القائمة الرئيسية

فخ الفقر والأزمات: لماذا تعزز الأزمات المالية والفقر بعضهما بعضاً

فخ الفقر والأزمات: لماذا تعزز الأزمات المالية والفقر بعضهما بعضاً
ملخص المقال

يتناول المقال العلاقة التبادلية بين الفقر والأزمات المالية، موضحًا أن كلاً منهما يغذي الآخر ويقوض جهود تحقيق التنمية المستدامة، إذ يؤدي الفقر إلى زيادة هشاشة الأنظمة المالية عبر انخفاض الادخار، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وضعف الاحتياطات المالية، بينما تُفاقم الأزمات المالية الفقر من خلال ارتفاع البطالة، وتآكل الثروة، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، وإلحاق أضرار دائمة برأس المال البشري. ويستعرض المقال أدلة من الأزمات المالية الآسيوية، والأزمة المالية العالمية، وجائحة كوفيد-19، ليبين أن آثارها على الفقر تستمر سنوات طويلة بعد تعافي الاقتصاد. ويخلص إلى أن كسر هذه الحلقة يتطلب سياسات متكاملة تدمج الحد من الفقر ضمن أطر الاستقرار المالي، وتعزز أنظمة الحماية الاجتماعية والقدرة على الصمود، بما يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

تنشأ بين الأزمات المالية والفقر علاقة تبادلية تعزز فيها كل ظاهرة الأخرى، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً أمام التنمية المستدامة وتحقيق أجندة عام 2030. ورغم وجود أدبيات واسعة تتناول كل ظاهرة على حدة، فإن العلاقة السببية ثنائية الاتجاه بينهما تستدعي أطراً تحليلية وسياساتية متكاملة. فأهداف التنمية المستدامة تُلزم المجتمع الدولي بالقضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2030، ضمن الهدف الأول، مع تعزيز الاستقرار المالي عبر تقوية التنظيم، ضمن الهدفين 10.5 و17.13. لكن هذين المسارين عادة ما يُتابَعان عبر قنوات سياساتية منفصلة، مما يُغفل ترابطات حاسمة تقوّض التقدم على الجبهتين معاً. والمخاطر هنا كبيرة، فالأزمات المالية تكررت بانتظام لافت عبر التاريخ الحديث، إذ تظهر أزمة حادة على مستوى العالم مرة كل عقد تقريباً وفق راينهارت وروغوف عام 2009. وكل أزمة تُنتج آثاراً فقرية تستمر طويلاً بعد تعافي المؤشرات المالية. فأزمة عام 2008 و2009 المالية العالمية دفعت 64 مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع وفق تشين ورافاليون عام 2010، بينما أضافت صدمة كوفيد 19 الاقتصادية 97 مليون شخص آخر وفق البنك الدولي عام 2020. والفقر الناتج عن الأزمات يظهر بسرعة لكنه يتراجع ببطء، إذ يحتاج التعافي إلى مستويات الرفاه ما قبل الأزمة عادة إلى خمس أو عشر سنوات وفق هاليغات وآخرين عام 2017. لذا فإن فهم آلية الانتقال هذه وكسرها أمر أساسي لتحقيق التنمية المستدامة.

يستعرض المقال الأدلة حول العلاقة بين الفقر والأزمات من ثلاث زوايا: كيف يضخّم الفقر من هشاشة النظام المالي عبر ضعف الاحتياطات ونمو الاقتصاد غير الرسمي وضغوط الاقتصاد السياسي، وكيف تُديم الأزمات المالية الفقر عبر تأثيرها على التوظيف وتدمير الأصول والتقشف المالي وتآكل رأس المال البشري، إضافة إلى توثيق السجل التجريبي لأزمات كبرى خلال العقود الثلاثة الماضية. والفكرة المحورية هي أن كسر هذه الحلقة المدمرة يتطلب تدخلات سياسية منسقة تدمج اعتبارات الفقر ضمن أطر الاستقرار المالي، وتُدمج في الوقت نفسه القدرة على الصمود أمام الأزمات ضمن أنظمة الحماية الاجتماعية.

