار) في الساعة، وهو أرخص سعر مدعوم في العالم. وقد استجاب معدل تبني المؤسسات لهذا الدعم: إذ يضع مؤشر آي بي إم لعام 2025 الهند عند نسبة 57 بالمئة من تبني المؤسسات للذكالي. وأفاد الوزير أشويني فايشناو في فبراير 2026 بأن الاستثمارات الملتزم بها في مجال الذكالي بالهند بلغت 90 مليار دولار، مع توقعات بأن تتجاوز 400 مليار دولار عبر كامل سلسلة قيمة الذكالي خلال عامين. فالهند لا تراهن على براعة تنظيمية، بل تراهن على أن إزالة عنق الزجاجة المتمثل في الحوسبة سيولّد عوائد متراكمة، وبيانات التبني المبكرة توحي بأن هذا الرهان بدأ يؤتي ثماره.

اليابان وسنغافورة: اللحاق بالركب ودقة القياس

تمثل اليابان نموذجاً رابعاً، هو اللحاق بالركب عبر كثافة رأس المال، وهو أقرب إلى استجابة لفشل موثّق في التبني منه إلى خيار استراتيجي متماسك. فقد كشفت الورقة البيضاء الصادرة عن وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات لعام 2025 أن نسبة استخدام الجمهور الياباني للذكالي التوليدي بلغت 26.7 بالمئة عام 2024 فقط، مقارنة بـ68.8 بالمئة في الولايات المتحدة و81.2 بالمئة في الصين. والأكثر دلالة من الناحية البنيوية هو تحليل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتبني دول مجموعة السبع للذكالي، الذي يضع نسبة استخدامه في الوظائف التجارية الجوهرية عند 1.9 بالمئة فقط بين الشركات اليابانية عام 2024، مقابل 6.1 بالمئة في الولايات المتحدة. وهذا هو المقياس الأعمق للتكامل الإنتاجي الفعلي، وهو يكشف عن هوة تحجبها أرقام الاستثمار البارزة. وكانت استجابة طوكيو نشر رأس المال: فقد التزمت إن تي تي بضخ 59 مليار دولار حتى عام 2027، فيما ربطت سوفت بنك مصيرها بمشروع ""ستارغيت"" التابع لشركة أوبن إيه آي، بالتزامات تتجاوز 40 مليار دولار. ومسار اليابان يمثل اختباراً لما إذا كان نشر رأس المال الخام قادراً على أن يحل محل آليات تنسيق جانب الطلب التي تستخدمها الصين وكوريا، أم أن الحواجز البنيوية أمام التبني، من قبيل الثقافة المؤسسية الحذرة من المخاطر وأعراف التوظيف مدى الحياة، لا يمكن حلها بضخ رأس المال وحده.

أما سنغافورة فهي نموذج الدقة، النموذج الخامس، الحوكمة عبر القياس. فـ""الاستراتيجية الوطنية للذكالي 2.0""، التي حُدّثت في مايو 2026، لافتة أقل بطموحها منها بدقة تفاصيلها. ويضع مؤشر ستانفورد للذكالي لعام 2026 سنغافورة عند نسبة 61 بالمئة من تبني الذكالي التوليدي على مستوى السكان، وهي الأعلى عالمياً بالتساوي مع الإمارات العربية المتحدة. وبلغ معدل تبني المؤسسات غير الصغيرة والمتوسطة 62.5 بالمئة، ومعدل تبني الشركات الصغيرة والمتوسطة 14.5 بالمئة عام 2024 (بيانات هيئة تنمية وسائل الإعلام السنغافورية)، مع استهداف ""البرنامج الوطني لأثر الذكالي"" لعشرة آلاف مؤسسة خلال ثلاث سنوات. وما يميز سنغافورة تحليلياً هو أن صغر حجمها يتيح لها حلقة تغذية راجعة يتعذر على الاقتصادات الأكبر تكرارها: فالحكومة تستطيع قياس ما تنشره، ومراقبة معدلات التبني في وقت شبه فعلي، وتعديل تصميم برامجها تبعاً لذلك. وتعمل سنغافورة بوصفها مختبراً حياً، حيث تنتج بنيتها التحتية القياسية رؤى سياساتية يتعذر على الدول الأكبر استخلاصها من الإحصاءات الإجمالية وحدها.

