حملت الرأسمالية يوماً وعداً بمستقبل واعد. ففي مقالته الشهيرة ""الإمكانيات الاقتصادية لأحفادنا""، التي كتبها كينز عام 1930، خالف الرجل التشاؤم الاقتصادي السائد في عصره، وأكد أن الرأسمالية أوشكت على تجاوز الندرة والضرورة الاقتصادية نهائياً. وتصوّر أن معضلة الإنسان لن تكون بعد ذلك تأمين لقمة العيش، بل البحث عن معنى لوجوده في عالم تجاوز الهاجس المادي. واليوم، ونحن نقترب من مرور مئة عام على تلك المقالة، يبدو ذلك الوعد بمستقبل مشرق أبعد ما يكون عن التحقق. ولعل أقتم الرؤى في هذا الشأن ما طرحه ويليام روبنسون في كتابه ""الأزمة العصرية: استنزاف الرأسمالية العالمية"" الصادر عام 2025. ويندرج هذا الكتاب ضمن سلسلة متنامية من المؤلفات التي تتناول أفول الرأسمالية، على غرار كتاب فولفغانغ شتريك ""كيف ستنتهي الرأسمالية"" (2016)، وكتاب نانسي فريزر ""الرأسمالية الآكلة لبني جنسها"" (2022)، وكتاب مالم وكارتون ""التجاوز"" (2024). وتشترك هذه المؤلفات جميعها في تشخيص واحد لأزمة الحاضر: أن الرأسمالية خرجت عن السيطرة، وباتت تنخر في أسسها المادية التي قامت عليها. والمأساة أن رأس المال، في سعيه إلى تطوير ذاته، يدمّر العالم من حوله. ويغدو بذلك الغاية المفجعة التي يسير التاريخ نحوها حتماً، ما لم يتوفر في العالم وعي طبقي كافٍ يوجّه مساره وجهة أخرى، وهو احتمال يبدي روبنسون تجاهه تشككاً بيّناً.
وليست مأساة رأس المال أمراً طارئاً عليه، بل هي كامنة في صميم منطقه ذاته، وقد سبق لماركس أن كشف عن جوهر هذا المنطق. فرأس المال يستهلك العمل وينزع ملكية أصحابه، ويحمل في ثناياه منطقاً تراكمياً متواصلاً، أطاح أولاً بكل المجتمعات ما قبل الرأسمالية، ثم أخذ يتحقق شيئاً فشيئاً عبر استغلال العمال، ودفعهم تدريجياً إلى هامش لا قيمة له، بعدما يمتص رأس المال طاقتهم ثم ينبذهم. وفي قراءة روبنسون، تجسد هذا المصير بالفعل في ما يسميه ""الإنسانية الفائضة""، تلك الشريحة المتزايدة التي باتت مستغنى عنها بالنسبة لاحتياجات رأس المال. ولم تسلم الطبيعة من مصير مماثل. فقد استشرف تقرير نادي روما الصادر عام 1972 تحت عنوان ""حدود النمو"" هذه الحدود مبكراً، فيما تولّت الحوكمة النيوليبرالية دور القابلة التي أوصلت العالم إلى تجاوز طاقته البيئية. وبحلول عام 2011، كانت تسعون بالمئة من الأنواع الحية المعروفة تسير نحو الانقراض. وبين عامي 1975 و2015، خسر العالم ثلث أراضيه الصالحة للزراعة جراء التلوث والتعرية (154). ومنذ عام 2000، أطلقت المجتمعات البشرية في الغلاف الجوي من الانبعاثات الكربونية أكثر مما أطلقته كل الأجيال التي سبقتها مجتمعة (155).