كيف يضخّم الفقر مخاطر الأزمات المالية

تخلق معدلات الفقر المرتفعة أوجه ضعف هيكلية داخل الأنظمة المالية عبر آليات متشابكة تزيد من احتمالية وقوع الأزمات المالية وشدتها. وتعمل هذه الآليات على مستوى الأسرة والدولة والمستوى الدولي، مُنتجةً هشاشة كثيراً ما تعجز الأطر التحوطية الكلية التقليدية عن رصدها. فالاقتصادات التي تضم نسبة كبيرة من الفقراء تُظهر معدلات ادخار إجمالية أقل، مما يقلل من رأس المال المتاح للاستثمار الإنتاجي ويحد من قدرة النظام المالي على امتصاص الصدمات. وتُظهر الأبحاث أن مستوى الدخل هو أقوى مؤشر تنبؤي بمعدلات الادخار الوطني، إذ تدخر الدول منخفضة الدخل نسبة أقل بحوالي عشر إلى خمس عشرة نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالاقتصادات مرتفعة الدخل، وفق لوايزا وشميدت هيبل وسيرفين عام 2000، وكارول وويل عام 1994. وهذا العجز الادخاري يخلق اعتماداً على تدفقات رأس المال الدولية المتقلبة لتمويل الاستثمار، مما يُعرّض هذه الاقتصادات لمخاطر التوقف المفاجئ الموثقة بشكل موسع في أدبيات الأسواق الناشئة وفق كالفو عام 1998. فعندما يسحب المستثمرون الدوليون رؤوس أموالهم خلال موجات تجنب المخاطر العالمية، تتعرض الاقتصادات ذات الوسائد الادخارية المحلية الرقيقة لاضطراب غير متناسب.

وعلى مستوى الأسرة، يُزيل الفقر الاحتياطات المالية التي تُمكّن العائلات من تجاوز الاضطرابات الاقتصادية دون التعثر في الوفاء بالتزاماتها. فحين تفتقر الأسر إلى مدخرات طوارئ، حتى الصدمات المتواضعة في الدخل تُطلق سلسلة من حالات التعثر تنتقل عبر النظام المالي. وتُظهر الدول ذات معدلات الفقر الأعلى خسائر أكبر في الناتج عقب الاضطرابات المالية، مع فترات تعافٍ أطول بشكل ملحوظ، وفق كليسنس وكوسي عام 2013. وتعمل هذه الآلية عبر انخفاض الطلب الكلي مع تقليص الأسر المُقيَّدة لاستهلاكها، مما يُضخّم الصدمة الأولية عبر أثر المضاعف. فالأسر الفقيرة لا تستطيع تنعيم استهلاكها عبر تقلبات الدخل، مما يُحوّل نكسات فردية يمكن إدارتها إلى انكماشات نظامية شاملة. كذلك يدفع الفقر النشاط الاقتصادي نحو القطاعات غير الرسمية، مما يخلق أنظمة مالية موازية تتسم بمحدودية الشفافية والرقابة التنظيمية. فالاقتصادات غير الرسمية تشكل ما بين ثلاثين وأربعين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في الدول منخفضة الدخل، مقابل عشرة إلى خمسة عشر بالمئة في الاقتصادات المتقدمة، وفق شنايدر وإنستي عام 2000. وتُطوّر هذه الاقتصادات الموازية آليات ائتمانية خاصة بها، من جمعيات الادخار الدوارة إلى المُقرضين غير الرسميين والتمويل الأصغر غير الخاضع للتنظيم، وهي آليات يمكن أن تُراكم مخاطر خفية تنتقل في النهاية إلى المؤسسات المالية الرسمية. والترابط بين التمويل الرسمي وغير الرسمي يخلق قنوات لانتقال العدوى المالية يصعب على الجهات التنظيمية رصدها أو ضبطها.

وقد جسّدت أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر عام 2008 قناة الانتقال هذه بشكل صارخ. فالممارسات الإقراضية غير الرسمية بين المقترضين المهمشين اقتصادياً، والتي كثيراً ما يسّرها مقرضون جشعون يعملون على هامش التنظيم، أنتجت أصولاً عقارية طُمست خصائص مخاطرها الحقيقية عبر عملية التوريق. فالأحياء ذات الدخل والتعليم الأدنى شهدت أكثر توسع ائتماني عدوانية بين عامي 2002 و2006، ثم أعلى معدلات تعثر لاحقاً، وفق ميان وسوفي عام 2014. فالرابط بين الفقر والأزمة عمل عبر أسواق ائتمان صُمِّمت لاستخلاص القيمة من الفئات الضعيفة بدلاً من بناء مرونتها المالية. وما بدا ابتكاراً مالياً كان في الواقع آلية لنقل المخاطر من المؤسسات المتطورة إلى الأسر الأقل قدرة على تحملها.