سوء التقدير البنيوي لدى الاتحاد الأوروبي: ما تكشفه بيانات التبني

وفي مقابل هذه النماذج الخمسة، يعكس موقف الاتحاد الأوروبي نظرية مختلفة بنيوياً بشأن غاية حوكمة الذكالي، وقد باتت الأدلة الممتدة بين عامي 2024 و2025 تكشف هذا الاختلاف بصورة قابلة للقياس بوضوح صارخ. فوفقاً لبيانات يوروستات الصادرة في ديسمبر 2025، بلغ معدل تبني المؤسسات للذكالي في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين 20 بالمئة، ارتفاعاً من 13.5 بالمئة عام 2024، أي بزيادة قدرها 6.5 نقطة مئوية تمثل زخماً حقيقياً. وتتصدر الدنمارك بنسبة 42 بالمئة، تليها فنلندا بنسبة 37.8 بالمئة، ثم السويد بنسبة 35 بالمئة. لكن هذا الرقم الإجمالي يخفي معضلة بنيوية تحجبها أرقام النمو البارزة: فالتبني متفاوت بشدة تبعاً لحجم الشركة. فكما يوضح الجدول رقم 2، بلغت نسبة تبني الشركات الكبرى (250 موظفاً فأكثر) 55 بالمئة عام 2025، في حين لم تتجاوز نسبة تبني الشركات الصغيرة (من 10 إلى 49 موظفاً) 17 بالمئة فقط. والفجوة البالغة 38 نقطة مئوية بين الشركات الكبرى والصغرى لم تتقلص عام 2025، بل اتسعت بأكثر من 7 نقاط مئوية إضافية (الشكل رقم 2).

وهذا التفاوت المرتبط بحجم الشركة هو صميم معضلة التبني في الاتحاد الأوروبي، وهو مرتبط ارتباطاً مباشراً بقانون الذكالي الأوروبي. فتقديرات السوق الاستشارية لتكلفة الامتثال لمتطلبات الذكالي عالي المخاطر بموجب الملحق الثالث تضع التكاليف الأولية لمزودي الخدمة من الشركات الصغيرة والمتوسطة بين 200 ألف و500 ألف يورو، موزعة على مراحل بين عامي 2025 و2027 (الشكل رقم 5). وحتى مع الأحكام الصريحة التي وضعها القانون لصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة، من رسوم تناسبية، وإتاحة بيئات تجريبية آمنة، وتبسيط للوثائق المطلوبة، فإن التزامات الإنفاذ الخاصة بجهات النشر عالية المخاطر تدخل حيز التنفيذ في أغسطس 2026، وقد تجاوزت 12 دولة من أصل 27 دولة عضو الموعد النهائي لتعيين سلطاتها الوطنية المختصة. وتقر المفوضية الأوروبية نفسها، في مقترح ""الأومنيبوس الرقمي"" الذي طرحته في نوفمبر 2025، بوجود هذه المعضلة، إذ تستهدف خفض عبء الامتثال الإجمالي بنسبة 25 بالمئة، وبنسبة 35 بالمئة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، بحلول عام 2029. وبات أكثر من 60 بالمئة من الشركات الناشئة الأوروبية تعطي الأولوية لتطبيقات الذكالي منخفضة المخاطر خصيصاً لتفادي التعرض لعبء الامتثال. وهكذا فإن البنية التنظيمية تعيد تشكيل مسارات الابتكار حتى قبل أن يبدأ إنفاذها الكامل أصلاً.

وتزيد صورة الاستثمار من حدة هذا القلق. فلم تجتذب أوروبا سوى 20.9 مليار دولار من الاستثمار الخاص في الذكالي عام 2025، مقابل 285.9 مليار دولار في الولايات المتحدة، أي بنسبة تقارب 13.7 إلى واحد (الشكل رقم 3). أما استثمار الصين الخاص البالغ 12.4 مليار دولار فهو رقم يقلل كثيراً من الإجمالي الفعلي للاستثمار الصيني، إذ تقدّر جامعة ستانفورد أن صناديق التوجيه الحكومية ضخت 912 مليار دولار عبر مختلف الصناعات بين عامي 2000 و2023. وتقر المفوضية نفسها، في تقريرها الصادر في يونيو 2025 حول حالة العقد الرقمي، بأن الاتحاد لن يبلغ أهدافه المحددة لعام 2030 بالوتيرة الحالية إلا نحو عام 2040. ويقدّر تحليل صادر عن مؤسسة ""بابليك فيرست"" أن الاتحاد الأوروبي في طريقه إلى تحقيق نحو 1.3 تريليون يورو فقط من القيمة الرقمية المتوقعة بحلول عام 2030، تاركاً ما يصل إلى 1.5 تريليون يورو دون تحقق.