وهكذا يتعرض العمل والطبيعة كلاهما للاستنزاف والتدهور بمجرد أن ينخرطا في دورة التراكم المتوسعة أبداً. ورأى ماركس وإنجلز أن استحالة تحمّل هذه النتائج هي بالذات ما يحول دون ترسخها إلى الأبد. وقد كتبا في ""البيان الشيوعي"": ""لم يعد بمقدور المجتمع أن يعيش في ظل هذه البرجوازية، أو بعبارة أخرى، لم يعد وجودها يتفق مع وجود المجتمع"". وكان فشل الرأسمالية تاريخياً في الحفاظ على المجتمع كفيلاً، في نظرهما، بأن يفضي إلى تحوّلها الثوري. لكن ما يبعث على الرعب في طرح روبنسون هو أن المجتمعات البشرية قد تنحل فعلياً بفعل مأساة رأس المال هذه، وأن ذلك الانحلال، في تقديره، سيحدث على الأرجح عبر ما يسميه الأزمة العصرية، أي اللحظة التي تبلغ فيها حركة الرأسمالية طورها الأخير من الاستنزاف.
تسير الرأسمالية عادة عبر دورات اقتصادية تفرز أزمات يمكن احتواؤها ضمن بنية تراكمية بعينها. وتولد كل بنية تراكمية من رحم أزمة سابقتها، ثم تنتقل مع الوقت من كونها رافعة للتراكم إلى كونها عائقاً أمامه. وتاريخ رأس المال، في جوهره، ليس سوى سلسلة متعاقبة من هذه البنى، غير أن هذه السلسلة تبلغ نهايتها مع الرأسمالية النيوليبرالية. ويرى روبنسون أن النيوليبرالية تمثل آخر تحول بنيوي كبير تشهده الرأسمالية، وأن الرأسمالية بعد هذا الحد تفقد قدرتها على تجديد نفسها. وتقودنا النيوليبرالية إلى عتبة ما يسميه روبنسون بالأزمة العصرية، وهي اللحظة التي يستنزف فيها إفساد رأس المال للعالم قدرته على التوسع، بينما يقوّض ما لحق بالعمل والطبيعة من تدهور أي أمل في ازدهار إنساني بعد زوال الرأسمالية. وتحمل هذه الأزمة معها إرهاصات عصر مظلم جديد. أم تراها لا تحمل ذلك؟ فهل يعني استنزاف رأس المال بالضرورة استنزاف التاريخ نفسه؟ أم أن أفول النيوليبرالية هو بالأحرى ما يحرر التاريخ من قبضة رأس المال؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من فهم كيف أحكمت النيوليبرالية قبضتها هذه.
فقد أطاح رأس المال النيوليبرالي بالحدود التي كانت تقيّده في عصر الرأسمالية الفوردية الكينزية، وخاض جولة توسع عالمية جديدة، رسّخ من خلالها كيانه بوصفه رأس مال عالمياً موحداً، بدلاً من أن يبقى مبعثراً في رساميل وطنية منفصلة. وتحقق هذا التوحد عبر بناء نظام يُقدَّم بوصفه ""قائماً على القواعد"": اتفاقيات التجارة الحرة، وبرامج التكيف الهيكلي، ومواءمة الأنظمة التشريعية، جميعها أسهمت في تشكيل فضاء التدفقات الذي بات رأس المال يتحرك ضمنه بحرية. ويقوم في صميم هذا التشكيل اندماج بين شركات تقنية المعلومات، التي شكّلت البنية التحتية الرقمية للرأسمالية العالمية، ونظام مالي عابر للحدود الوطنية، بات يتحكم في كيفية توزيع رأس المال عبر الاقتصاد العالمي (38). ومن هذه النواة البنيوية ينطلق رأس المال في تمدده، ساعياً إلى توسيع ذاته من خلال سلاسل توريد عابرة للحدود الوطنية، تحوّل العمل والطبيعة إلى سلع في سبيل الربح.