كذلك يولّد الفقر المرتفع ضغوطاً سياسية لتوسيع الائتمان تجاه الفئات المحرومة من الخدمات، مما قد يُضعف معايير الإقراض والاستقرار الاقتصادي الكلي. فتفاقم التفاوت في الدخل في الولايات المتحدة أسهم في سياسات تشجع ملكية المنازل بين الأسر منخفضة الدخل، عبر مؤسسات مدعومة حكومياً وتساهل تنظيمي، وفق راجان عام 2010. وبينما كانت هذه السياسات مدفوعة باعتبارات توزيعية مشروعة، فإنها في النهاية زعزعت استقرار النظام المالي بعواقب كارثية على الفئات نفسها التي كان يُفترض أن تستفيد منها. وبالمثل، قد تلجأ الحكومات التي تواجه ضغوطاً اجتماعية ناجمة عن الفقر إلى سياسات مالية غير مستدامة تُضعف الاستقرار الاقتصادي الكلي، مما يُفضي إلى تضخم يُقوّض القوة الشرائية للفقراء، ويخلق حلقات تغذية راجعة بين الفقر والضغط المالي والهشاشة المالية.

كيف تُعمّق الأزمات المالية الفقر

تُلحق الأزمات المالية ضرراً غير متناسب بالفئات الفقيرة والضعيفة عبر قنوات انتقال متعددة، مما يخلق فخاخ فقر مستمرة تدوم بعد انتهاء الأزمات نفسها. والتفاوت هنا صارخ، إذ إن الأقل مسؤولية عن نشوء الهشاشة المالية هم من يتحملون أعلى تكاليفها. فاضطرابات سوق العمل تمثل آلية الانتقال الأكثر مباشرة، إذ تُطلق الأزمات عادة انكماشاً حاداً في التوظيف، مع تعرض العمال الأقل مهارة لأعلى معدلات فقدان الوظائف. فالعمال الأقل تعليماً يواجهون خسائر وظيفية غير متناسبة أثناء الركود، مع انخفاض في التوظيف بين من لم يُكملوا الثانوية يفوق بهامش كبير الانخفاض بين خريجي الجامعات، وفق هوينس وميلر وشالر عام 2012. علاوة على ذلك، يعاني العمال المسرَّحون من فترات بطالة مطولة، وعند عودتهم للعمل غالباً ما يقبلون بوظائف بأجور أقل بكثير، وهي آثار تستمر لسنوات أو حتى بشكل دائم، وفق ديفيس وفون واختر عام 2011، وجاكوبسون ولالوند وسوليفان عام 1993. وآثار الندوب الناتجة عن البطالة في فترات الأزمة تتجاوز فقدان الدخل لتشمل تآكل المهارات وضعف شبكات العلاقات وآثاراً نفسية تتراكم مع الزمن.

كذلك تحتفظ الأسر الفقيرة عادة بثروتها في أشكال شديدة العرضة للتدمير أثناء الأزمات. فالسكن يمثل حصة غير متناسبة من أصول الأسر منخفضة الدخل، وأسعار المساكن تنهار خلال الأزمات المالية. ففي أزمة عام 2008، انخفض متوسط ثروة الأسرة في الولايات المتحدة بنحو أربعين بالمئة، مع انخفاضات أكبر نسبياً لدى الشريحة الأفقر، وفق فايفر ودانزيغر وشوني عام 2013. وخلافاً للأسر الثرية ذات المحافظ الاستثمارية المتنوعة، لا تستطيع الأسر الفقيرة إعادة موازنة أصولها نحو فئات آخذة في التعافي، مما يُثبّت خسائر الثروة بشكل دائم. وتدمير حقوق الملكية العقارية يُلغي الآلية الأساسية التي تراكم عبرها الأسر العاملة ثروتها عبر الأجيال، مُديماً بذلك التفاوت جيلاً بعد جيل.