تبني الذكالي بوصفه معضلة عمل جماعي

تدعم الأدلة المقارنة قراءة تبني الذكالي بوصفه معضلة عمل جماعي من النوع الذي حددته أدبيات الجغرافيا الاقتصادية المتعلقة بالسياسة الصناعية. فالتحدي الجوهري ليس أن الشركات الفردية تفتقر إلى المعلومات عن الذكالي، فالتقنية ظاهرة للعيان وتطبيقاتها موثقة. بل يكمن التحدي في أن تبني هذه التقنية يولّد آثاراً خارجية إيجابية (عبر توليد البيانات، ورفع كفاءة القوى العاملة، والمعرفة الإجرائية التي تتسرب عبر حدود الشركات) لا تستطيع الشركة الواحدة الاستحواذ عليها بالكامل. ولذلك فإن التبني بمعدلات السوق سيظل حتماً دون المستوى الأمثل اجتماعياً. فتدخل الدولة هنا ليس تشويهاً للسوق، بل تصحيح لفشل بنيوي فيها.

وما يختلف بين هذه الحالات هو الآلية المختارة لمعالجة هذه المعضلة. فالصين تستخدم التوجيهات الإدارية الإلزامية. وكوريا تجمع بين إطار تشريعي ونشر مباشر لرأس المال في آن واحد. والهند تستخدم دعم أسعار المدخلات النادرة لخفض عتبة التبني. وسنغافورة تعتمد على القياس الدقيق والدعم البرامجي الموجه. واليابان تحاول استخدام تركيز رأس المال الخاص بديلاً عن تنسيق جانب الطلب. أما الاتحاد الأوروبي فيستخدم بنية امتثال، وهي ليست آلية تنسيق على الإطلاق، بل آلية لتوزيع المخاطر. وبنية الامتثال تخبر الشركات بما لا يجوز لها فعله، لكنها لا تحل معضلة تنسيق التبني التي هي في الواقع العقبة الملزمة الحقيقية. والمهم أن الأدلة التجريبية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير إلى أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكالي تتطلب تعاوناً حقيقياً بين الإنسان والآلة وملاءمة فعلية بين التقنية والمهمة. وبناء هذه القدرة يتطلب التبني أولاً. فلا يمكن بناء قدرة مؤسسية على الذكالي من خلال أطر الامتثال وحدها.

ويتصل هذا الإطار التحليلي بنقاشات أطول أمداً في الاقتصاد السياسي المقارن. فالأدبيات المنبثقة عن أطروحة رودريك (2004) بشأن ""الاكتشاف الذاتي""، وأطروحة هاوسمان وهيدالغو (2011) بشأن ""التعقيد الاقتصادي""، توحي بأن أثمن ما يمكن للدولة أن تسهم به في التحول الصناعي هو بناء قدرات مشتركة، من مهارات وبنية تحتية ومعايير، تجعل الاستثمار على مستوى الشركة الفردية مجدياً. والحالات الآسيوية التي استعرضها هذا المقال تستثمر كل منها، بطريقتها الخاصة، في تلك القدرات المشتركة. أما الاتحاد الأوروبي، ومهما بلغت درجة تطور تنظيمه، فلم يبنِ بعد النظير المكافئ لها على جانب الطلب.

تداعيات على الشركات وصانعي السياسة

المخاطر العملية هنا كبيرة، وتمنحها أدلة الإنتاجية وزناً تجريبياً حقيقياً. فقد رصدت الدراسات التي استعرضها مؤشر ستانفورد للذكالي لعام 2026 مكاسب إنتاجية تقارب 14 إلى 15 بالمئة في خدمة العملاء، و26 بالمئة في تطوير البرمجيات، و50 بالمئة في ناتج التسويق، جراء إدماج الذكالي (الشكل رقم 4). وهذه مكاسب على مستوى المهمة الفردية، ويتوقف تراكمها على مستوى الاقتصاد ككل على مدى اتساع نطاق التبني. فإذا بلغت الصين بحلول عام 2030 نسبة انتشار للذكالي قدرها 90 بالمئة، بينما لم يتجاوز الاتحاد الأوروبي نسبة 30 إلى 40 بالمئة، فإن الفارق في الإنتاجية لن يكون قابلاً للتدارك عبر التنظيم. فالمتبنون الأوائل يراكمون معرفة إجرائية، وينتجون بيانات تدريب أفضل، ويطورون قدرات مؤسسية لا يستطيع من يأتي بعدهم أن يشتريها ببساطة من السوق.