وفي ظل النيوليبرالية، عاش العالم موجته الأخيرة من التوسع الرأسمالي. ففتح التكيف الهيكلي الباب أمام موجات متلاحقة من الاستثمار الشركاتي، اقتلعت مليارات البشر من مجتمعاتهم الريفية، وأطلقت موجات هائلة من الهجرة نحو المدن، لكنها لم تدمج هؤلاء المقتلعين في دوائر رأس المال الإنتاجية إلا بشكل جزئي ومؤقت. ويورد روبنسون في هذا السياق مثال شركة نايكي (89)، التي بدأت إنتاج الأحذية الرياضية في ولاية أوريغون الأمريكية، ثم أخذت تطارد اليد العاملة الرخيصة من موقع إنتاج إلى آخر في شرق آسيا، لتستقر في نهاية المطاف على خيار ""إخراج العمل من المعادلة"" باللجوء إلى الروبوتات. وما تخلفه وراءها هذه المسيرة هو جيش متكاثر من العمالة الفائضة، لا خيار أمامه سوى شق طريقه للبقاء داخل الاقتصاد غير الرسمي، أو البحث عن أي سبيل آخر للاندماج في دوائر رأس المال الإنتاجي.
ولا بد لنزع الملكية والاستغلال الرأسماليين أن يولّدا مقاومة، غير أن رأس المال يملك وسائل لقمع هذه المقاومة، من خلال ما يسميه روبنسون ""الدولة البوليسية العالمية"". ويوضح كيف ترتبط هذه الدولة البوليسية بمسار الرأسمالية عبر مسلكين: التراكم عن طريق العسكرة، والتراكم عن طريق القمع. ففي الحالة الأولى، يمتص إنتاج منظومات الأسلحة، وأجهزة المراقبة، ومراكز الاحتجاز، وقوات الشرطة والجيش المدججة بالسلاح فائض رأس المال، ويموَّل ذلك عبر تضخيم الدين العام. ثم تفتح هذه القدرات القمعية بدورها مجالات جديدة للتراكم. وثمة، في نظره، ما يشبه قانوناً حتمياً يحكم هذا كله، إذ ""يحتاج كل رأسمالي على وجه الأرض إلى دولة بوليسية عالمية تقمع الطبقات العاملة والشعبية وتُحكم السيطرة عليها، وتتولى كل دولة رأسمالية أداء هذه المهمة"" (112).
ويذهب روبنسون إلى أن الدول الرأسمالية مضطرة إلى إدامة التراكم وفق شروط تمليها الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود الوطنية، وهذا بالضبط ما تتيحه الدولة البوليسية العالمية. غير أنه لا يترك مجالاً لصدفة التنازع السياسي، لأن فرض النظام يحل عنده محل السياسة ذاتها. ومن هذه الزاوية، تقترب فكرة الدولة البوليسية العالمية عند روبنسون من مفهوم ""التهدئة"" كما طرحه مارك نيوكليوس (2025)، حيث تصوغ ممارسات الأمن النظام الاجتماعي بوصفه نظاماً انتُزع انتزاعاً من الفوضى. وهذا الطرح يذكّرنا بأن للرأسمالية خارجاً، وبأن استمرارها مرهون بقمع هذا الخارج قمعاً متواصلاً، إذ تنظر التهدئة إلى كل ما لا يتفق مع نمط النظام الذي تريده باعتباره تمرداً وفتنة. ويقترح كتاب ""عالم واحد، عوالم كثيرة"" (1989) لآر بي جي ووكر مقاربة مغايرة، تنظر إلى المعارضة من منظور تعدد العوالم، وهو تعدد يفتح أمام التاريخ إمكانات تطور جديدة. والمشكلة في طرح روبنسون أنه يرفع رأس المال إلى مقام الفاعل الأوحد للتاريخ الكوني، فحين يصنع رأس المال التاريخ، تختفي عن الأنظار تواريخ أخرى متعددة. وروبنسون لا ينكر وجود هذه التواريخ، لكنه يهوّن من شأنها أمام جبروت رأس المال الطاغي.