وتُولّد الأزمات المالية ضغوطاً مالية حكومية حادة تنعكس في تراجع الحماية الاجتماعية في اللحظة التي تكون فيها الحاجة إليها في أوجها. فالحكومات التي تواجه انهيار الإيرادات وارتفاع تكاليف الاقتراض كثيراً ما تلجأ إلى إجراءات تقشفية تطال الصحة والتعليم وبرامج التحويلات النقدية. وهذه الاستجابة المالية المسايرة للدورة الاقتصادية تُعمّق الآثار الفقرية وتُؤخر التعافي. فالتعديل المالي في برامج صندوق النقد الدولي أثناء الأزمات قلّص تاريخياً حصة الإنفاق الاجتماعي من الناتج المحلي الإجمالي في غالبية الحالات، وفق ستابس وكينتيكيلينيس وكينغ عام 2017، وأورتيز وكامينز عام 2014. والنتيجة المفارقة أن السكان المتضررين من الأزمات يواجهون في آن واحد خسائر في الدخل وتراجعاً في الوصول إلى الخدمات العامة التي كان يمكن أن تُخفف من وطأة الصدمة.

ولعل الأخطر من ذلك كله أن الفقر الناجم عن الأزمات يُولّد خسائر لا رجعة فيها في رأس المال البشري. فالصدمات الاقتصادية الكلية ترتبط ارتباطاً قوياً بانخفاض معدلات الالتحاق بالمدارس، خاصة بين الفتيات وفي البيئات منخفضة الدخل، وفق فيريرا وشادي عام 2009. والأطفال الذين يُسحَبون من المدرسة للمساهمة في دخل الأسرة أثناء الأزمات نادراً ما يعودون إليها حتى بعد تحسن الأوضاع. كذلك يُولّد الحرمان الغذائي في مرحلة الطفولة المبكرة عجزاً معرفياً دائماً يُقلّل من إمكانات الدخل مدى الحياة، وفق ألدرمان وهودينوت وكينسي عام 2006. واضطرابات النظام الصحي تزيد من وفيات الأمهات والرضع، مع تركّز الآثار بين الفقراء الذين يفتقرون إلى بدائل عن الخدمات العامة. وهذه الآثار العابرة للأجيال تُحوّل الأزمات المؤقتة إلى فخاخ فقر دائمة، إذ يدخل الأطفال الذين عانوا من حرمان مرتبط بالأزمة مرحلة البلوغ بقدرات منقوصة تحد من إمكاناتهم الدخلية الخاصة وإمكانات أبنائهم مستقبلاً.

أدلة من أزمات كبرى

يُبرز السجل التجريبي لثلاث أزمات كبرى، هي الأزمة المالية الآسيوية بين عامي 1997 و1998، والأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2009، وصدمة كوفيد 19 الاقتصادية عام 2020، مدى شدة واستمرارية الفقر الناجم عن الأزمات. وتُظهر كل حالة من هذه الحالات أن المؤشرات المالية يمكن أن تتعافى بينما يبقى الرفاه الإنساني منخفضاً لسنوات.

فقد دمّرت الأزمة المالية الآسيوية إنجازات الحد من الفقر في المنطقة. ففي إندونيسيا، تضاعف معدل الفقر أكثر من مرتين، من أحد عشر بالمئة إلى أربعة وعشرين بالمئة خلال عام واحد. وانخفضت الأجور الحقيقية بنسبة خمسة وثلاثين بالمئة، بينما ارتفعت أسعار الغذاء بشكل حاد بسبب انهيار العملة، وفق فرانكنبرغ وتوماس وبيغل عام 1999. ووثّقت المسوح الأسرية انخفاضات كبيرة في المدخول السعري الغذائي واستخدام الرعاية الصحية والالتحاق بالمدرسة. والأهم أن التعافي إلى مستويات الفقر ما قبل الأزمة تطلّب أكثر من عقد من الزمن، أي وقتاً أطول بكثير من استقرار القطاع المالي، وفق سوريهادي وسوريادارما وسومارتو عام 2009. فقد أعادت الأزمة سنوات من التقدم التنموي إلى الوراء، ولم تسترجع بعض الأسر المتضررة مستويات معيشتها ما قبل الأزمة بشكل كامل قط.

أما الأزمة المالية العالمية فقد أظهرت أن حتى الاقتصادات المتقدمة ذات أنظمة الحماية الاجتماعية القوية تعاني من آثار فقرية كبيرة أثناء الأزمات المالية. ففي الولايات المتحدة، ارتفع معدل الفقر من اثني عشر ونصف بالمئة عام 2007 إلى خمسة عشر وواحد بالمئة بحلول عام 2010، أي ما يمثل 46.2 مليون شخص يعيشون في فقر، وفق مكتب الإحصاء الأمريكي عام 2011. وكان الارتفاع أكثر وضوحاً بين الأطفال، مع تجاوز معدل فقر الأطفال عشرين بالمئة. وكان التعافي بطيئاً بشكل استثنائي، إذ لم تعد معدلات الفقر إلى مستويات ما قبل الأزمة إلا في عام 2019، أي بعد أكثر من عقد كامل. وعلى المستوى العالمي، يُقدّر البنك الدولي أن الأزمة دفعت 64 مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع بحلول عام 2010، وتركّز هذا الأثر في مناطق ذات هامش مالي محدود للاستجابة المضادة للدورة الاقتصادية، وفق تشين ورافاليون عام 2010.

