القائمة الرئيسية

في زمن الذكالي، تسعى المدارس إلى تعليم أبنائها التفكير النقدي

في زمن الذكالي، تسعى المدارس إلى تعليم أبنائها التفكير النقدي
ملخص المقال

يتناول المقال التحديات التي يفرضها الذكالي على التعليم، ولا سيما خطر اعتماد الطلاب على الآلة في التفكير بدلاً من تنمية قدراتهم العقلية، مستعرضًا تدريبًا لمعلمي نيويورك ركّز على تعزيز التفكير النقدي واستخدام أدوات الذكالي بوعي. ويرى الكاتب أن هذا الطرح يغفل حقيقة أساسية مفادها أن التفكير النقدي لا ينفصل عن امتلاك رصيد معرفي متين في مختلف المواد الدراسية، إذ إن المعرفة هي الأساس الذي يمكّن الطلاب من طرح الأسئلة الصحيحة، وتقييم صحة مخرجات الذكالي، وتوظيفها بفعالية. ويخلص المقال إلى أن الذكالي لا يقلل من أهمية المعرفة، بل يجعلها أكثر ضرورة، لأن التفكير النقدي لا يمكن أن يقوم على مهارات مجردة بمعزل عن الفهم العميق للمحتوى.

في صباح أحد أيام الثلاثاء، توافد عشرات المعلمين من مدينة نيويورك إلى قاعة في جنوب مانهاتن، ليجلسوا معاً أمام سؤال بات يقلق كل من يعمل في الحقل التربوي اليوم: كيف نحافظ على قدرة طلابنا على التفكير النقدي، وكيف نتعامل مع ظاهرة ""الاتكال المعرفي"" على الآلة، في زمن غزت فيه أدوات الذكالي كل تفاصيل حياتنا؟ هذا كان عنوان الجلسة التدريبية بالضبط.

بمجرد أن بدأ التدريب، ارتفعت أيدي الحاضرين جميعاً تقريباً حين سُئلوا: هل توافقون على أن التفكير النقدي مهارة جوهرية لا يمكن الاستغناء عن تعليمها لطلابنا؟ وطوال ذلك اليوم، غاص المعلمون في تفاصيل عملية، من قبيل كيف تُصاغ الطلبات الموجهة لروبوتات الدردشة الذكية بطريقة تُنتج إجابات أدق، وكيف يُختبر مدى صحة ما تقدمه هذه الأدوات من معلومات. وتطرقوا أيضاً إلى مخاوف حقيقية، أبرزها أن يستسلم الطالب لإغراء ترك الآلة تفكر بدلاً منه. كذلك تعرّفوا على أساليب صفية تُعزز التفكير النقدي، منها التعلم التبادلي بين الأقران، والحوار السقراطي، وتدوين الأفكار أولاً بأول أثناء الدرس.

نظّمت هذا اللقاء التدريبي ""الأكاديمية الوطنية لتدريس الذكالي""، وهي مبادرة ضخمة بتمويل يُقدَّر بملايين الدولارات، أطلقها الاتحاد الأمريكي للمعلمين بدعم من ثلاث شركات كبرى في مجال الذكالي، هي أنثروبيك ومايكروسوفت وأوبن إيه آي.

حضرتُ هذا التدريب شخصياً، وسمعت من كثير من المعلمين ثناءً على مضمونه واستراتيجياته. غير أنني لاحظتُ غياباً شبه كامل لفكرة جوهرية، وهي أن التفكير النقدي لا ينفصل عن محتوى المواد الدراسية نفسها، من رياضيات وتاريخ وعلوم. وهذه حقيقة كثيراً ما تُنسى حين يدور الحديث عن كيفية تعامل المدارس مع انتشار الذكالي التوليدي.

والمشكلة أن الدعوة المتكررة إلى تركيز المعلمين على ""مهارات تفكير"" مجردة، منفصلة عن أي محتوى، قد تدفع من دون قصد إلى التقليل من شأن العنصر الذي يقوم عليه التفكير النقدي أصلاً: أي التمكن من رصيد واسع من المعارف والحقائق.

يقول دانيال ويلينغهام، أستاذ علم النفس المعرفي في جامعة فيرجينيا، في مقال نشره عام 2020 بمجلة ""المربي الأمريكي"" التابعة للاتحاد الأمريكي للمعلمين: ""المعرفة المتخصصة في مجال بعينه هي المحرك الأساسي لمهارة التفكير. فالتفكير النقدي حين نواجه مسائل مفتوحة لا حل جاهز لها، إنما يتغذى من مخزون معرفي واسع"".

ومع أن التكنولوجيا سهّلت الوصول إلى المعرفة، بدءاً من الكتب مروراً بمحرك جوجل ووصولاً اليوم إلى الذكالي التوليدي، رأى بعض المراقبين أن على المدارس أن تولي اهتماماً أقل للحقائق الأساسية التي بات البحث عنها سهلاً ميسوراً. ويذهب المنتدى الاقتصادي العالمي إلى القول إن ""التعليم في القرن الحادي والعشرين يجب أن يتخطى مجرد نقل المعرفة""، وإن على المدارس أن تُكسب طلابها بدلاً من ذلك ""مهارات المستقبل""، وفي مقدمتها التفكير النقدي والإبداع.