ويمكن رد هذا الميل التفسيري إلى الكيفية التي حوّلت بها النيوليبرالية الدول إلى مجرد أدوات في خدمة التوسع الرأسمالي. وكانت الولايات المتحدة محور هذه العملية، ففرضت النظام عبر إسقاط القوة، وصفقات الأسلحة، والتدريب العسكري، وبرامج المساعدات العسكرية، وشكّل كل ذلك الفضاء الذي تشكّلت فيه الطبقة الرأسمالية العابرة للحدود الوطنية وباتت تعمل من خلاله. لكن ماذا يحدث عندما يبدأ هذا الغلاف الحامي لهيمنة تلك الطبقة في التصدع؟ يكفي أن نتأمل طموحات صانعي السياسة الأمريكية في تصميم فضاءات إقليمية، كالشرق الأوسط الكبير وأمريكا الشمالية، لتكون منصات لتعميق التكامل الاقتصادي وتسريع النمو. واليوم، تمزّق الحرب أوصال الشرق الأوسط الكبير، بينما يتفكك التكامل على طراز اتفاقية نافتا في أمريكا الشمالية. وقد جاءت نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتقوّض تماماً الافتراض الذي قامت عليه عقيدة كارتر، القائل بأن الولايات المتحدة قادرة على ضمان تدفق الوقود الأحفوري من الخليج الفارسي. وهكذا انفك التداول الرأسمالي عن النظام الذي فرضته واشنطن. وفي أمريكا الشمالية، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عزوف بلاده عن البقاء أسيرة المدار الاقتصادي والأمني المتزعزع للولايات المتحدة، فيما تؤكد الحكومات المكسيكية بقيادة حزب مورينا استقلالية المكسيك عبر إحياء التخطيط الاقتصادي. وباتت كندا والمكسيك تتوسطان بين النظام والتراكم بطرق لم يكن أحد يتخيلها قبل عقد واحد من الزمن. وهكذا يتصدع القالب النيوليبرالي في هذه المنطقة من العالم، وما نشهده اليوم في مناطق متفرقة من الكوكب هو، كما يذكّرنا ووكر، بروز تواريخ كانت من قبل مكبوتة أو في طور التكوّن.
فكيف لنا أن نفهم هذا التشظي الجغرافي السياسي؟ ثمة قراءتان محتملتان له في ضوء أطروحة روبنسون. الأولى أن التكامل الاقتصادي للطبقة الرأسمالية العابرة للحدود الوطنية قادر على تجاوز هذا التشظي، بل يستمر في العمل من خلاله ذاته. فالأنظمة الشعبوية السلطوية التي برزت حول العالم خلال العقد الأخير لا تزال، في جوهرها، تخدم مصالح الأثرياء الرأسماليين، عبر استراتيجيات سياسية تعبئ القواعد الشعبية الوطنية ضد تحالف مفترض بين النخب الليبرالية والأعداء الخارجيين. لكن ما تغفله هذه القراءة هو صدفة السياسة ذاتها، إذ إن ما يمنح الأيديولوجيا أو الممارسة السياسية فعاليتها ليس بالضرورة القوى الدافعة لها، بل المعنى الذي تنتجه، وهذا المعنى عرضي بطبيعته، ويفتح دوماً الباب أمام ظهور شيء جديد في العالم.