وقد أنتجت جائحة كوفيد 19 صدمة اقتصادية غير مسبوقة الاتساع، تركّزت آثارها الفقرية بالتحديد بين الفئات الأقل مسؤولية عن نشوء الأزمة. ويُقدّر البنك الدولي أن كوفيد 19 دفعت 97 مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع في عام 2020 وحده، وهو أكبر ارتفاع سنوي في الفقر العالمي منذ بدء تسجيل البيانات، وفق البنك الدولي عام 2020. وواجه عمال القطاع غير الرسمي انهياراً فورياً في الدخل مع تسبب إجراءات الإغلاق في القضاء على مصادر رزقهم. وعانت النساء من آثار غير متناسبة في سوق العمل، مما هدد التقدم الذي تحقق بشق الأنفس في مجال المساواة بين الجنسين. وكشفت الأزمة عن هشاشة كامنة خلف مظاهر التقدم التنموي الظاهرة، إذ ثبت عجز الأسر التي تفتقر إلى مدخرات أو حماية اجتماعية عن الصمود حتى أمام اضطراب مؤقت في الدخل.

كما كشفت الاستجابة لجائحة كوفيد 19 عن إمكانية أن تُخفف الحماية الاجتماعية من الآثار الفقرية للأزمات. فالدول التي كانت تمتلك بنية تحتية سابقة للحماية الاجتماعية، تشمل برامج التحويلات النقدية وسجلات المستفيدين وأنظمة الدفع الرقمي، تمكنت من إطلاق استجابات سريعة وصلت إلى الفئات الضعيفة خلال أسابيع. فالدول التي وسّعت الحماية الاجتماعية وصلت إلى أكثر من 1.5 مليار شخص بحلول ديسمبر 2020، وفق جينتيليني وآخرين عام 2021. وهذا التفاوت في النتائج يُثبت أن الخيارات السياساتية قادرة على التخفيف بشكل كبير من الرابط بين الفقر والأزمات. فالدول التي استثمرت في الحماية الاجتماعية قبل وقوع الأزمة حققت نتائج أفضل أثناءها.

كسر الحلقة: توصيات سياساتية

تتطلب معالجة العلاقة بين الفقر والأزمات تدخلات منسقة عبر مراحل الوقاية والاستجابة والتعافي. والفكرة الجوهرية هنا أن الفقر والهشاشة المالية ليسا مجالين سياساتيين منفصلين، بل تحديين متشابكين يستدعيان حلولاً متكاملة. ففيما يخص الوقاية من الأزمات، ينبغي أن تُدمج الأطر التحوطية الكلية ديناميكيات الفقر باعتبارها مؤشرات مخاطر نظامية. والاقتصادات ذات معدلات الفقر المرتفعة تستدعي احتياطات رأسمالية معززة ورقابة تنظيمية أوثق على الإقراض الموجه للفئات الضعيفة. كما ينبغي أن تعالج أنظمة حماية المستهلك ممارسات الإقراض الجشع التي تستخلص قيمة من الأسر الفقيرة مع خلق مخاطر خفية على مستوى النظام بأكمله. وعلى مستوى الأسرة، يمكن أن يُسهم بناء احتياطات مالية عبر برامج الادخار التشاركي والتأمين متناهي الصغر في تقليل انتقال الصدمات الاقتصادية الكلية إلى رفاه الأفراد. وينبغي أن تُطوّر الدول أنظمة حماية اجتماعية تكيفية مزودة بآليات تمويل وتوزيع جاهزة مسبقاً يمكن توسيعها بسرعة عند وقوع الأزمات، وفق بوين وآخرين عام 2020.