لكن هذه الفكرة ليست جديدة على الإطلاق. فمنذ أكثر من عشر سنوات، اجتمعت نخبة من الأكاديميين ضمن المجلس الوطني الأمريكي للبحوث لبحث سبل ترسيخ ما كان يُعرف حينها بـ""التعلم العميق"" و""مهارات القرن الحادي والعشرين""، وهي مصطلحات كانت رائجة آنذاك. والمثير أن هؤلاء الخبراء أعادوا صياغة المسألة برمتها، إذ خلص تقريرهم الصادر عام 2012 إلى أن ""اللجنة تنظر إلى مهارات القرن الحادي والعشرين على أنها أبعاد من الخبرة، مرتبطة عضوياً بمعرفة متخصصة في مجال بعينه، بل ومتشابكة معها تشابكاً وثيقاً"".

صحيح أن ثمة مهارات، كالتواصل والتنظيم الشخصي والعمل ضمن فريق، تفيد في سياقات ومواد متعددة. وصحيح أيضاً أن الحقائق المجردة، كحفظ أسماء الرؤساء دون إدراك موقعهم في سياق التاريخ، لا تكفي وحدها لبناء تفكير نقدي حقيقي.

لكن الطالب لا يستطيع حل مسألة رياضية دون أن يحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب. ولا يستطيع أن يستنتج أسباب حدث تاريخي دون معرفة جيدة بالتواريخ والشخصيات التي صنعت ذلك الحدث. ولا يستطيع أن يقرأ نصاً معقداً ويحلله دون رصيد واسع من المفردات. وكما يقول علماء الإدراك، فإن التفكير النقدي بحد ذاته يستلزم قدرة على استحضار كم هائل من الحقائق الأساسية وربطها ببعضها بسلاسة تلقائية.

نعم، يستطيع الطلاب البحث عن معلومة ناقصة هنا أو هناك، لكن حين يعتاد الإنسان اللجوء إلى مصادر خارجية بشكل مفرط، يعجز دماغه عن استيعاب كل هذه المعلومات الجديدة وتنظيمها في آن واحد. تخيل أنك تقرأ كتاباً وتتوقف كل بضع جمل لتبحث عن معنى كلمة غريبة أو فكرة غامضة، فكيف سيكون شعورك حيال ما قرأته في النهاية؟

ولا يوجد حتى الساعة ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الذكالي سيغير من هذه المعادلة. فهذه التقنية قد تساعد فعلاً في العثور على معلومات جديدة، لكن المعرفة تبقى شرطاً لا بديل عنه: لصياغة السؤال الصحيح الموجه للآلة، ولتقييم مدى صحة ما تجيب به، ولتوظيف تلك الإجابة في سياق عملي محدد.

وفي حديثي مع راندي وينغارتن، رئيسة الاتحاد الأمريكي للمعلمين، أقرّت بأن المعرفة تظل مهمة بلا شك، لكنها أضافت أن ما ""يفرضه"" الذكالي ""هو أن يتعلم الأطفال فعلاً كيف يفكرون وكيف يحلون المشكلات"". وكررت المعنى نفسه بصياغة مقاربة في خطاب مهم ألقته قبل أيام قليلة.

وضربت وينغارتن مثالاً بطلاب المرحلة الابتدائية، قائلة إن عليهم أن يمارسوا التربية المدنية عملياً، بأن يبحثوا في قضية ما ثم يتعلموا كيف يمارسون الضغط على السياسيين المحليين لإحداث تغيير فعلي. وأضافت: ""ربما سيتعين علينا التخلي عن بعض القضايا أو الحقائق الأخرى الواردة في منهج الدراسات الاجتماعية"".

من جهتها، أوضحت ماريا إيلينا غوزمان، إحدى مدربات أكاديمية الاتحاد، أن مسألة المعرفة لم تُطرح بشكل مباشر خلال التدريب، لأن المعلمين أصلاً على دراية بأن تدريس المعايير المرتبطة بالمحتوى جزء لا يتجزأ من عملهم. وقالت: ""هذا أمر بديهي، إنه جزء من عملهم اليومي المعتاد"".

لكن حين لا يُشرح للمعلمين صراحة كيف ترتبط المعرفة بالتفكير النقدي، فقد يخرج بعضهم بانطباع خاطئ مفاده أن المحتوى الواقعي لم يعد بتلك الأهمية التي كان عليها سابقاً، خاصة أن هذا الرأي ما زال متداولاً وشائعاً بين كثير من المعلقين في الشأن التربوي.

أما جيسي رويدر، معلم الروبوتات وعلوم الحاسوب في إحدى المدارس الثانوية بمدينة نيويورك، فيُثمّن الجهد الذي يبذله الاتحاد الأمريكي للمعلمين لمساعدة أعضائه على التعامل بحكمة مع تعقيدات الذكالي. وقد سبق له حضور أربع دورات تدريبية نظمتها الأكاديمية. وخلال جلسة التفكير النقدي، لفت الانتباه إلى أهمية المعرفة في استخدام الذكالي استخداماً فعالاً.

وقال لي لاحقاً: ""لا بد أن تعرف بما يكفي لتقول لنفسك: لحظة، هذا الكلام غير صحيح"".

المصدر

مقالات ذات صلة