وثمة قراءة ثانية جديرة بالنظر، مفادها أن تشظي الجغرافيا السياسية حقيقة واقعة لا مجرد مظهر سطحي. فليست الولايات المتحدة وحدها من يسخّر الترابط الاقتصادي سلاحاً في يدها، بل تحذو دول أخرى حذوها في ذلك (فارل ونيومان، 2023). وهذا يشي بتنامي حالة من الفوضى المتراكمة في بنية رأس المال ذاته، فهو لم يعد عاجزاً فقط عن صياغة عالم على صورته، بل بات عاجزاً عن إنتاج أي شيء سوى عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم، وهذا بالضبط ما يراه روبنسون في الفوضى الكوكبية الناشئة. وتحضر هنا استعارة ماركس وإنجلز لتلميذ الساحر أوضح ما تكون: فمثل ذلك التلميذ، استحضر رأس المال من العالم السفلي قوى عجز عن السيطرة عليها، بما فيها قوى كوكبية أطلق لها العنان، لتنهار معها فكرة الطبيعة بوصفها مادة خاملة طيّعة لتطور رأس المال. وكل هذا شاهد على أن رأس المال يولّد الفوضى لا التقدم، وأن إرثه في نهاية المطاف عالم مكسور. فالعالم، في المحصلة، موحَّد بفعل رأس المال، لكنه في الوقت ذاته يزداد انكساراً بفعل هذا التوحد بعينه.
يقدّم روبنسون رواية بنيوية عميقة الأثر عن الرأسمالية، لكنه يغفل إمكانية أن يخضع هذا التناقض الذي رسمه بمهارة لضروب من الوساطة السياسية. ومن هذه الوساطات المحتملة الانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، وتراجع الهيمنة الأمريكية، وقدرة الدول المتوسطة على انتزاع استقلالية استراتيجية في ظل نظام دولي يزداد تشظياً. غير أن روبنسون يرى أن أي وساطة لا تعطّل منطق التراكم في جوهره ليست سوى محاولة لإعادة توجيه مساره لا أكثر، وأن مثل هذه الاستراتيجيات، حتى حين تنجح، لا تفعل شيئاً سوى تأجيل الاستنزاف الكارثي لرأس المال وإرجاء موعد الأزمة العصرية. ويطرح كتاب ""الأزمة العصرية"" سؤالاً جوهرياً: هل للوساطة السياسية في تراكم رأس المال أي قيمة على المدى الطويل؟ وهل بمقدور هذه الوساطة أن تحوّل فعلاً نزعة الرأسمالية إلى التوسع اللامتناهي؟
ومع تصدع الغلاف الحامي لهيمنة الولايات المتحدة، تبرز من أرجاء العالم المختلفة وساطات سياسية جديدة للتراكم. وتنشأ هذه الوساطات عند اللحظة التي يُعاد فيها إنتاج العلاقات المكوِّنة لظرف تاريخي بعينه. ولنتأمل، على سبيل المثال، العلاقة بين المتكلم والمستمع، فأفعال الكلام التي تصف الأحداث بأنها قضايا أمنية إنما تتوقف نجاعتها على شروط نجاح تربط الفاعلين السياسيين بعضهم ببعض، أو تربطهم بجماهير من نوع مختلف. وتشكّل هذه الأفعال لحظات من عدم الحسم، يمكن أن يُعاد فيها إنتاج العلاقات التي تسند نظاماً معيناً، أو إعادة صياغتها، أو منازعتها. وبهذا المعنى بالذات، تؤدي هذه الأفعال دور الوساطة السياسية.
وقد تكون هذه الوساطات متقاطعة ومتراكمة وتحويلية في آن واحد، وقد تنتقل من فضاءات الحوكمة السياسية إلى فضاءات التراكم. ومن الأمثلة على الوساطة بين الدول ما يقترحه ""مشروع النظام الأفضل"" التابع لمعهد كوينسي، الذي يبيّن كيف يمكن للدول أن تجدد النظام القانوني الدولي، هرباً من حالة الضعف المتبادل التي تواجهها إزاء بعضها بعضاً مع تعمق التحول نحو عالم متعدد الأقطاب. وتتنوع توصيات هذا المشروع بين إصلاح مجلس الأمن، ومسألة الأسلحة النووية، والعقوبات الاقتصادية، والتهديدات الكوكبية العابرة للحدود. وتكمن أهمية مشاريع من هذا النوع ليس فقط في توصياتها السياساتية، بل في سعيها إلى إعادة تشكيل العلاقات السياسية التي تمارَس السيادة نفسها من خلالها، إذ تقلب هذه المشاريع، وهذا هو المهم، المفهوم التقليدي للسيادة القائم على التحرر من كل قيد خارجي.