وتتطلب آليات الاستجابة للأزمات اهتماماً خاصاً بالسرعة والتغطية. فالهامش المالي المحفوظ عبر سياسات حصيفة قبل الأزمة يُمكّن من استجابات مضادة للدورة الاقتصادية تحمي الفئات الضعيفة. وينبغي تصميم برامج الحماية الاجتماعية بقدرة على التوسع الأفقي، بحيث تمتد التغطية لتشمل الفئات التي انضمت حديثاً إلى صفوف الفقراء أثناء الأزمات. والبنية التحتية للدفع الرقمي وسجلات المستفيدين تُمكّن من الصرف السريع عندما تتعطل قنوات التوزيع التقليدية. كما يمكن لبرامج حماية التوظيف، بما فيها برامج الأشغال العامة ودعم الأجور، أن تحافظ على دخل الأسر مع الإبقاء على ارتباطها بسوق العمل ومنع خسائر رأس المال البشري التي تُحوّل الأزمات المؤقتة إلى فقر دائم.

ويجب أن تُعطي استراتيجيات التعافي الأولوية لاستعادة رأس المال البشري. فبرامج تعويض الفاقد التعليمي، والدعم الغذائي التكميلي، واستعادة الخدمات الصحية، استثمارات أساسية تمنع تحوّل الأزمات المؤقتة إلى خسائر دائمة في القدرات. ويمكن للضرائب التصاعدية خلال مراحل التعافي أن تُموّل هذه الاستثمارات مع معالجة الآثار التوزيعية لتدمير الثروة الناجم عن الأزمة. وينبغي أن تُدمج المؤسسات المالية الدولية شروطاً مراعية لأوضاع الفقراء في إقراضها أثناء الأزمات، لضمان ألا يقع عبء التعديل المالي بشكل غير متناسب على الفئات الضعيفة. والهدف ينبغي أن يكون تعافياً يبني مرونة أمام الصدمات المستقبلية، لا مجرد استعادة الهشاشة التي كانت قائمة قبل الأزمة.

الخاتمة

تخلق العلاقة التبادلية بين الفقر والأزمات المالية فخاً تنموياً تعجز المقاربات التقليدية المنعزلة عن معالجته. فأطر الاستقرار المالي يجب أن تُدمج ديناميكيات الفقر، مع الإقرار بأن الهشاشة الاقتصادية المتركزة تشكل بحد ذاتها مخاطر نظامية. كما يجب أن تراعي استراتيجيات الحد من الفقر أوجه الضعف في القطاع المالي، عبر بناء مرونة الأسر أمام الصدمات الاقتصادية الكلية. ويظل التعاون الدولي أساسياً، إذ إن الأزمات المالية تنتقل عالمياً بينما تتركز آثارها الفقرية محلياً بين الفئات الأقل مسؤولية عن نشوئها. وتُظهر الأدلة المستعرضة هنا أن الفقر الناجم عن الأزمات شديد وسريع الحدوث ومستمر. فملايين البشر يُدفعون إلى الحرمان خلال أشهر من بدء الأزمة، بينما يحتاج التعافي إلى مستويات الرفاه ما قبل الأزمة إلى سنوات أو حتى عقود. وخسائر رأس المال البشري الناجمة عن انقطاع التعليم وسوء التغذية لا تُستعاد بشكل كامل أبداً. وهذه الآثار التي لا رجعة فيها تستدعي اهتماماً سياساتياً عاجلاً تعجز الترتيبات المؤسسية الحالية عن توفيره.

فطموح أهداف التنمية المستدامة للقضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2030 لن يتحقق ما لم يُبنَ في الوقت نفسه نظام مالي مرن يحمي الفئات الضعيفة. وفي المقابل، فإن مبادرات الاستقرار المالي التي تتجاهل الديناميكيات التوزيعية ستفشل في معالجة أوجه الضعف المتجذرة في الفقر والتي تُسهم في المخاطر النظامية. وكسر حلقة الفقر والأزمات يتطلب أطراً سياساتية متكاملة تعمل عبر هذه المجالات كافة، وهو تحدٍّ يستلزم تنسيقاً بين وزارات المالية والبنوك المركزية ووكالات الرفاه الاجتماعي والمؤسسات الدولية. والرهانات الإنسانية هنا لا يمكن أن تكون أعلى مما هي عليه.

الكاتب فينسنت جيه هوبر أستاذ التمويل ورئيس القسم في كلية إس بي جاين لإدارة الأعمال العالمية، التي تضم فروعاً في دبي ومومباي وسنغافورة وسيدني ولندن. ويركز بحثه على الأسواق الناشئة وتحليل المخاطر الجيوسياسية والتقاطع بين التمويل والتنمية المستدامة.

المصدر

مقالات ذات صلة