أما بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات العاملة عبر هذه الدول، فإن هذا التفاوت يخلق مخاطر وفرص مراجحة بنيوية في آن واحد. فالشركات التي تطور قدراتها في مجال الذكالي ضمن البيئات التنظيمية الآسيوية الأكثر تسريعاً للتبني ستدخل السوق الأوروبية بقدرات لم تتح الفرصة المكافئة لمنافسيها الأوروبيين لبنائها. ومتطلبات قانون الذكالي الأوروبي تسري على الأنظمة التي تُنشر داخل الاتحاد الأوروبي، بصرف النظر عن مكان تطويرها، وهو ما يعني أن عبء الامتثال يقع على العمليات الأوروبية للشركات التي بنت قدراتها في مكان آخر. وهذا انقلاب مفارق للنية الحمائية الأصلية: فالتنظيم يفرض ضريبة على تبني الشركات القائمة داخل السوق الأوروبية، من دون أن يمنع تراكم القدرات لدى الوافدين الأجانب الجدد.

والدلالة المترتبة على هذا بالنسبة لصانعي السياسة في الاتحاد الأوروبي ليست التخلي عن قانون الذكالي. فمنطق تصنيف المخاطر يعالج مخاوف حقيقية بشأن الحقوق الأساسية والسلامة في التطبيقات عالية الحساسية. بل الدلالة تتعلق بترتيب الأولويات وتوزيع تكاليف الامتثال. فما ينقص بنيوياً هو الشق المكمل على جانب الطلب: نظير أوروبي لحوسبة الهند المدعومة الموجهة للشركات الصغيرة والمتوسطة، أو التزام كوريا الميزانياتي المركّز على التبني، أو توجيهات الصين القطاعية الملزمة بالانتشار. وطموحات الاتحاد الأوروبي في مجال الرقائق، التي تستهدف بلوغ 20 بالمئة من قيمة الإنتاج العالمي بحلول عام 2030، طموحات جادة على جانب العرض. لكن بناء هذا العرض من دون بناء قاعدة تبني مؤسسية موازية يشبه إنشاء شبكة طرق سريعة دون ربطها بالمدن التي يُفترض أن تخدمها.

خاتمة

سباق الذكالي ليس، في جوهره، منافسة على من يملك التنظيمات الأكثر تطوراً أو أكبر التزامات الاستثمار الاسمي. إنه منافسة على من يحل معضلة تنسيق التبني أولاً، وقد كشفت بيانات عامي 2024 و2025 عن هوية المتنافسين بوضوح. فتبني المؤسسات في الصين بنسبة 58 بالمئة، وفي الهند بنسبة 57 بالمئة، وتبني الذكالي على مستوى السكان في سنغافورة بنسبة 61 بالمئة، وتصدر كوريا الجنوبية في كثافة براءات الاختراع، ليست محض مصادفات. إنها نتاج قابل للقياس لسياسة مقصودة تستهدف جانب الطلب. وبالمقابل، فإن متوسط تبني المؤسسات الأوروبية البالغ 20 بالمئة، والفجوة البالغة 38 نقطة مئوية بين الشركات الكبرى والصغرى، ومبلغ 20.9 مليار دولار من الاستثمار الخاص، مقارنة بـ285.9 مليار دولار في الولايات المتحدة، هي بدورها نتاج قابل للقياس لتوجه سياسي مختلف. وكلا التوجهين يستجيب لتحديات حقيقية، لكنهما لا يستجيبان للتحدي ذاته بالقدر نفسه من الإلحاح. فمعضلة المسؤولية القانونية حقيقية، لكن معضلة التنسيق هي الأكثر إلزاماً. وبروكسل، في نهاية المطاف، ليست مخطئة في الخلط بين كتاب القواعد واللعبة ذاتها بقدر ما هي مخطئة في منح الأولوية للفصل غير المناسب من ذلك الكتاب. وهذه معضلة أيسر معالجة من نقص الاستثمار البنيوي، لكن بشرط أن يُشخَّص الخطأ تشخيصاً صحيحاً، وبشرط ألا تكون النافذة الزمنية لتصحيح هذا الترتيب قد أُغلقت بالفعل.

المصدر

مقالات ذات صلة