ولا بد إذن أن تصبح السيادة ذاتها ممارسة موسَّطة لا مطلقة. ويمكن النظر إلى إصلاحات ""مشروع النظام الأفضل"" باعتبارها محطة على طريق مراجعة أشمل لمفهوم سيادة الدولة الوطنية، على النحو الذي اقترحه بليك وجيلمان في كتابهما ""أبناء نجم متواضع"" (2024). ولا يتوقف المؤلفان هنا عند استنزاف الرأسمالية، بل يتجهان إلى استنزاف نموذج الدولة الوطنية نفسه. فالسيادة، بتعريفها التقليدي القائم على غياب القيد الخارجي، باتت تنفصل شيئاً فشيئاً عن المصالح الإنسانية الفعلية. وكما يكتب بليك وجيلمان: ""لا قيمة لأي سيادة ما لم تمكّن المجتمع من بلوغ غاياته"" (207).
وحتى إن عرّفنا هذا المجتمع بوصفه الأمة، اتباعاً لمقولة أن حق تقرير المصير يعني أن لكل أمة الحق في صياغة دولتها كما تشاء، يظل التصور السلبي للسيادة قاصراً، لأنه عاجز عن ضبط القوى التي تنشأ خارج نطاق الدولة أصلاً. وكما يلاحظ روبنسون، فقد أطلقت الرأسمالية النيوليبرالية قوى كوكبية جامحة، في الوقت الذي راكمت فيه فائضاً هائلاً من البشر لا حاجة لها بهم. وتقتصر استجابة الدول لهذه القوى الكوكبية على التكيف معها، وهي قدرة موزعة توزيعاً بالغ التفاوت بين الدول. وتتجلى حدود السيادة في أفول آفاق المستقبل، إذ إن فضاء التقدم الذي كان يُفترض أن ينشأ من داخل الدولة، ثم يتسع عبر الليبرالية ليشمل النظام الدولي بأسره، بات اليوم مطوَّقاً بقوى خارجية تتجاوزه. فالدول لم تعد تعد مواطنيها بالتقدم والأمان، بل باتت تنصحهم بالصمود والمرونة لا أكثر.
وقد تفرز هذه التحولات حقائق جديدة، كالاعتراف مثلاً بالضرورة الكوكبية، يمكن أن تُلهم أنماطاً مستحدثة من الحوكمة. وينبثق هذا الاحتمال من منطق مختلف تماماً عن ذلك الذي يقوم عليه طرح روبنسون، الذي يفضي عنده التكامل النيوليبرالي لرأس المال، كما رأينا، إلى الأزمة العصرية حتماً. لكن إصرار ووكر (1989) على أن تواريخ متعددة تتعايش داخل الحداثة الكونية يوحي بأن رأس المال لا يمكن اعتباره المؤلف الوحيد للتحول التاريخي. وقد يكون التشظي الجغرافي السياسي، إذن، إشارة لا إلى استنزاف رأس المال فحسب، بل إلى بروز مسارات تاريخية بديلة موازية له. وتبقى المصالح الاقتصادية والسياسية التي تديم التراكم قوية وفاعلة، إلا أنها اليوم مندرجة ضمن عالم مفتوح على إمكانات متعددة. وإذا كان عصر النيوليبرالية قد بدا وكأنه يوصد الأبواب أمام مستقبلات بديلة، فقد يكون استنزاف رأس المال والسيادة معاً، على نحو يبدو متناقضاً للوهلة الأولى، هو بالذات ما يعيد فتح تلك الأبواب من جديد.
